أسباب انهيار مبدأ التعايش في آيببرية وتأثير ذلك في عملية الطرد الكبير

ورقة المؤرخ عادل سعيد بشتاوي إلى المؤتمر العالمي العاشر للدراسات الموريسكية في زغوان (تونس)

The Collapse of the Principle of Coexistence in Iberia and its effect on the Expulsion of the Moriscos

محور الورقة: خرجت قشتالة إلى الوجود من تحت عباءة حربها مع الأندلس وخرجت إسبانيا إلى العالم من تحت عباءة حربها مع غرناطة. وخلال رحلة الأندلسيين من السيادة في وطنهم إلى الاستعباد دفع الإسبان ثلاثة ملايين عربي خارج بلادهم لذا يمكن اعتبار الأندلسيين من أكثر الشعوب المنكوبة آنذاك. وحاولت إسبانيا خلال أكثر من 100 عام تلت تسليم غرناطة في 1492 قطع صلة الأندلسيين بدينهم ومجتمعهم وتذويب شخصيتهم إلا أنهم صمدوا وبقيت روحهم المعنوية عالية، وظلوا في سوادهم محافظين على دينهم وعروبتهم وعاداتهم حتى يئست الكنيسة من تنصيرهم، ويئست السلطة من إرهابهم فقررت تغريب قسم كبير منهم مطلع القرن السابع عشر وببدأ هؤلاء تغريبة لم يستطع الباحثون حتى الآن رسم خريطة وافية لها. وكان الأندلسيون المٌبعدون عن وطنهم أكبر ضحية لهذا القرار الإسباني، إلا ان أسبانيا خسرت أيضاً لأنها أبعدت مواطنين منتجين، ولم تنتبه إلى خطأ قرارها إلا عندما بدأت تبحث عن مكامن القوة في جسد الأمبراطورية الذي بدأ يترنح تحت ضغوط أعدائها في كل مكان خلال القرن السابع عشر. إلا أننا نعتقد عموماً ان الضحية الأهم في كل هذا هو مبدأ التعايش الذي عرفته شبه جزيرة آيبرية في فترات كثيرة من تاريخها الطويل، وكان في مراحل عدّة أحد أهم أسباب النهضة التي قامت على تضافر جهود أصحاب الأديان السماوية الثلاثة: الإسلام والنصرانية واليهودية. من هذه الزاوية بالذات نعتقد أن قرار طرد الأندلسيين الجدد كان طعنة قاتلة لمبدأ التعايش، وإقراراً من جانب الإسبان بعجزهم عن اعتماد هذا المبدأ وفتحوا بذلك، ربما من دون قصد، بوابة من العنصرية والقهر الديني وانعدام التسامح لا يزال العالم يعاني من تأثيراتها حتى اليوم.
 
 
الجزء الأول
 
١- المقدمات
 
١)- مدخل:
تتجلّى مأساة الأمّة الأندلسية في انقطاعها عن باقي الأمتين العربية والإسلامية خلال صدامها مع إيزابيلا وكارلوس الخامس وفيليب الثاني ثم فيليب الثالث في مرحلة من أكثر مراحل التاريخ إضطراباً. وسيطر الصراع بين العثمانيين ومعظم الأوروبيين، بمن فيهم الإسبان، على أحداث القرنين السادس عشر والسابع عشر. لكن عين الإسبان، واسلحتهم أيضاً، كانت موجهة إلى الفرنسيين الواقفين للتوسع الإسباني بالمرصاد، وإلى البرتغاليين سعياً وراء فرصة يُمكن اقتناصها لأخذ بلدهم الصغير، وإلى عرب المغرب لاعتماد بعض مدن الساحل المغاربي نقاط دفاع متقدمة ضد العثمانيين، ثم جاءت حركة الإصلاح الديني اللوترية وبدأت تهدد ممالك إسبانيا في هولندا وألمانيا والعالم الجديد.
وكان الأندلسيون، في رأي القسم الأكبر من الإسبان، القاسم المشترك الأعظم بين كل أعدائهم. فهم مسلمون مثل العثمانيين، وعرب مثل أهل العدوة، وأنصار لفرنسا وفقاً للقول المشهور ”عدو عدوي صديقي“، وإخوان الشقاء مع الهولنديين البروتستانت الذين خاضوا معركة دامية مع إسبانيا للحصول على استقلالهم استمرت 80 سنة. وكان الأندلسيون في إسبانيا أقليّة كبيرة لا يُستهان بها وملكوا معرفة جيدة بأحوال البلاد ومنافذها لذا كانوا، في نظر الإسبان وعلى حد قول محدث منهم هو الدكتاتور فرانكو، ”طابوراً خامساً“ مستعداً للتعاون مع أعداء إسبانيا للخلاص من الاضطهاد الذي عانوا منه فتحينوا فرصهم دائماً. وفهم بعض ملوك إسبانيا هذا الوضع فحاولوا تخفيف الاضطهاد والتشدّد خلال فترات الاستقرار الداخلي والخارجي. لكن هذه الفترات كانت قصيرة جداً، وبدأ ارتفاع حدّة الضغوط ضد الأندلسيين داخلياً يواكب ارتفاع حدّة الضغوط الخارجية، ثم استقرت هذه الضغوط في مستوى مرتفع اعتباراً من بدء الحرب ضد البروتستانت في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر. حدث هذا لاحقاً، ففي السنوات القليلة التي اعقبت القضاء على الثورة الأندلسية الأولى لم تصل الضغوط الخارجية إلى الحد الذي كان معه التضييق الكبير على الأندلسيين ضرورياً. وكانت جماهير قشتالة آنذاك مبهورة من سرعة استجابة إيزابيلا لمطالبها بتمزيق المجتمع اليهودي وتمتّع المجتمعات القشتالية المحيطة بمملكة غرناطة بالفورة الاقتصادية التي ولّدتها الحرب الطويلة مع المملكة العربية لذا كانت الجماهير تخرج في الطرقات وتغني: ”مهما ارتفعنا ومهما علونا ستبقى إيزابيلا وفرناندو أعلى منّا“.
ويجب القول إن الذي كان يُناسب المجتمع القشتالي في المئة سنة التي تلت تسليم غرناطة لم يكن يناسب المجتمع الأندلسي، وإن المجتمع القشتالي هو الذي استفزّ الأندلسيين لإعلان الثورة الأولى ثم لإعلان الثورة الكبرى. ويجب القول كذلك إن الملوك الإسبان الذين كتبوا مراسيم العفو عن الأندلسيين هم أنفسهم الذين كتبوا مراسيم العقوبات بالحبر نفسه، وإن الكاهن الذي كان يحاول أن يقنع الأندلسي في الكنيسة بفضيلة إدارة الخد الأيسر ينتمي إلى المؤسسة نفسها التي ينتمي إليها من كان يضرب الأندلسي في أقبية التعذيب تحت قصور محاكم التحقيق على خده الأيمن ثم الأيسر، ثم يركله بهذه القدم ثم تلك قبل أن يبدأ التعذيب الحقيقي بعد ذلك. كيف كان الأندلسي المسكين يستطيع أن يتصوّر الشخصيتين في شخصية واحدة وهو يرى فيهما الشيء ونقيضه؟ كيف كانت الأندلسيّة ستقتنع بقول القسيس إن الكنيسة محل الرحمة فيما هي تعرف أن الدير القريب منه قصر محكمة التحقيق التي لا تفرّق بين رجل وأمرأة، ولا شاب وعجوز؟
٢)- الحقوق والواجبات
ورأى مؤرخون أن الأزمة بين الأندلسيين ومحاكم التحقيق ذات طابع ديني واضح لكنها أيضاً أزمة في شأن طبيعة الدور الذي أراد المجتمع الإسباني من الأندلسيين القيام به. إن حديث بعض المؤرخين عن مواجهة جدلية استمرت بين الإسبان والقشتاليين 100 عام لتحديد واجبات كل من الطرفين وحقوقه لا يستند إلى أرضية يمكن إثبات وجودها لأن الإسبان لم يقدموا للأندلسيين على مدى أكثر من قرن سوى خيار واحد هو التنصّر الذي لم يستطع معظم الأندلسيين قبوله. وخلال المئة عام تلك كان على الأندلسيين دائماً أن يقدموا التنازلات. لكن حتى لو قدّم الأندلسيون هذا التنازل الأخير وتنصّروا من المشكوك فيه أن يؤدي هذا إلى تغيير جذري في العلاقة التي نظر اليها بعض الإسبان من زاوية العلاقة المعروفة بين العبد والسيد. وماذا يحدث إذا استاء الإسباني من الأندلسي المُتنصر؟ سيتهمه بعدم الإخلاص في اعتناق النصرانية. وإذا استاء القشتالي من الأندلسي المخلص الإيمان بالنصرانية فبماذا سيتهمه؟ سيتهمه بأنه عربي. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين الأندلسية والإسبانية.
وكان الأندلسيون يؤدون أعمالاً لم يتقنها القشاتلة أو تعففوا عن الاشتغال بها فهم الأطباء والبياطرة والخبّازون والحدادون والنجارون والخياطون والحذّائون وتجّار المواد الغذائية والبغّالون والفلاحون وموزعو الماء ومئات الوظائف الاخرى. وعلى مر العصور اعتاد القشاتلة حمل السلاح والاتجاه جنوباً نحو مراكز الانتاج الأندلسية والاستيلاء عليها وإغراء الأندلسيين بالبقاء فيها ليستمروا في إعمار البلاد ودفع الضرائب والأتاوات التي أغنت الخزانة. وكان الأندلسيون يؤدون هذا الدور في القرن الثالث عشر مثلما كانوا يؤدونه في القرن السادس عشر وفي عصر الخلافة القرطبية قبلهما. وها قد صدرت مراسيم التنصير وصار كل الأندلسيين في قشتالة يُعتبرون متنصرين فمن سيتولى القيام بالأعمال التي كان الأندلسيون يقومون بها إذا صار هؤلاء متساوين في الحقوق مع القشاتلة فكان من بينهم القاضي ورئيس البلدية وقادة الجيش والمسؤولون الحكوميون وانفتحت فرص شغل المناصب الرفيعة أمامهم؟ بماذا سيتميّز القشتالي عندها؟.
هذا الوضع لم يكن يقلق الإسبان لأن قوانينهم واعتباراتهم كانت تحتوي آليّات ثابتة تضمن تميزهم في الهرم الاجتماعي. واعتباراً من مطلع العشرينات من القرن السادس عشر صدّرت مراسيم تعميد الأندلسيين فوضع الإسبان آليّة جديدة ميّزت بين النصراني الجديد والنصراني القديم. متى يمكن أن يصبح النصراني الجديد قديماً؟ لن يصبح في معظم الحالات نصرانياً قديماً مهما فعل لأن النصارى القدامى (الإسبان) سيكونون دائماً أقدم منه. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين الإسبانية والأندلسية.
إن الحل المثالي القشتالي بالنسبة للأندلسيين هو إبادتهم عن بكرة أبيهم لكن تحقيق هذا الحل كان مستحيلاً لأسباب عسكرية ودولية ومحلية عدّة. صحيح أن المغاربة والعرب الآخرين والعثمانيين المسلمين لم يكونوا مع الأندلسيين في صف المواجهة الأول، إلا أن كل هؤلاء كانوا في الصف الثاني. وكان على إسبانيا أن تأخذ هذا في الاعتبار دائماً ففي ذلك الوقت لم يكن أحد في أوروبة أو الشرق الأوسط يعرف متى يمكن أن يأسره الطرف الآخر. أما الحل الثاني الذي فكّرت به السلطة بعد تسليم غرناطة فهو طرد جميع الأندلسيين كما طردت اليهود، لكنّ هذا الحل أيضاً كان مستحيلاً لأسباب عسكرية واقتصادية ودولية عدّة. الحل الذي أرتأته السلطة في النهاية كان محاولة إجبار الأندلسيين على قبول واجبات قشتالية وحقوق أندلسية؛ على محاولة إقناع الأندلسيين بمعاملة القشتاليين معاملة نصرانية تفضيلية وقبول معاملة القشتاليين لهم كمسلمين. أي باختصار أن يتخيل الأندلسيون أنفسهم أخوة القشاتلة في النصرانية لكن أن يتصرفوا في الواقع كعبيد مسلمين. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين، ولهذا كان تحقيق المعادلة التي أرادها الإسبان مستحيلاً ولهذا بدأ مفهوم التعايش يقترب من التلاشي. وعندما كشف الجانبان أوراق بعضهما البعض وعرف الأندلسيون الدور الحقيقي الذي كانت محاكم التحقيق تريد القيام به لمصلحة السلطة والمجتمع المدني القشتالي، لم يعد هناك خيار آخر سوى المواجهة النهائية فإمّا أن يدمّرالأندلسيون القشاتلة، أو أن يدمّر القشاتلة الأندلسيين. وكانت هذه الرغبة مُتبادلة والإصرار عميقا ًوالقرار نهائياً والتماثل تاماً وشاملاً باستثناء اختلاف واحد حاسم هو نوع السلاح الذي استخدمه الطرفان.
٣)- صراع الحضارات
يجب أن يكون واضحاً تماماً أن رغبة الأندلسيين على مر العصور في استعادة بلادهم من الإسبان اصطدمت دائماً بضعفهم العسكري لذا لم يملك الأندلسيون في أي وقت تلى انهيار غرناطة القوة التي كانت ستسمح لهم بتحقيق انتصار عسكري شامل. صحيح أن القضاء على الثورة الأولى تطلب جهداً عسكرياً كبيراً من فرناندو، وصحيح أن القضاء على الثورة الأندلسية الكبرى تطلب من فيليب الثاني حشد قوات لم يكن يتصوّر أنه سيكون في حاجة إلى حشدها إلا لقتال دولة مثل فرنسا، لكن النتيجة لم تكن أيضاً محل شك. العامل الوحيد الذي ربما كان سيغير الميزان العسكري هو تدخل العثمانيين على نطاق واسع في إسبانيا (200-300 ألف جندي و300-400 سفينة) وهذا لم يكن ممكناً بسبب المشاكل اللوجستية الهائلة التي كانت ستنجم عن مثل هذا التدخل.
وحتى عندما تجاوز العثمانيون هزيمتهم في ليبانت عام 1571 وساهموا في الانتصار العظيم الذي حققه المغاربة على البرتغال في معركة القصر الكبير عام 1578 اختارت الدولة العثمانية توجيه آلتها الحربية الهائلة إلى الصفويين في إيران بدلاً من احتلال إيطاليا وارتكبت بذلك واحداً من أهم أخطائها التاريخية. وكانت إيزابيلا تعرف أن الغرناطيين لن يحصلوا على أي مساعدة مهمة من الخارج عندما جرّت الأندلسيين الغرناطيين إلى ثورة كانت تعرف أنها ستخرج منتصرة منها، وكان فيليب الثاني يعرف أن العثمانيين لن يتدخلوا على نطاق واسع عندما جرّ هو الآخر الغرناطيين أنفسهم إلى ثورة ثانية كانت نتيجتها النهائية معروفة سلفاً.
وفي الفترة بين هاتين الحربين، ثم بعد ذلك باستثناء سنة التغريب، لم يكن احتكام الأندلسيين إلى السلاح ممكناً، ولم يعد احتكام القشاتلة إلى السلاح ضرورياً فاشتبك الطرفان في حرب إبادة لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية السابقة كان سلاحها الإرادة، وكان هدفها الاستئصالي واحداً وواضحاً: إما أن يسحق القشاتلة إرادة الأندلسيين أو أن يسحق الأندلسيون إرادة القشاتلة. وبينما كان السلاح واحداً (الإرادة) كانت الذخيرة المستعملة مختلفة ومرنة ومتغيرة استجابت لحالات بعينها في فترات بعينها.
وربما بدا لبعضنا اليوم أن صدور مراسيم ملكية وأمبراطورية وإرادات بابوية تمنع الأندلسيين من التخاطب بالعربية أو ارتداء الزي الأندلسي أو الوقوف في اتجاه القبلة أو تمنحهم الغفران إذا اعترفوا ”بذنوبهم“ الإسلامية مجرد أشكال تقييدية تعرف السلطة أنها لا تستطيع فرضها على الأندلسيين. فكيف كانت السلطات ستمنع البنت الأندلسية من التخاطب بالعربية مع أمّها في البيت وهما تطبخان عشاء الأسرة؟ وكيف كانت السلطة ستعرف من يقف في اتجاه القبلة في الليل أو في الجبال بعيداً عن عيونها؟ إنّ إعادة النظر في مثل هذه القيود وغيرها المئات ستكشف هدفاً نهائياً هو إخراج الأندلسي من خندقه الإرادي الديني والاجتماعي والحضاري أولاً، ثم قطع حبال الصلة واحداً واحداً مع رموزه الدينية والحضارية ثانياً، ثم إحلال الرموز القشتالية والكاثوليكية محل الرموز العربية والإسلامية. ويجب أن يكون واضحاً هنا أن قشتالة زجّت خلال أكثر من 100 عام طاقات هائلة لتحقيق هذه الغاية قادتها محاكم التحقيق بدعم شبه شامل من المجتمع القشتالي وكنيسته وملوكه وحكومته.
ولم يكن واضعو هذه الاستراتيجية يشكّون في البداية في نجاحها لأنهم طبقوها بنجاح شبه شامل على اليهود وبنجاح كامل على المواطنين الأصليين في أميركا الجنوبية. لكن بدأ يتضح بعد الحرب الأندلسية الأولى أن التجربة اليهودية لا يمكن تطبيقها على الأندلسيين على رغم الامكانات التي خصصتها قشتالة لهذه الغاية. ووجد الإسبان بعد ذلك أن التجربة التي أدت إلى تحقيق نجاح هائل في العالم الجديد حيث تكثلك ملايين الهنود (الحمر) بجزء بسيط من الجهد المُخصص لكثلكة الأندلسيين، لم تكن أيضاً مجدية مع الأندلسيين في إسبانيا الذين كانوا ”يرجعون إلى بيوتهم من الكنيسة بعد إقامة القدّاس“، كما تقول الأندلسية خوانا هرنانديث، ”وهم يشعرون أنهم باتوا أكثر انتماءً للعروبة مما كانوا قبل الذهاب إلى الكنيسة“.
لماذا يا ترى؟ لأن الذخيرة المعنوية والدينية والحضارية التي استخدمتها قشتالة في الحرب ضد الأندلسيين لم تكن بفاعلية ذخيرتها الحربية، لذا لم يقتنع الأندلسيون بعد 100 سنة من التبشير الاضطهادي القسري بأن الكاثوليكية القشتالية أفضل من الإسلام، وبأن اللغة القشتالية أكثر تعبيراً من العربية، وبأن لحم الخنزير أفضل من لحم الضأن، وبأن شرب الخمر أفضل من شرب الحليب بالعسل، وبأن السروال القشتالي أفضل من السروال الأندلسي، وبأن مسح المؤخرة بورقة أفضل من غسلها. وباختصار خرجت قشتالة من معركتها العسكرية ضد الأندلسيين بانتصار كبير، لكنها خرجت من معركتها الحضارية والدينية مع الأندلسيين بهزيمة كبيرة لم تعترف بها إلى بعد قرن من المحاولة فعادت ولجأت إلى الحل الوحيد الذي تعرفه جيداً وهو القضاء العضوي على خصومها بالقتل أو التغريب. وباختصار أيضاً كانت قشتالة عملاقاً عسكرياً فيما كان الأندلسيون أقزاماً، لكنها كانت قزماً حضارياً جديراً بالاحتقار في عيون الأندلسيين الذين نظروا دائماً إلى القشاتلة على أنهم محتلون لأرضهم ولم يتمكّنوا من غرناطة إلا بالخديعة والمكر.
وتتجلى هذه الرؤية في ما يخاطب به القائد الأندلسي ابن أميّة رسولاً قشتالياً قبل إعلان الثورة الأندلسية الكبرى: ”الا تعرف أننا في إسبانيا، وأننا ملكنا هذه الأرض 900 سنة؟“،3 ثم تتجلى بعد القضاء على الثورة بما سجّله كاتب أندلسي موريسكي: ”نظراً إلى عدم استطاعة (الإسبان) شد قلوب الأندلسيين الموريسكيين بعيداً عن عقيدتهم الصلبة وجلبها إلى دينهم الشيطاني (النصرانية)، فإن البعض كان يقترح إبادتنا جماعياً، فيما أراد البعض الآخر خصينا بقضيب أحمر مُحمّى في مكان من الجسم حتى لا ننسل ونفنى كأن في يدهم القدرة على تغيير ما أملته العناية الربّانية الأزليّة“.4 وفي المقابل رأى الإسبان الأندلسيين من منظار العداوة لهم والصداقة مع أعدائهم العثمانيين والمغاربيين والبروتستانت والفرنسيين. وكان كثيرون من المخلصين الإسبان يطالبون بزيادة الجهد لمساعدة الأندلسيين على التنصّر وينادون بالصبر والاعتدال، إلا أن كثيرين غيرهم كانوا يرون في استمرار ذلك الجهد عبثاً ونفقات لا يمكن تسويغها. وساق هؤلاء لتأكيد استنتاجاتهم أمثلة لا تُعدّ ولا تُحصى منها مثلاً أن الأندلسيين كانوا يذهبون إلى الكنيسة لتفادي عقوبات محاكم التحقيق لكن ما أن يرفع الكاهن القربان المُقدس حتى يدير الأندلسيون ظهورهم إليه ويؤدّون حركات ”مخلّة بالحياء“، بل تجرأ ”أحد الكلاب الملعونين من هؤلاء الكفّار (أي الأندلسيين) اثناء قدّاس على رمي القربان المقدس بقطعة قماش قديمة فيها فضلات بشرية“.5 ووجد مبعوث لمحكمة التحقيق بعد التقاء كهنة كثيرين إجماعاً على الشكوى من ”سوء أدب“ الأندلسيين لكنّه خصّ السيدات الأندلسيات اللواتي كن يأتين إلى الكنيسة محجّبات ويرفعن أصواتهن خلال القّداس أو يقرقرن أو يجلسن جلسة لا احترام فيها للكنيسة ولا لراعيها. ويجب الا يُفسر هذا على أنه احتقار للكاثوليكية بل تعبير عن احتقار أساليب الإسبان، ونوع واضح من أنواع الاحتجاج على سوء المعاملة التي كانوا يلقونها على أيديهم خصوصاً بعدما أصبحت الكنيسة رمزاً صارخاً من رموز اضطهاد الأندلسيين.
٤)- حرب الإرادة
وبدأت مناوشات هذه الحرب الحضارية والدينية منذ الأيام القليلة التي لحقت بتسليم غرناطة، ثم بدأت بعد ذلك تأخذ أشكالاً دينية وثقافية واجتماعية وعسكرية وعصيانية. ولم يعد الأندلسيون قادرين على ممارسة دينهم وثقافتهم وعاداتهم علناً فصاروا يمارسونها بعيداً عن عيون محاكم التحقيق والكنيسة والقشاتلة، ولم يكن الأندلسيون قادرين على بناء دولتهم في العلن فبنوها عبر شبكة سرية هائلة من المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية، تضمّنت في بعض مراحلها، وفي صورة أكثر سرّية، جمع الأسلحة والتدريبات العسكرية.
ولو كان الأمر يتعلق بقشتالة وحدها فربما كانت اندفعت إلى حرب شاملة مع الأندلسيين بصرف النظر عن النتائج العسكرية والاقتصادية التي كانت ستنجم عنها، إلا انه كان على إيزابيلا أن تأخذ في الاعتبار ليس مصالح النبلاء في قشتالة ومملكة غرناطة فقط بل أيضاً مصالح زوجها فرناندو ملك أرغون. وخلال عهد فرناندو ومن جاء بعده ظلّ الأندلسيون قوة كبيرة في أرغون اعتمد عليهم استقرار اقتصاد تلك المملكة ورخاء عدد كبير من نبلائها. ولم يكن إضعاف ذلك الاقتصاد واستفزاز مراكز القوى في أرغون عملاً حكيماً في الوقت الذي احتاجت فيه إسبانيا إلى المحافظة على طاقتها ووحدتها لمواجهة العثمانيين والفرنسيين وأمراء حركة الاصلاح الديني البروتستانتي في ألمانيا. وهكذا لجأت قشتالة إلى محاكم التحقيق لتفتيت إرادة الأندلسيين شيئاً فشيئاً ودفعهم إلى اليأس من الصمود إلى ما لانهاية. وقابل الأندلسيون هذا الجهد بالسعي إلى زيادة لحمتهم وفق ما تسمح به الظروف، والارتداد إلى دينهم وتاريخهم وحضارتهم وعروبتهم وكل الرموز الأخرى التي باتت أهم أسلحتهم وآخرها حتى اللحظات النهائية من وجودهم في إسبانيا.
ويوجد إجماع لدى معظم المؤرخين الذين وضعوا مئات المؤلفات عن تغريب الأندلسيين من إسبانيا في مطلع القرن السابع عشر على أن التغريب (نفي أو طرد أو إبعاد الخ…) قرار إسباني. إلا أن في تردد الإسبان وطول فترة التغريب وشروطه وبعض مواقف الأندلسيين أنفسهم ما يقود إلى استنتاج مختلف هو أن قسماً مهماً من الأندلسيين لم يكونوا أقل رغبة من معظم الإسبان في هجر بلادهم إلى مناطق أخرى يستطيعون فيها ليس فقط ممارسة دينهم وعاداتهم علناً بل أيضاً تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاستفادة من الفرص التي لم تكن متوافرة لهم في إسبانيا، ولن تكون متوافرة في إسبانيا مهما فعلوا. ولم يكن صعباً على معظم الأندلسيين إبراز الوثائق التي تثبت ذلك عبر 100 سنة من النهب والاضطهاد والملاحقة والتضييق الديني والفكري والاقتصادي والاجتماعي وانعدام الفرص الجيدة التي ربط الإسبان الحصول عليها بمجموعة من الشروط الدينية والعرقية انطبقت عليهم فقط.
وربما كان استنتاج بعض المؤرخين الإسبان بأن الحكومة وجدت نفسها مضطرة إلى طرد الأندلسيين الجدد ”لأنهم لم يقبلوا ديننا الكاثوليكي الطاهر“ جهداً ضائعاً أحد أهدافه غسل الضمير من عار تلك العملية البائسة وحشد تعاطف الكاثوليك الآخرين وتفهمهم لذلك القرار. ولا بأس في استنتاج مثل هذا لأنه يبقى مجرد رأي والرأي ليس فرضاً إلا أن الانتقاد الأول الذي يمكن أن يُوجه إليه هو العودة إلى استغلال الكاثوليكية لإخفاء الأسباب الأخرى التي كانت أهم بكثير من العامل الديني.
إن الانطباع بأن الأندلسيين في إسبانيا القرن السابع عشر كانوا بقايا المحتلين المسلمين الأوائل وهمٌ في عقول بعض العرب المشارقة فقط. الأندلسي لم ير نفسه هكذا. الأندلسي رأى نفسه صاحب أرض عاش عليها ٠٠٩ سنة وصاحب بيت ضمّه وضم أباه وجده وربما جد جده إلى ما لانهاية، لذا له حق في استمرار البقاء في إسبانيا يعادل حق الإسباني إن لم يتفوّق علىه. إن أحفاد الآيبريين والآيبريات الذين كانوا يعيشون في بلنسية وغرناطة والمرية ومرسية وطليطلة ومئات المدن الأخرى قبل الفتح العربي الإسلامي ليسوا فقط النصارى الذين كانوا يسكنون المدن نفسها في القرن السابع عشر، بل الأندلسيون أيضاً. من أين جاء جنود طارق بن زياد وموسى بن نصير بزوجاتهم؟ من الآيبريات. ومن كان أبناؤهم سوى أبناء الآيبريات اللواتي كن يعشن في شبه الجزيرة آنذاك؟
إذاً كان هناك دينان في إسبانيا هما الكاثوليكية والإسلام، لكن كانت هناك أيضاً قوميتان لكل منهما ميزات وخصوصيات متفرّدة، وبينهما دائرة تلاق محدودة أمكن من خلالها تعايش أبناء القوميتين وفق الشروط والضغوط الدينية والاقتصادية والاجتماعية التي عرضنا بعضها في مكان آخر. ولا يمكننا من موقعنا الزمني الحالي تقديم تصوّر عن طبيعة العلاقات بين الأندلسيين والإسبان لو لم تعصف المشاكل السياسية والدينية والعسكرية بممالك كارلوس الخامس وابنه من بعده في أوروبة. لكن يمكن القول ان الأندلسيين عرفوا حدودهم وقوتهم العسكرية وحاولوا التصرف كمواطنين صالحين والتعايش مع أدنى حدود الحريات الدينية والاجتماعية، وسددوا دائماً ثمن هذه الحريات نقداً أو دعماً أو تعاوناً حتى مع محاكم التحقيق.
ومع ذلك فاقت الأمور في حالات عدّة حدود الاحتمال وأدت إلى ثورتين رئيسيتين وانتفاضات عدّة اشترك في إحداها نحو 130 ألف أندلسي، إضافة إلى انتفاضات أخرى رافقت تغريب الأندلسيين. ولو درسنا أسباب كل تلك الثورات والانتفاضات لوجدنا أن الإسبان دفعوا الأندلسيين إلى كل واحدة منها عن سابق إصرار وترصّد. فالإسبان هم الذين زاحموا الأندلسيين على اقتصادهم، وهم الذين صادروا أراضي الأندلسيين، وهم الذين أحرقوهم وسجنوهم وفرضوا عليهم محظورات بلا نهاية في لوائح بلا نهاية كان أولى بالإسبان اعتماد بعضها مثل الإغتسال مثلاً أو ارتداء قميص نظيف يوم الجمعة بدلاً من اعتبارها جريمة تستحق مصادرة الأموال.
وعندما أخفق الأندلسيون في الحصول على الحد الأدنى من الحريات علناً أعطوا لنفسهم كل الحريات التي يريدونها في السر فصار سلوك المجتمع الأندلسي أشبه بجبل الثلج العائم في البحر- قسم صغير منكشف على عيون محاكم التحقيق ومعظم الإسبان، وقسم أكبر منه بكثير تحت الماء أو في الخفاء، تحوّل مع الزمن ومع تحسّن التنظيم إلى ما يشبه الدولة الأندلسية الإسلامية العربية السرّية. وكما يفعل كل المُضطهدين، سعى الأندلسيون مدفوعين بالرغبة في البقاء والاستمرار إلى التحالف مع كل الجهات التي تستطيع المساعدة سواء كانوا أهل الساحل المغاربي أو العثمانيين أو الفرنسيين أو البروتستانت. لكن هذا حدث في مرحلة لاحقة لأن الأندلسيين حاولوا قبل ذلك مساعدة المجتمع الإسباني على تغيير تعامله معهم من دون جدوى، واتضح بعد 100 عام من التجربة عقم كل هذه المحاولات لاستمرار تعايش من نوع ما، ووصل الجانبان إلى طريق مسدود، ولم يعد احدهما قادراً على تقديم التنازلات التي يريدها الآخر لأن جعبة الأندلسيين من التنازلات كانت خوت تماماً ولم يبقَ شيء يستطيعون التنازل عنه والاستمرار في استبقاء الحد الأدنى من الكرامة والوجود.
٢- تغريب الأندلسيين من اسبانيا: الاعتبارات الأندلسية
١)- 100 عام من النهب
في استطاعتنا اليوم اعتماداً على الأبحاث الجديدة المتصلة بالأندلس تقديم الدافع الاقتصادي على الدافع الديني الكاثوليكي لتفسير اجتياح الجنوب الأندلسي، بل ربما وضع الدافع الديني جانباً في الحالات التي عيّن فيها ملوك إسبانيا أنفسهم ملوكاً على الملل الكاثوليكية والإسلامية واليهودية. ويجب أن نلاحظ ونحن نتحدث عن سقوط الأندلس ان وديان أنهر دويرة وإبرة وشقّورة والوادي الكبير لم تكن فقط مواطن المسلمين بل أيضاً مواطن الثروة والانتاج. وعمل الإسبان في الزراعة والصناعة والتجارة والتمويل مثلهم مثل الأندلسيين أو اليهود، غير أن باقي الإسبان، سواء في القرن الثالث عشر أو في القرن السادس عشر، كانوا إما جنوداً في جيوش إسبانيا في العالمين القديم والجديد، أو كهنوتيين في 18000 دير وكنيسة وظّفت أكثر من 200000 شخص من أصل نحو ثمانية ملايين نسمة. ولم يكن هناك فرق كبير بين مهمة الجندي والكهنوتي فكلاهما كان يعتقد أنه يخدم الكاثوليكية والملك والبلاد في آن، وكلاهما كان غير منتج اقتصادياً. وحتى المشتغلون منهم بالزراعة – عماد اقتصاد كل الدول الأوروبية في تلك الفترة – كانوا ذوي انتاجية ضعيفة كما يعترف الإسبان أنفسهم، لذا لم يشجع النبلاء المزارعين الأندلسيين على العمل في ضيعهم فقط بل عملوا على تحفيزهم وحمايتهم من السلطة في الحالات التي تمكّنوا فيها من ذلك.
وكان من بين الأمّة الأندلسية، إضافة إلى ما عرضناه، الأثرياء الكبار والمتمولون والتجار وأصحاب مصانع الحرير وتكرير السكّر والصابون وملاك الكروم والأراضي الواسعة التي يُزرع فيها الرز وآلاف المشتغلين بالتأليف والمحاماة والبيطرة والطبابة حتى أننا نجد الحاكم العام في مدينة طليطلة يشتكي الى البلاط الملكي عام 1607 من ارتفاع عدد الأندلسيين الذين يدرسون الطب في مدرسة طليطلة ويحذر من استغلال الأندلسيين هذه المهارة لقتل المسيحيين. لكن ألا يغالط هذا الحديث السابق عن تردي أحوال الأندلسيين؟ والجواب هو النفي إذ علينا أن نتذكر أن الأندلسيين ملكوا المهارات التي مكّنتهم من تجاوز النكسات التي تعرضوا لها عبر تاريخهم. وحتى في بعض المناطق الفقيرة التي نفاهم إليها الملوك نرى كثيرين منهم يعودون إلى تحقيق مستوى مقبول من العيش، بل وبناء الثروة بفضل ما اشتهروا به من حرص في الإنفاق وقدرة على جمع المال ومهارة في إحياء موات الأراضي الزراعية التي أهلكها القشاتلة. ونجد ان الحكومة الإسبانية التي نفت معظم الأندلسيين من غرناطة بعد الثورة الكبرى وهددتهم بالقتل ان اقتربوا من المدينة، تغيّر موقفها وتسمح لهم بالعودة إلى تلك المملكة بعد عشر سنوات من النفي بأعداد كبيرة لأنهم كانوا ”أصحاب الحوانيت والخبّازين والقصابين وأصحاب الحانات وحملة الماء وبهذه الطريقة يجمعون المال ويخفونه كله فلا يشتري أحد منهم العقار ولا يملكه ولذا فهم أغنياء جداً وأقوياء جداً“.
وتباينت حظوظ الأندلسيين الاقتصادية من مكان إلى آخر فكان وضع سكان أرغون وغرناطة أفضل من وضع الأندلسيين في مدن وقرى القشتالتين القديمة والجديدة، وكان الأكثر فقراً من الفئتين الأخيرتين سكان قشتالة الجديدة (مناطق مدريد ووادي الحجارة وطليطلة وقونقة والمدينة الملكية) إذ عاشوا في هذه الرقعة التي تُعتبر من بين أنحس بقاع إسبانيا وأجفّها في وضع نفي أو قريب من النفي، وتحت إقامة جبرية أو قريبة منها. ومع الزمن انضم إلى هؤلاء الفقراء عدد كبير من الأندلسيين الذين بدأت محاكم التحقيق تصادر أموالهم وأملاكهم لأسباب يبدو بعضها تافهاً، أو توقيع غرامات مالية في حقهم. وتحولت هذه المصادرات إلى عملية نهب منظمة انتقل خلالها قسم كبير من ثروة الأندلسيين وأراضيهم إلى الخزانة الحكومية أو صُرفت على محاكم التحقيق. ومن سلم من الأندلسيين من هذه المعرات وجدوا انفسهم مضطرين إلى تقديم مبالغ كبيرة جداً إلى الملوك ثمناً لبعض الحريات، أو تقديم مبالغ أقل الى النبلاء والرسميين والمتنفذين وبعض عمّال محاكم التحقيق في شكل رشاوى وعطايا وهدايا ثمناً للسلام أو إبعاداًً للشرور والتضييق وغيرها من الاسباب المماثلة كثير.
وكان من الممكن أن يعود عدد كبير من الأندلسيين إلى تحسين أوضاعهم الاقتصادية وبناء ثرواتهم المنهوبة لكن مساعيهم اصطدمت في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن بعده بتردي الاقتصاد الإسباني نتيجة عدد من السياسات الداخلية والخارجية التي اتبعها فيليب الثاني. فداخلياً أدّت طريقته في قمع الثورة الأندلسية الكبرى وما تبعها من نفي قسم كبير من الغرناطيين إلى إلحاق أضرار بالغة باقتصاد مملكة غرناطة. وساهمت القيود التي فرضها على النبلاء الأقل وزناً المعروفين باسم Hidalgos في تضييق فرص التحسّن الاقتصادي فبدأوا يهاجرون إلى العالم الجديد. كما تسبّب تدفق الفضة إلى إسبانيا في ارتفاع الأسعار ووصول التضخم الى مستويات فاحشة في وقت بدأت فيه النفقات العسكرية تسجل زيادات حادة. وبدلا من خفض الضرائب في أوقات الشدّة هذه لتعزيز السيولة وزيادة الإنفاق عمد فيليب الثاني إلى زيادة الضرائب7 فتعمّقت الأزمة الاقتصادية ووجد فيليب الثاني نفسه مضطراً إلى إعلان إفلاسه مرة ثم ثانية.
وتوافق ارتفاع النفقات الحربية مع تغيّرات جذرية في طبيعة الاقتصاد الاسباني سببت هي الأخرى أزمات اقتصادية خانقة. وسبب ذلك أن الحركة التجارية التي قامت بين إسبانيا ومستعمراتها في العالم الجديد تركّزت على سد حاجات المستعمرات من الثياب (حتى لو عن طريق إجبار الهنود على ارتداء السراويل الصوفية) والقمح والزيت والخمور والمواد الأخرى المُنتجة أو المصنوعة في إسبانيا. لكن في نهاية القرن السادس عشر بدأت المستعمرات تغطي جزءاً مهماً من استهلاكها المحلي فضرب الكساد إسبانيا لأول مرة منذ اكتشاف العالم الجديد قبل 100 عام من ذلك.
وحدث شيء غريب بعدها إذ وافق انحسار صادرات إسبانيا إلى العالم الجديد ازدياد حصة هولندا التي ملكت أكبر أسطول تجاري في العالم آنذاك، وكانت سفنها تنقل الكمية الأكبر من البضائع إلى العالم الجديد. وعصت الأقاليم الشمالية من هولندا على فيليب الثاني وأعلنت انفصالها فمنع الملك الإسباني التعامل مع السفن الهولندية عام 1585 وقصر نقل البضائع على السفن القشتالية، ثم عاد وأكد منع الهولنديين ثانية من التعامل التجاري مع المستوطنات الأميركية عام 1595. ووجد الهولنديون المستقلون عن فيليب الثاني أن استمرار تجارتهم المربحة يقتضي كسر احتكار إسبانيا فبدأوا جهداً خاصاً تمكنوا بعده من فتح الأسواق في بعض المستعمرات الإسبانية وأتاحوا لحليفتهم انكلترا الاستفادة من تلك التجارة. وسعت حكومتا فيليب الثاني وابنه فيليب الثالث من بعده إلى تشجيع حركة تجارية أنشط في مستعمرات العالم الجديد، لكنهما وجدتا صعوبة في تحقيق ذلك لأن السوق بدأت تتقلص نتيجة الخلل السكاني الذي ضرب بعض تلك المستعمرات.
وبينما قدر عدد السكان المحليين المكسيكيين سنة استيطانها عام 1519 بنحو 11 مليون نسمة، نجد أن العدد انخفض في نهاية القرن السادس عشر إلى نحو المليونين فقط. وحدث ذلك نتيجة السياسة العنصرية التي انتهجتها إسبانيا هناك وتفشّي الأمراض التي حملها الإسبان إليهم وتسخير السكان المحليين للعمل في المزارع ساعات طويلة مما أدى إلى انهاكهم وموت أعداد كبيرة منهم فتقلص الاستهلاك وارتفعت كلفة انتاج المواد والمعادن التي كانت تُنقل إلى إسبانيا.
وفي القسم الأخير من القرن السادس عشر تعرضت إسبانيا إلى جفاف خطير. وتبع الجفاف انتشار الطاعون شمال البلاد عام 1596، ثم امتدّ الطاعون بعد ذلك جنوباً فحصد بين عامي 1599 و1600 نحو 15 في المئة من السكان. وعندها ساد الذعر وارتفعت الأسعار، ونزلت بالاقتصاد ضربة عنيفة استمر تأثيرها فترة طويلة. وتحسنت التجارة مع المستعمرات في العالم الجديد بعد ذلك ووصلت أوجها عام 1608 لكن استفادة إسبانيا كانت قليلة لأن الهولنديين والانكليز والفرنسيين كانوا ينقلون القسم الأكبر من واردات المستعمرات.
وعمل الأندلسيون في إسبانيا في كل القطاعات الانتاجية والتجارية والخدماتية، لذا استفادوا جيداً من التجارة مع مستعمرات العالم الجديد في البداية. لكنهم بدأوا يعانون من الكساد الاقتصادي وتراجع الطلب على منتوجاتهم وخدماتهم في الوقت الذي استمرت فيه السلطة ومحاكم التحقيق في مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وفرض الغرامات المالية الكبيرة عليهم. وفي السنوات القليلة التي سبقت التغريب، كان عدد كبير من الأندلسيين يعيش في الضواحي أو في الأحياء الفقيرة من عدد كبير من المدن الأرغونية والقشتالية مثل سرقسطة وابلة وجيان وسيمانقة وطرطوشة ومرسية وطليطلة وبلد الوليد ومئات المدن غيرها. وتدلنا التجربة أن الأحقاد العرقية والدينية تبرز أكثر ما تبرز خلال الضائقات المالية والكوارث الطبيعية، لذا اتسمت العلاقات بين الإسبان والأندلسيين في نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر بدرجة عالية من التوتر والريبة المتبادلتين.
) – 100 عام من الاضطهاد
بين استسلام غرناطة وصدور قانون التغريب 117 سنة لم تُرفع فيها المظلمة عن الأندلسيين يوماً واحداً فاتحدت السلطة ومحاكم التحقيق ومعظم رجال الكنيسة وجل الإسبان في جهد اضطهاد الأندلسيين. ونحو نهاية عام 1570 تمكن فيليب الثاني من إخماد الثورة الأندلسية الكبرى بعد قتل ما لا يقل عن ٠٢ ألف أندلسي وأندلسية ونفي عشرات الألوف وتحويل أعداد منهم إلى عبيد في بيوت الإسبان أو مجذفين في سفنهم. ولم يبق بعد كل هذا سوى رأس مولاي عبدالله بن ابيه مُعلقاً على بوابة غرناطة حيث بقي 30 سنة يذكّر بالنهاية التي تنتظر من يتحدى الملك.
وعاش عشرات الألوف من الأندلسيين في منافيهم الجديدة في القشتالتين الجديدة والقديمة أقليّة مقهورة بين غالبية متسلّطة وعانوا من المشاكل التي تعاني منها الأقليات في كل مكان إلا أنهم واجهوا أيضاً مشاكل اضافية فكان معظم الإسبان يعتبرها أقليّة مارقة على السلطة وعدوة للكاثوليكية ومستعدة للتعاون مع أعداء قشتالة في كل الأوقات. ولعبت عوامل سياسية ودينية وتاريخية واقتصادية مختلفة دورها المستمر في إذكاء الريبة بين الأندلسيين والإسبان، فلم يشعر الأندلسيون بالأمان بين القشتاليين، ولم يشعر القشتاليون بالأمان إن وجد الأندلسيون بينهم، ولم تسمح الحكومة والكنيسة ومحاكم التحقيق للفئتين النسيان والتناسي فعملت دائماً على إذكاء الشكوك وإحياء المخاوف وشحن الكره والعداوة.
ومع مرور الزمن تراكمت المراسيم والقوانين والقيود ولوائح الوشاية التي سعت في جملتها إلى فصل الأندلسي عن دينه وتاريخه وأهله ودفعه في اتجاه الكاثوليكية. وقاوم الجيل الأول قدر استطاعته فيما وجد أبناء الجيلين الثاني والثالث أنفسهم وسط عالم غير الذي عرفه آباؤهم فجهلوا الكتابة بالعربية وعجُمت ألسنتهم واختلطت عاداتهم، وسادت الأميّة وتفشّى المرض بعدما حرمتهم السلطة من المرافق العامة التي اعتادوا عليها، وأجبرتهم على التعايش مع القذارة. ومنعت السلطات معظم الأندلسيين في المنافي من مزاولة التجارة أو الاشتغال بالمهن فصاروا بغالين وحمّارين وفلاحين بالسخرة أو بأجر رمزي في مزارع القشاتلة وغيرها من وضيع المهن، وحظرت عليهم حمل السلاح (كان آنذاك رمزاً للأحرار فلم يكن ممنوعاً إلا على العبيد واليهود)، ورأت في أبسط المظاهر الأندلسية مروقاً ومعارضة للسلطة والكنيسة.
ووصلت القيود في بعض الحالات إلى حدود لا يمكن احتمالها فكان الأندلسي حين ينفرد بنفسه يتوجه إلى خالقه ويناشده المساعدة على التغلب على مخاوفه ويأسه، وصار البعض يعتقد أن الموت مسلماً كفيل وحده بتأمين الخلاص النهائي. لكن حتى هذا لم يعد ممكناً اعتباراً من عام ١٩٥١. فقبل هذا التاريخ كانت للأندلسيين مقابر خاصة لكن السلطات منعت الأندلسيين من دفن موتاهم فيها وخصصت لهم مناطق في الساحات المجاورة للكنائس التي كانت مساجد في الماضي شرط الموافقة على دفن المسيحيين فيها. ورضخ الأندلسيون لهذا الشرط على مضض لكن السلطات عادت وفرضت عليهم دفن موتاهم داخل الكنيسة نفسها.ولم يحتمل الأندلسيون هذا الوضع فعرضوا على فيليب الثالث دفع مبلغ ٠٣ ألف دوقة ذهبية لقاء السماح لهم بدفن موتاهم في مكان آخر حتى لو كان في المزابل لكنه رفض رفضاً قاطعاً.
ويلخص أحد الأندلسيين وضع أمّته بالقول: ”كنا مضطرين أن نظهر لهم ما كانوا يرغبون منا إظهاره،وما عدا ذلك كانوا يسوقوننا إلى محاكم التحقيق لاتباعنا الحقيقة. لقد حرمونا من الحياة والأملاك والأبناء، وزجوا بنّا في سجون مظلمة لأتفه الأسباب. ونظراً إلى سوء أفكارهم كانوا يبقوننا هناك سنين عدّة فيما يستولون على أملاكنا التي صادروها ويستغلوننا، ثم يقولون إن لذلك الفعل مبرراً، ويخفون وراء ذلك أفكارهم السيئة وسريرتهم الضالة. أمّا أطفالنا فإنهم عندما يصبحون يافعين يربونهم على شاكلتهم ويصبحون مرتدين، وإذا كبروا يسعون إلى الهروب. وإضافة إلى ذلك كان حكام محاكم التحقيق يفتشون عن كل الوسائل للقضاء نهائياً على هذه الأمّة“.
وكانت هذه الوسائل بلا نهاية، وكانت العقوبات تراكمية، وكانت تتصاعد في شدّتها مـع الزمن وتشمل الأحياء والأموات على سواء إذ توجد أمثلة كثيرة على نبش قبر من يُتهم بعد موته بالارتداد وجمع عظامه في كيس وإحراقها إلى جانب الأحياء في الاحتفالات التي كانت تجري بين وقت وآخر في المدن الإسبانية. كما توجد أمثلة عدّة على شمول العقاب أهل المتهم الذين تحرمهم محاكم التحقيق من التمتع بالحقوق المدنية أو تجبرهم على ارتداء لباس العار (Sanbenito) مدداً طويلة.9 وفي بعض الحالات كان الدير نفسه يُستخدم كسجن. ونحو نهاية القرن السادس عشر لم يعد الإرتداد وحده سبباً للحكم على المتهم أو المتهمة بالحرق إذ باتت محاولة الهروب من إسبانيا إلى العدوة أو فرنسا جريمة نهايتها الحرق، بل أن المؤرخ الكبير لورنتي يُعلمنا أن الحرق كان أيضاً عقوبة من يقرأ الكتب العربية.10 وتبدّلت حظوظ فيليب الثاني في آخر أيامه فأنزل به الفرنسيون والهولنديون والإنكليز هزائم ماحقة وساء حال الإسبان في أوروبة ودارت عليهم الدوائر فاهتزت ثقتهم بأنفسهم وبحثوا عن سبب اخفاقاتهم فيمن حولهم وبرّأوا أنفسهم من جرائر ما أصابهم وحمّلوها للأندلسيين وكانوا يعتقدون أن الله للكاثوليك فقط مثل الجنّة فصاروا يقولون إن هذه الهزائم عقاب من الله على وجود ”الكفار“ الأندلسيين بينهم. وهكذا تحوّل الأندلسيون إلى كبش فداء جاهز، وتأججت العداوة وتمحور الرأي العام ضدهم وتصلّب فرمت الحكومة من وراء تغريب الأندلسيين إلى تحقيق نصر عزيز لم تتمكن من تحقيقه في أي من صراعاتها الخارجية الكبيرة.
٣)- 100 عام من المواجهة
ربما لا يوجد وصف لصمود الأندلسيين أكثر من 100 عام في وجه واحدة من أعتى الممالك التي عرفها القرن السادس عشر، وفي وجه أكبر جهاز مخابرات ديني عرفه البشر، وواحد من أعدى شعوب الأرض سوى بأنه كان صموداً خارقاً. ويرافق هذا الوصف تساؤل دائم عن الطريقة التي استطاع بها الأندلسيون في وطنهم المُحتل التمسّك بدينهم وعروبتهم بعد أكثر من 100 عام من الحرق والتعذيب والقتل والاعدامات والتجويع والنفي والنهب المنظّم، وكيف تمكّنوا من الاستمرار وسط مجتمع كان بين الجنود والكهنوتيين فيه جمهور من الوشاة الذين ترصّدوا في جيرانهم الأندلسيين كل حركة أو كلمة فرأوا فيها إما خيانة لملك إسبانيا أو عداوة للمجتمع الإسباني أو طعناً في ”ديننا الكاثوليكي الطاهر“. إن خروج أندلسية أو أندلسي مسلم واحد من إسبانيا بعد أكثر من 100 عام من الاضطهاد أمر يبعث على الدهشة فكيف بخروج مئات الألوف اعتباراً من عام 1609؟ وبماذا يمكن أن نصف بعض الأندلسيين الذين لم يكفهم جهاداً المحافظة على دينهم وعروبتهم فنجدهم يحاولون إقناع بعض المسيحيين الإسبان بدخول الإسلام؟
ونستطيع العثور في كتب التاريخ الإسبانية ووثائق محاكم التحقيق على بعض الأسباب الظاهرة لذلك الصمود لكن الأسباب الحقيقية تكمن في قدرة الأندلسيين على الغوص في أعماقهم واغتراف الشجاعة التي مكنتهم من الصمود في البيئة العدوانية التي كانوا يعيشون فيها. وكان الإسبان يعرفون مكمن تلك القوة ومع ذلك لم يستطيعوا بعد 100 عام من المحاولة كسرها لأنهم لم يتمكنوا من اختراق عقولهم ولا قلوبهم. هذا لا يتمّ عادة إلا بالرحمة والتفهّم لكن إسبانيا ذلك الوقت لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الشعورين. ولا نستطيع بعد ٠٠٤ سنة من مرور تلك الأحداث أن نفهم تماماً ماذا كان يدور في خلد الأندلسيين لكن نستطيع أن نخمّن ونتصوّر المآسي التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة المظلمة من تاريخ الأندلسيين في إسبانيا، بل من تاريخ الإسلام.
وواجه الأندلسيون مشاكل عمّت الجميع ومشاكل أكثر خصوصية انطبقت على تجمّع دون غيره، ووُجدت آلاف الحالات التي تطلّبت معالجة خاصة. وكانت المشكلة الأكبر بقاء التجمّعات الأندلسية على اتصال مع بعضها لتبادل آخر الأخبار ونقل الكتب الدينية والمساعدة على حل المشاكل التي واجهت بعض التجمّعات. ويبدو من المعلومات المتوافرة عن تلك الفترة أن الأندلسيين حلّوا هذه المشكلة من خلال إقامة عدد من أقنية الاتصالات التي كانت تتم مباشرة عن طريق إيفاد مبعوثين عن الأندلسيين، خصوصاً في بلنسية وأرغون، إلى فرنسا طلباً للمساعدة، أو إلى العثمانيين. ولعب البغالون والناشطون في النقل والتجارة بين الممالك الإسبانية داخل آيبرية دوراً ملحوظاً في تبادل المعلومات والأخبار بين التجمعات الأندلسية، وكان هؤلاء ينقلون الكتب الدينية المخبّأة في البضائع من مكان إلى آخر حسب الحاجة، أو يحملون المساعدات العينية والمالية إلى الأندلسيين المحتاجين.
وفي حالات أخرى كان الأندلسيون يؤون إخوانهم المطاردين من طرف الدولة أو محاكم التحقيق، أو الأندلسيين الفارين من منافيهم ريثما يرتّبون تهريبهم في القوارب التي كانت تنطلق ليلاً من جنوب الأندلس في اتجاه المغرب أو الجزائر، أو عبر الجبال في اتجاه فرنسا. وربما بقي على مناطق الحدود بعض هؤلاء، وربما انتقلوا بعد ذلك الى الساحل المغاربي أو الأراضي التي تسيطر عليها الدولة العثمانية. وبما أن عقوبة معظم تلك النشاطات كانت الحرق أو الشنق أو الشغل سخرة في السفن مدى الحياة، فقد اقتضى إتمامها سرّية تامة. وكان على المكلفين إداء هذه المهمات توقّع اعتقالهم في أي مرحلة من مراحل تنفيذ مهامهم وبالتالي كتمان معرفتهم بمصادر كتبهم أو مهامهم في كل الظروف.
وكانت أوضاع الأندلسيين في إسبانيا شديدة التفاوت ففي بلنسية كانوا يُعرفون باسم ”أمة المسيحيين الجدد من الأندلسيين في مملكة بلنسية“.11وكانت ممارسات هؤلاء أبعد ما تكون عن المسيحية إذ كانت لهم مجموعة من المساجد السريّة ضمن منظمة عُرفت باسم ”رابطة مساجد بلنسية“. وخارج بلنسيةعملت أعداد كبيرة منهم في الأرياف فلاحين وعنّابين لحسابهم الخاص أو لدى النبلاء والمتنفذين والكنيسة، وهؤلاء سيطروا على معظم الأراضي الزراعية في إسبانيا. وساعد الأندلسيين على استمرار قسم كبير من تنظيماتهم عدم وجود سلاطين وملوك وأمراء كبار يمكن أن يؤدي اكتشافهم إلى إلحاق ضرر كبير بالتنظيمات أو يمكن ان تغريهم السلطات أو تقسرهم على بيع جماعتهم. واستعاض الأندلسيون عن هذه الهرميّات السياسية التقليدية بمجالس صغيرة تمثّل مناطق معينة، مع وجود ضباط ارتباط بين هذه المجالس لتقرير القضايا الكبيرة. وكان من بين أهم هذه القضايا الحصول على المساعدة العسكرية والمالية الخارجية لمساعدتهم على التصدي لسياسات فيليب الثاني ومحاكم التحقيق، لذا كانت هناك سفارات كثيرة بين هذه المجالس من جهة وبين الفرنسيين والبروتستانت والعثمانيين. وتمكنت السلطات من كشف جانب من هذه النشاطات وأقر بعض من عذّبتهم محاكم التحقيق بوجود الاتصالات وطبيعتها لكن نطاق الضرر بالتنظيمات الأندلسية بقي محدوداً.
وساهمت هجرة الإسبان وأعداد من الأندلسيين إلى المستعمرات الإسبانية في العالم الجديد والحروب شبه الدائمة التي شنّها فيليب الثاني على أعدائه في كل مكان في خفض عدد سكان بعض المناطق الإسبانية فبدأت مجموعات من الأندلسيين هجر الأرياف إلى المدن القريبة، وقامت أحياء اقتصر سكانها على الأندلسيين. وكان قسم كبير من هؤلاء يعيش على خط الفقر أو دونه، وتطلبت مساعدتهم جهوداً خاصة لأسباب عدّة منها توزعهم في بلد شاسع مثل إسبانيا.
٣- تغريب الأندلسيين من اسبانيا: الاعتبارات الإسبانية
 
١)- 100 عام من الجهد الضائع
”كيف يأمل المرء أن يهدي إلى طريق السيد المسيح شعباً عنيداً قاوم التبشير للنصرانية والاضطهاد قرناً كاملاً، ولا يزال إخلاصه لقرآنه كما إخلاص العرب في المغرب؟ لقد كان الرهبان الذين انيطت بهم مهمة تعليم الموريسكيين مبادئ الكاثوليكية يعرفون تمام المعرفة أن هؤلاء، وإن مارسوا طقوس النصرانية، فإن هذه الممارسة لم تكن أكثر من مراءاة سببها الخوف من محاكم التحقيق. فمثلاً حين يكون عليهم الذهاب إلى الكنيسة في عيد الفصح للاعتراف، فإنهم كانوا يقدّمون أنفسهم بطريقة عالية الانتظام، لكنهم لا يعترفون بارتكاب أي ذنوب. ولم يُعرف عنهم أنهم توجهوا إلى القساوسة بطلب المساعدة حين يمرض أحدهم خوفاً من حضور القساوسة بصفتهم الرسمية، لذا تستّروا على مرضاهم وتعرض الجميع ”إلى موت مفاجئ“ كما كانت الأسرة تدعي وهي تمكر. أضف إلى ذلك أن عددهم لم ينقص مذ طردهم فيليب الثاني من مملكة غرناطة (عام 1569)، بل حدث العكس وازدادوا عدداًً لأنهم امتنعوا عن اللحاق بالجيش أو حتى الانخراط في خدمة الكنيسة، وأكثروا من إنجاب الأطفال وربوهم على كره المسيحية“.
هذا، باختصار، هو رأي الإسبان في الأندلسيين. وهذه، باختصار، قصة الإسبان مع الأندلسيين: فيها انتصارات كثيرة لكن فيها إخفاقات كثيرة أيضاً وجهد ضائع صرفته الكنيسة ومحاكم التحقيق على كثلكة الأندلسيين. ولا بدّ أن ملايين الإسبان كانوا يشعرون بالحيرة من نجاحهم الهائل في المستعمرات في العالم الجديد حيث نصّروا الملايين، ومن إخفاقهم الهائل في إسبانيا. فبعد أكثر من 100 عام من التبشير القسري ظل الأندلسيون ”لا يأخذون الماء المقدس إذا دخلوا الكنيسة، ولا يرسمون علامة الصليب. لقد كانوا مثل الشيطان وأشد أعداء المسيح… وكنا فرضنا عليهم الخوف، الا أننا نلاحظ قلة إيمانهم لحظة رفع القربان المقدس، إذ يقطّبون جباههم وينزلون رؤوسهم ويحولون وجوههم بعيداً، ويدفعون أولادهم الى البكاء ليزيدوا القاعة ضوضاء. بل هناك حادث خارق للعادة تمثّل في حمل أحدهم السبحة وهو في الكنيسة!“.
إن دراسة التاريخ تقود أحياناً إلى الاستنتاج بأن الأمم المهزومة توجه نقمتها إلى الداخل لخلق التوازن النفساني المطلوب للتغلّب على روح الهزيمة، أو تغرق في الرذيلة وتمضي في طريق الانحلال الخلقي، أو تلجأ إلى موجة من الورع والتعبد وتعميق الحس الديني المشوب بالمهانة القومية. وهذا ما حدث في إسبانيا بعد هزائم نهاية القرن السادس عشر حين بدأت الكنيسة تبشّر بدعوة شاملة للخلاص من الذنوب والعودة إلى الكنيسة، وتنظر إلى الهزائم على أنها إنذار بنكبات أفدح وعقاب على ابتعاد الناس عن دينهم. وخرجت الكنيسة بعد الهزائم لتقول إن أسباب هذه الهزائم وجود عناصر في قشتالة تدعي النصرانية جهراً وتضمر الإسلام. وتقول إن طرد اليهودية من آيبرية لم يكتمل بعد، لأن أعداداً منهم بقيت في البرتغال التي ضمها فيليب الثاني إلى ممالكه بالقوة عام 1580، وإن وجود مثل هؤلاء سبب الغضب الإلهي على قشتالة. وبارتفاع عدد المصائب التي تعرضت لها البلاد في آخر ذلك القرن، مثل الأزمات الاقتصادية وانتشار وباء الطاعون، كانت الكنيسة تضم إلى صفوفها مؤيدين جددا نادوا بنفي الأندلسيين إذا أريد لإسبانيا أن تحقق النصر الذي تريده لنفسها وللكنيسة. وتضافرت جهود رجال الدين والكتّاب لتأليب الرأي العام على الأندلسيين. فقبل بدء تغريب الأندلسيين أصدر خوان دي ربيره Juan de Ribera رئيس أساقفة بلنسية (1533-1611) أوامر إلى مطرانيته بوقف المناولة للأندلسيين بعد تقاطر الشكاوى من سوء تعاملهم مع الطقوس الكنسيّة.ودعم الكتّاب هذا الموقف فسجّلوا قبل تغريب الأندلسيين وبعده انتقاداتهم للأندلسيين ووصفوهم بأنهم ثعابين وضفادع وذئاب وعقارب وحيوانات سامة.
واكتشف هؤلاء أن الأندلسيين لم يصبحوا نصارى في حياتهم إذ تحدثوا عن الكاثوليكية لكنهم ظلوا مسلمين ممتازين. ويلخص بارونات القصة كلّها بالقول: ”لم يكن لدى الموريسكيين أي رغبة في أن يصبحوا مسيحيين، فكل ما يتمنونه هو النجاة من محاكم التحقيق“.14 إلا أن المشكلة لم تكن دينية فقط إذ حسد القشاتلة الأندلسيين دائماً على صنعتهم وجدّهم في العمل، واستكثروا أن يتمكن هؤلاء من جمع المال بعد كل الضغوط التي يتعرضون لها. ونجد مثالاً جيداً على هذا الموقف من عرض الآتي: ”إن انتاجيتهم (أي الأندلسيين) عالية جداً. وعلى رغم مجيئهم الى قشتالة (من غرناطة بعد نفيهم عام 1569) قبل عشر سنوات فقط من دون أن يملكوا شبراً من الارض، وعلى رغم عقم تلك السنين فانهم أصبحوا متنفذين، وصار كثيرون اغنياء إلى درجة انه يمكن ان نتوقع بعد ٠٢ سنة من الآن أن يعمل المواطنون الأصليون في خدمتهم“.
٢)- الحالة العامة
كان حظ الأندلسيين أن تحمّلهم قشتالة أسباب إخفاقها على سائر الجبهات لأنهم كانوا في متناول اليد، ولأنهم كانوا أقلية تتمتع بنفوذ سياسي ضئيل جداً، ولأنهم كانوا عموماً فقراء عاجزين عن مد الحكومة تلو الأخرى بالمال الذي تريده، ولأنهم أصروا على شخصيتهم المستقلة في وجه كل الضغوط التي استمرت أكثر من قرن من الزمن. وعندما كان الأمر يتعلق بالأندلسيين فان التاريخ القشتالي كان يعيد نفسه، فكانت المخاوف القومية والدينية والاجتماعية تجد متنفسها في اضطهاد الأندلسيين. وكانت تطورات آخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر تذكر كثيراً بوضع قشتالة في آخر سبعينات القرن السادس عشر ذلك أن متاعب قشتالة مع الهولنديين والإنكليز لم تنته، وأصبحت أرغون ثانية من أصعب الممالك التابعة لقشتالة، وتوج ذلك بإعلان الثورة هناك سنتي 1519 و1592، ولم يكن هناك حل سوى تسيير الجيوش إلى أرغون وقمع الثورة في مدينة سرقسطة. وبما أن العمليات العسكرية كانت مستمرة مع الأتراك والساحل المغربي كان من الطبيعي أن تُثار بين الحين والآخر مسألة مساعدة الأندلسيين الجدد للعثمانيين أو المغاربة ضد إسبانيا.
وفي تلك الحقبة كانت المضاعفات النفسانية للهزائم التي حاقت بإسبانيا تفوق بأضعاف التأثير الفعلي لتلك الهزائم. ووجد القشتاليون أن الحروب التي قادتهم إلى القمة تقودهم ثانية إلى الهاوية، وربما لم يكن بين جميع الممالك التي خضعت لقشتالة مملكة تعرضت لأزمات سياسية واقتصادية شبه مستمرة مثل قشتالة ذاتها. وبينما تحسّن وضع بعض تلك الممالك الجديدة استمرت إسبانيا تعاني من مشاكلها القديمة. وكان عهدا كارلوس الخامس وفيليب الثاني مليئين بالانتصارات الهائلة والهزائم الهائلة، لكن الأب وابنه تمكّنا من المحافظة على الإمبراطورية وتوسيع رقعتها عند توافر الظروف المناسبة.
وقبل أن يموت فيليب الثاني أبلغ إلى النبلاء أن كل ما يخشاه هو أن يصبح ابنه فيليب الثالث محكوماً لا حاكماً. وتحقق توقّع فيليب الثاني بعد موته إذ راح دوق ليرما يدير شؤون البلاد، فيما تفرّغ فيليب الثالث للاستمتاع بالدنيا والجلوس أمام دييغو فلايثكويث (فيلاسكويز) لرسمه واقتناء اللوحات الفنية والمفروشات الكلاسيكية من إيطاليا وبناء القصور الفاخرة. وكانت متاعب إسبانيا وقتها أعمق من أن يحلّها دوق ليرما (أعظم لص في إسبانيا) فاستمر الإفلاس والتقهقر أمام البروتستانت فطلب الصلح من الإنكليز عام 1604، ثم توصّل مع الهولنديين البروتستانت إلى اتفاق مهين نص على التزام الطرفين هدنة تستمر 12 سنة اعتباراً من التاسع من نيسان (إبريل) عام 1609، ورأى الإسبان في الاتفاقين خضوعا كاثوليكيا من حامية الكاثوليكية للبروتستانت.
وكانت هذه التطورات كافية لتفقد قشتالة توازنها الذي قام على تحقيق الانتصار تلو الآخر، وكانت دافعاً للتوقف والتفكير في حال البلاد. ولم تستطع إسبانيا النهوض لمقارعة خصومها الخارجيين فانكفأت إلى ذاتها وساد التفكير بقدرية الأحداث وعبث الأيام كما صوره بعض أهم أدباء إسبانيا. هنا ظهرت شخصية عثمان الفراش17 المتنقل دائماً من مكان إلى آخر وهو يحاول أن يعيش ليومه من دون الحاجة لمعرفة ألم التفكير في الغد. وهنا ظهرت شخصية دون كيخوتي دي لا مانشا عام 1605 كما رسمها سيرفانتس – عجوز، مثل صانعها، يحارب العمالقة وطواحين الهواء وسط جو من الفروسية الخيالية والأعداء الخياليين، وبطل في زمن لم يعد يحتمل بطولة ولا أبطالاً. وكانت تلك الفترة فترة تكشف الحقيقة. الحقيقة بأن إسبانيا كانت فقيرة على رغم الفضة التي تتدفق عليها من العالم الجديد؛ ضعيفة على رغم اتساع ممالكها الهائلة؛ أول من يحس بالكوارث النازلة بها وآخر من يستمتع بالمجد الذي بحثت عنه؛ أول من زرع وآخر من حصد. ومن خلال بحث قشتالة عن ذاتها المضطربة في بداية القرن السابع عشر اتضح للكثيرين مدى تدنّي الروح المعنوية وبرزت حاجة هائلة لتحقيق انتصار ما. وتصور كثيرون أن نفي الأندلسيين سيكون الانتصار الذي يعيد إليهم الشعور بالعظمة، ويرفع معنوياتهم الهابطة. وهكذا سعت إسبانيا إلى تحقيق انتصار داخلي حين عجزت عن تحقيقه في الخارج، وكان الرأي العام الإسباني أكثر من مهيأ لتحقيق هذا الانتصار وتغريب الأندلسيين.
وخلال فترة الإعداد لتغريب الأندلسيين ارتفعت أصوات تنبه إلى خطورة مثل هذه الخطوة لكنها كانت أصواتاً قليلة وكانت المشاعر متضاربة: ”وقف البعض موقف إدانة لهذه القسوة المتطرفة التي كانت تبعد شعباً بأكمله عن موطنه الأصلي. لكن آخرين امتدحوا هذا العمل الذي لم يُظهر فقط تقوى ملكهم الكاثوليكي (فيليب الثالث) بل خلّص إسبانيا من هؤلاء النصارى المزيفين الذين كان أجدادهم سادة إسبانيا قروناً عدّة بينما استمروا في تعاملهم الخفي مع الأفارقة والأتراك والأعداء الآخرين للملكيّة. وكان منتقدو مرسوم فيليب الثالث ومستشاروه يقولون إن الإسبان استمروا قرونا عدة في السماح للأندلسيين العيش بينهم في أرض استعادوها، وممارسة دينهم. وكانوا يقولون أيضاً إن الإسبان سمحوا للأندلسيين بإستغلال الأرض والقيام بأعمال مختلفة لم يعد النصارى يعتادونها، لأن الإسبان كانوا شغوفين بشن الحرب. أولئك الذين تبنوا هذا الاتجاه كانوا يعتقدون أنه من غير الصواب إنزال عقاب شامل يمكن أن تخرج الدولة بعده أكثر ضعفاً وأقل صلاحاً، ما لم يكن لمثل هذا العقاب دافع قوي. لكن الذين أيّدوا المرسوم (مرسوم التغريب) كانوا أكثر عدداً، واعتبروا القرار بطولياً وصائباً. وأقرّ هؤلاء بالشرور التي يمكن أن تلحق بإسبانيا نتيجة القرار، لكنهم كانوا يرون في هذه الشرور ثمناًًً لا يمكن مقارنته بالأذى الذي يتهددهم إذا استمر بقاء الموريسكيين في المملكة“. هل كان وجود الأندلسيين في إسبانيا سيهدد وجود إسبانيا فعلاً؟ الجواب تأكيداً هو نعم. هل كان الأندلسيون مستعدين للتعاون حتى مع الشيطان لرفع كابوس الاضطهاد عن صدورهم؟ الجواب لا بدّ أن يكون نعم أيضاً.لماذا؟ لأن إسبانيا الديمقراطية الحديثة فقط وجدت الحل لكل الأقليات في آيبرية وتوابعها عن طريق منحها الحكم الذاتي وأنهت بذلك معظم مشاكلها القديمة مع الباسك والنافاريين والقطلان. لكن هذا لم يكن ممكناً في القرن السابع عشر. كان على إسبانيا وقتها التمكّن من تغيير نفسها قبل أن تستطيع السماح للأندلسيين بالحياة والاستمرار وتحسين أوضاعهم الإنسانية والمعيشية، والتوقف عن إحراق الأندلسيات والأندلسيين ومصادرة أموالهم وأملاكهم وحرياتهم.
وبدت إسبانيا في لحظات قليلة كأنها يمكن أن تترك الأندلسيين يمارسون الحد الأدنى من الحريات الدينية والاجتماعية والاقتصادية، لكن المخاوف الداخلية التي أججها التعصب الديني والقومي، والمخاوف الخارجية التي أثارتها الهزائم العسكرية المتلاحقة لم تسمح لتلك اللحظات أن تتحول إلى وقت مجد. ولم تعد إسبانيا قادرة على الوصول إلى هذا الحل بعد ذلك لأن الكاثوليك الفرنسيين والبروتستانت الإنكليز والهولنديين كانوا بدأوا الحروب الأخيرة لتدمير قوة إسبانيا، وكانت ثورة كبيرة أخرى يشعلها الأندلسيون في إسبانيا ستؤدي إلى قلب موازين القوى. وفي النهاية ظل معظم الأندلسيين عرباً ومسلمين، لكن بين الكاثوليكية والبروتستانتية، كان الأندلسيون سيختارون البروتستانتية ليس لقناعتهم بها، بل لأنها كانت ستساعدهم على تدمير إسبانيا الكاثوليكية التي سعت إلى تدميرهم بكل الوسائل.
وفي عام 1599 زار فيليب الثالث بلنسية لعقد قرانه إلى مرغريت النمسوية وأثيرت خلال الأفراح مسألة الأندلسيين فأصدر مرسوماً ملكيّاً بالعفو عنهم إذا اعترفوا للكنيسة بذنوبهم وخطاياهم وأصلحوا أمورهم وطلبوا المغفرة والصفح. وكتب فيليب رسالة بهذا المعنى إلى خوان دي ربيره رئيس أساقفة بلنسية أمره فيها بمباشرة تعميد من لم يتعمد بعد من الأندلسيين ومعاملتهم بالحسنى لكسب تعاونهم.19 وفي الثاني والعشرين من حزيران (يونيو) من العام نفسه أصدر البابا بولس الخامس إرادة منحت الأندلسيين عفواً عاماً عن كل خطاياهم لمدة سنة واحدة. وانقضت المهلة من دون أن يتقدم الأندلسيون للاعتراف بخطاياهم فتحرّكت محاكم التحقيق وعمّدت عدداً من الأندلسيين بالقوة. واحتج الأندلسيون على هذا الإجراء فردّت الحكومة باتهامهم بالتآمر مع الفرنسيين وتعهدهم للمغاربيين بتوفير ٠٠٢ ألف مقاتل لاحتلال بلنسية إذا تمكن هؤلاء من إرسال 20.000 مقاتل فقط،ثم أعدمت عدداً منهم شنقاً. وخلال السنوات الثماني التي اعقبت زيارة فيليب الثالث الى بلنسية استمرت مقاومة الأندلسيين للتعميد، وبدأ دوق ليرما التفكير بتغريبهم ما لم تنصلح حالهم نهائياً عاكساً رأيه هذا في قول مشهور هو: ”لن تصبح ممالك إسبانيا نقيّة طاهرة إلا بإقصاء الموريسكيين عنها“.
وفي صباح الإثنين الثاني والعشرين من أيلول 1609 الموافق للثاني من شوال سنة 489 خرج المنادون إلى الأندلسيين وقرأوا المرسوم الملكي الآتي:
”1 – على سائر الموريسكيين في المملكة رجالاً ونساءً وأطفالاً أينما كانوا أن يسارعوا خلال ثلاثة أيام من صدور هذا المرسوم إلى إخلاء منازلهم والاتجاه بإمرة مفوض الدولة المسؤول عنه، وذلك للإبحار الى المغرب على متن المراكب والسفن التي استعارتها الدولة لهذا الغرض، ومنصاعين لأوامر المفوض، آخذين معهم من ممتلكاتهم المنقولة ما يمكن حمله على ظهورهم. وتحظّر الاساءة إليهم أو إزعاجهم أثناء انتقالهم سواء بالقول أو الفعل، ويُكفل لهم تأمين طعامهم خلال مدة الإبحار. وكل من يتخلّف عن تنفيذ هذا المرسوم يعرض نفسه للهلاك المحقق.
2 – يحق لأي إسباني صادف موريسكياً خارج منطقته أو ضالاً في الطريق بعد الأيام الثلاثة المحددة أن يستولي على ما معه. وإن أبدى الموريسكي أي مقاومة للإسباني أن يقتله أو أن يسلمه إلى أقرب مركز حكومي لكي تأخذ العدالة مجراها.
3 -على الموريسكيين، بعد الإطلاع على نص هذا المرسوم، البقاء حيث هم إلى أن يحضر مفوض الدولة الخاص بهم وينقلهم إلى الموانئ المحددة للإبحار الى المغرب، ومن يخالف ذلك يعرّض نفسه إلى الهلاك.
4 – يُحكم بالموت على أي موريسكي أخفى شيئا من أمواله أو ممتلكاته مما يعجز عن حمله، أو أحرق أو أتلف بيتاً أو مزرعة أو حاكورة أو شجرة أو أي ممتلكات. وتُنزل العقوبة ذاتها بأي جار تكتّم على مثل هذه الاعمال لأن المرسوم يوجب على الموريسكيين إبقاء الممتلكات التي يعجزون عن حملها فتؤول الى صاحب الاقطاعية.
5 – لست أسر موريسكية فقط البقاء في كل بلدة تضم 100 أسرة مسيحية شرط ان تتألف هذه الأسر من كبار السن، وألا يكون ابناؤهم متزوجين، وأن يكونوا تحت رعاية الابوين. ويختار هذه الأسر أصحاب الاقطاعيات من بين أكثر السكان الموريسكيين تمسكاً بالمسيحية بهدف تعليم السكان الجدد زراعة قصب السكر وصناعة السكر وتكريره وإتقان توضيب مساكب الرز وسقيه وحصاده وسقاية الارض عامة وصيانة البيوت.
7 – يُحظّر على المسيحيين القدماء إخفاء أي موريسكي أو مساعدته أو عدم الابلاغ عنه ان تغيّب، ويُحكم على من يُقدم على مثل هذا العمل بالشغل ست سنوات على القواديس أو أي أحكام نُقرّها.
8 – ليعلم كل الموريسكيين أن رغبة الملك هي تهجيرهم من مملكته وليس مضايقتهم، حتى يصلوا الى الشواطئ المغربيّة بأمان.لذا يُسمح لعشرة موريسكيين في كل رحلة العودة على المراكب التي اقلتهم لابلاغ إخوانهم بسلامة الوصول وحسن المعاملة.ويُكتب إلى المفوضين والمسؤولين عن المراكب بذلك فلا يُسمح لاي جندي أو بحار بالاساءة إلى المهجرين قولا أو فعلاً.
9 – للأطفال الموريسكيين الذين تقل أعمارهم أو أعمارهن عن الرابعة البقاء في البلاد شرط موافقة الأبوين أو الوصي على ذلك.
10 – يُسمح لاطفال الموريسكيين ممن تقل أعمارهم أو أعمارهن عن ست سنوات وينحدرون من آباء مسيحيين قدماء كبار السن البقاء مع أمهاتهم. كما يُسمح لأطفال الموريسكيين المنحدرين من أمهات مسيحيات قديمات البقاء في البلاد مع أمهاتهم إذا كانت أعمارهم أو أعمارهن تقل عن السادسة فيما يُطرد الاباء.
11 – يُسمح للموريسكيين المقيمين بين النصارى القدماء البقاء في المملكة إن لم يكونوا انتسبوا إلى رابطة الجوامع الموريسكية قبل سنتين من صدور هذا المرسوم.
12 – يُسمح ببقاء الموريسكيين الذين لُقنوا أسرار الكنيسة وعُمدوا بمعرفة رئيس الدير بناء على توصيات المُعرّفين (عمال محاكم التحقيق) القاطنين في مناطقهم.
13 – يوافق صاحب الجلالة على أن يتوجه أي موريسكي إلى أي مملكة أخرى يرغب الذهاب اليها شرط ألا يعبر في طريقه مقاطعات اسبانية، وأن يتمّ ذلك ضمن المدة التي حددها المرسوم.
هذه هي رغبة صاحب الجلالة، ومن لا ينفذ ما جاء في هذا المرسوم الملكي يعرض نفسه إلى أقصى العقوبات“. وهذا هو المرسوم الذي يمكن اعتباره النهاية الرسمية لمبدأ التعايش في آيبريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.