الجلوة الأندلسية الكبرى

يا أهل أندلس حثوا مطيّكـــــــمُ    فما المقام بها إلا من الغلـــــــــــط
 لثوب ينسل مــن أطرافـه وأرى   ثوب الجزيرة منسولاً مــــــن الوسط
لا يوجد في التاريخ الأندلسي ما يلخّص أبعاد سقوط طليطلة أكثر من هذين البيتين المنسوبين إلى الفقيه الزاهد ابن العسال. وإذا أضفنا إليهما قولين مشهورين آخرين هما ”رعي البعير ولا رعي الخنازير“ و”الأمارة لو على الحجارة“ فربما اكتملت سيرة ملوك الطوائف الذين تقاسموا حكم الأندلس بعد انهيار الخلافة الأموية. ولم تكن السيرة المقابلة للممالك الشمالية خلال القسم الأعظم من تلك الفترة سيرة الوحدة والقوة إذ كانت لا تزال على التنازع والتفرّق اللذين طبعا معظم تاريخها. لكن ما حدث في منتصف القرن الحادي عشر كان تبادلاً واضحاً في المواقف فصار الشمال فجأة أكثر وحدة، أو أقل تفرّقاً، من الجنوب الذي تقاسم سادته ألقاب الفخامة والعظمة والتمجيد والانتصارات التي لم تكن يوماً.
وفي التاريخ الأندلسي أن ألفونصو السادس (أسبغت عليه البابوية صفة القداسة عام 1671) تظاهر بالنوم وهو في حمى طليطلة هرباً من أخويه وراح يصغي إلى حديث دار بين حاكم المدينة المأمون يحيى بن ذي النون وبعض وزرائه عن مناعة طليطلة، الواقعة على تل مرتفع يحيط به نهر تاجه العظيم، وانتهوا إلى التقرير بأن أخذ هذه المدينة يستوجب سبع سنوات من الحصار المسبوق بتخريب الأرض والأحواز وحرق الغلال وانقطاع المؤونة. ولا نعرف إن كانت هذه الحادثة وقعت فعلاً لأن أمراً عظيماً مثل الوضع العسكري لطليطلة لا يُبحث في حضور شخص مثل ألفونصو نائماً كان أو صاحياً، إلا أن الثابت أن ألفونصو كان يعرف المدينة جيداً.
ونهج ألفونصو السادس في البداية نهج سابقيه فأنفق على نفسه وزوجاته الكثيرات وجيشه من الجزية السنوية التي كان يحملها إليه ملوك الطوائف، إلا أنه صار يكثر في المطالب فقل الذهب وبدأ غش العملة ولمس ضعف هؤلاء الملوك وحاجتهم إلى المهادنة فعاث في بلادهم كما شا. وحدث في ذلك الوقت أن فلت زمام الأمور من يد حاكم طليطلة القادر ذي النون بعد مقتل أحد الفقهاء المحبوبين فثار الناس وخلعوه وأجلسوا مكانه المتوكل بن الأفطس لكنّ الأخير ترك المدينة لمصيرها عندما سمع بقدوم ألفونصو ومعه القادر. ولم يجد أهل طليطلة نصيراً في باقي ملوك الطوائف فسلّموا المدينة لألفونصو بعد سبع سنوات من الحصار. وما كاد ألفونصو يستقر في عاصمته الجديدة حتى بدأت الهدايا والتهاني على هذا النصر المبين تفد إليه من بعض ملوك الطوائف. ومن هؤلاء حسام الدين بن رزين حاكم شنتمرية الذي حمل له هدية سنية فجازاه عليها ألفونصو بقرد. ولم ييأس بعض ملوك الطوائف من استعطاف ألفونصو وكسب ودّه ورضاه إلا عندما بدأ يغير سياسته مطالباً بالحصون والقلاع والأراضي. وعندما رد ألفونصو الجزية التي بعث بها المعتمد بن عباد اللخمي، حاكم أكبر دول الطوائف، لم يعد أمامه مفر من مواجهة الواقع فانصاع للضغط الشعبي ووافق وغيره من الحكام على استدعاء المرابطين وبدا له الخيار واضحاً بين رعي الخنازير عند ألفونصو أو رعي البعير عند سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين.
يوسف يعبر العدوة على سفن اسطول إشبيلية
وفي الثلاثين من حزيران عام 1086 عبر يوسف العدوة على سفن اسطول إشبيلية ونزل الجزيرة الخضراء قرب جبل طارق، ثم سار إلى بطليوس ومعه جيوش من إشبيلية وغرناطة ومالقة وبطليوس. والتقى الجمع بجيش ألفونصو في منطقة تبعد ثمانية كيلومترات شمال شرقي بطليوس ونشبت معركة كبيرة تُعرف باسم”الزلاقة“ انتهت بهزيمة ألفونصو. غير أن المرابطين والأندلسيين لم يستثمروا هذا الانتصار ليأخذوا طليطلة فظلت في يد ألفونصو وتحولت إلى قاعدة مهمة كان يثب منها إلى المراكز الأندلسية كما حدث عندما بدأ يهدد مرسية. واستدعى المعتمد يوسف بن تاشفين ثانية بعد استفحال خطر ألفونصو وحاصر جيش المرابطين والأندلسيين حصن لييط Aledo قرب مرسية فاستعصى فانسحب قبل وصول ألفونصو لنجدة قواته.
وجاز ابن تاشفين إلى الأندلس مرة ثالثة وحاصر طليطلة فاستعصت عليه أيضاً فارتد إلى غرناطة وملكها من عبدالله بن بلقين. وترك ابن تاشفين لقادته تصفية ملوك الطوائف فملكوا قرطبة بعد قتل حاكمها الفتح بن المعتمد فوضعت زوجته سائدة نفسها في حمى ألفونصو. وانتقل جيش المرابطين إلى المعتمد في إشبيلية فخف ألفونصو لنجدته بحملة أوكل بها أحد قادته لكن الأخير انهزم. وقاوم المعتمد جيش المرابطين عبثاً وحُمل إلى أغمات عاصمة المرابطين الأولى الواقعة جنوب شرقي مراكش، ومات هناك أسيراً عام 1095. أما سائدة فأصبحت زوجة ألفونصو وحملت له ابنه الوحيد سانشو (شانجة(الذي قتل وهو في الحادية عشرة من عمره عام 1108/501 في معركة أقليش Ucles التي انتصر فيها المرابطون. ودهم ألفونصو غم عظيم لخسارة صغيره ففاضت روحه بعد سنة من ذلك تاركاً عرش قشتالة وليون وأشتوريش لابنته أراكة.
واكتشفت أراكة وغيرها مع مرور الوقت عقم محاولة التصدي للمرابطين لأن هؤلاء أدخلوا فنونا حربية لم تعرفها الأندلس من قبل مثل الجمّالة واستخدام الطبول لإصدار الأوامر والإشارات الحربية، والهجوم العريض بالفرسان بدلاً من الزحف، واشتراك الزنوج وغير ذلك من المفاجآت التي دبّت الذعر في الشمال الأندلسي والدول الأوروبية. ولم يتمكن الشمال من تحقيق أي تقدم حاسم خلال فترة طويلة، إلا أن أحوال المرابطين آلت إلى الضعف مع الزمن فتمكن الشماليون عام 1118/512 من احتلال سرقسطة والمدن الرئيسية الأخرى التي تقع في الثغر الأعلى بمساعدة الفرنسيين والإيطاليين وغيرهم، وتضاعفت بذلك الرقعة التي سيطر عليها الشماليون معززين مركزهم باحتلال طرطوشة عام 1148 /543. وبعد سنة من ذلك احتلت مملكة أرغون لاردة وافراغة ووسّعت حدودها حتى نهر ابرة. لكن العمليات القتالية الشمالية لم تكلل كلها بالنجاح إذ حاول ألفونصو السابع احتلال قرطبة بمساعدة سكانها من النصارى المستعربين فأخفق، لكنه توج حكمه باحتلال المرية، فبقيت تلك العملية أوج انجازاته، كما كان إحتلال طليطلة أوج انجازات ألفونصو السادس.
أما باقي الصورة فكانت تراجعاً جديداً أمام قوة جديدة نهضت على أنقاض المرابطين هي دولة الموحدين 1123-1245 (540-620).
وبدأ الموحدون فترة سيادتهم بانهاء ما بقي للمرابطين من سلطة في الأندلس واستعادوا مدينة المرية بعد عشر سنوات من سقوطها. وفي الشمال جدد ألفونصو الثامن (1214-1158) الحملات على الجنوب، وبات يشكل خطراً كبيراًً فجاز الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور العدوة إلى طريف في الثلاثين من نيسان 1195 ((جمادى الآخرة 591) ومنها إلى إشبيلية ثم قرطبة فقلعة رباح التي تقع على بعد عشرة كيلو مترات إلى الشمال الشرقي من المدينة الملكية وسط الأندلس. وفي الثامن عشر من تموز التقى الخليفة الموحدي جيش ألفونصو في معركة سميت بالأرك، نسبة إلى حصن استخدمه الملك القشتالي لشن هجماته المتكررة على الأراضي الأندلسية، فكانت هزيمة ساحقة لألفونصو الذي انسحب من المعركة جريحاً، وفر إلى طليطلة ومعه 20 فارساً. أما الناجون فهربوا إلى الحصون القريبة واستسلم معظمهم بعد ذلك.
ولم تلجم هذه النكسة ألفونصو الثامن طويلاً إذ شرع اعتباراً من عام 1209 في مهاجمة بعض القواعد الأندلسية القريبة من منطقة سلطانه في فترة تميزت بتأجج الحماس الديني في أوروبة. وتنادت الكنيسة لنجدة الممالك المسيحية في الشمال الأندلسي، وأصبحت الفرصة مواتية لشن هجوم واسع النطاق على الدولة الإسلامية. وفي العشرين من حزيران عام 1212 انفتحت أبواب طليلطة وخرجت جيوش قشتالية وأرغونية وفرنسية ومعها أوروبيون آخرون قصدوا سهلاً يقع جنوب غربي حصن العقاب شمال مدينة جيان. والتقت هذه الجيوش مع جيش الموحدين والأندلسيين في السادس عشر من تموز (٤١ صفر سنة 609) فدارت معركة شرسة انتهت بهزيمة الموحدين والأندلسيين وانفتح الباب على مصراعيه لاجتياح الجنوب. أما الخليفة الموحدي محمد الناصر لدين الله فعاد إلى إشبيلية فمراكش وتوفى بعد سنة.
وحقق ألفونصو الثامن الموصوف بالنبيل انتصاره الحاسم في معركة العقاب لكن الفتوحات الشمالية العظمى التي لم تعرفها الأندلس من قبل كانت من نصيب فرناندو الثالث 1217-1252) الذي نزل على قرطبة في التاسع والعشرين من حزيران عام 1236 واتبعها بجيان (1246)) فاشبيلية ( (1248) ولم يتوقف إلا والسلطة الإسلامية مقصورة على الرقعة الجنوبية من البلاد، وانتقلت عاصمة قشتالة إلى إشبيلية. وخلال هذه الفترة كانت أرغون والبرتغال تتقدمان في اتجاه الجنوب لترسما حدودهما الجديدة.
وكما توافر لقشتالة ملك مهم مثل فرناندو الثالث، توافر لأرغون ملك لا يقل أهمية هو خايمي الاول 1213-1276) الذي احتل جزيرة ميورقة بمساعدة الايطاليين عام 1229، واستكمل في السنوات الخمس التالية احتلال الجزائر الشرقية قبل ان يسجل انتصاراً كبيراً باحتلال بلنسية عام 1238.
القرن الأسود
حلّت بالعرب نكبات لا تُعد ولا تحصى وعرفوا كذلك انتصارات لا تُعد ولا تحصى هي الأخرى إلا أنه لا يوجد في التاريخ العربي أكثر حلكة ويأساً من القرنين الثالث عشر والسادس عشر الميلاديين فكلاهما شهد هجوماً واسع النطاق استهدف المشرق والمغرب معاً ولم تعد هناك قوة كافية لايقافه. وحل منتصف القرن الثالث عشر في الأندلس فإذا مئات الألوف من الأندلسيين إما قتلى أو أسرى أو مشردين أو لاجئين فتمزّق النسيج الاجتماعي وانهار الاقتصاد وضاعت الثروات بين ليلة وأخرى وعمّ الجوع. وخلال تلك الفترة الحالكة من التاريخ الأندلسي وجد الأندلسيون أنفسهم في وضع تحرّك دائم مدفوعين أبداً نحو الجنوب أمام جيوش فرناندو الثالث وخايمي الأول فلا يكادون يحلّون في المدينة التالية حتى يكون دورها جاء فتبدأ دوّامة الجلاء مرة أخرى. وفي سنوات الكارثة تلك تفرّق الأطفال عن الامهات والأباء عن الأولاد والزوجات عن الأزواج وانفرط عقد المجتمع وعصفت الفوضى بكل ما كان إلى الجنوب من وسط الأندلس، ولم يعد مُتاحاً لجمهور الأندلسيين خيار”رعي البعير“ ولا حتى خيار”رعي الخنازير“ بعد تنفيذ سياسة قامت على تفريغ معظم الأراضي والمدن الأندلسية.
أما مدد العدوة فتوقف هو الآخر ولم يعد المغرب قادراً على حشد القوات الكافية لوقف الاجتياح الشمالي بعدما كان دفع الجيش تلو الآخر إلى الأندلس حتى انهكت قواه وعجز عن صد الشمال المتحالف مع البابوية والمدعوم بصليبيي فرنسا وإيطاليا.أما قشتالة فتحوّلت إلى آلة حرب يسيّرها مجتمع مؤلف إما من مقاتلين أو كهنة لا تعرف الفئة الاولى منه سوى الحرب مصدراً رئيساً للثروة، ولا تريد الثانية التوقف قبل طرد العرب والإسلام من شبه جزيرة آيبرية. هذا في المغرب، إلا أن المشرق لم يكن أفضل حالاً إذ كانت الحروب مستمرة هناك ضد الممالك الصليبية.
وفي عام 1258/٦٥٦ دهم الوطن العربي خطر هائل عندما زحف المغول في اتجاه العراق واقتحموا ”مدينة السلام“ وأزالوا ما بقي من الخلافة العباسية. وعندما انسحب المغول من عاصمة المشرق لم يعد وصف”مدينة السلام“ مناسباً. أما الدمار الذي نالها وأهلها فكان هائلاً واستمر عشرات السنين حتى أن الرحالة ابن بطوطة وجد بعض الخراب قائماً عندما زارها في القرن الرابع عشر.
وعلى رغم المقاومة الخارقة التي أبداها الأندلسيون بات واضحاً أن قواتهم العسكرية الذاتية كانت أضعف من ان تتصدى للمد الشمالي نتيجة 120 سنة من الاتكال على الآخرين لحمايتها، وهكذا بدأت الأندلس تدخل مرحلة التصفية قبل النهائية. وإزاء تردي الأوضاع إلى هذا الدرك جمع الأندلسيون كل ما تبقى من قوتهم وهاجوا في انتفاضة شعبية شاملة في حزيران/يونيو 1264 واستعادوا مناطق كثيرة بينها مدينة مرسية التي احتفظوا بها نحو سنتين. غير أن تلك القوة الجديدة لم تحتمل الجيوش التي سيّرها خايمي الأول فسقطت مرسية ثانية. ولم يبق لأرغون بعد ذلك ما تحتله فانصرفت إلى بناء امبراطوريتها في البحر الابيض المتوسط تاركة استكمال احتلال الأندلس لملوك قشتالة، وان كان دعم أرغون لجارتها في الحروب التي دارت في فترات لاحقة مع الأندلسيين لم يتوقف.
البرتغال
ونهجت البرتغال هي الأخرى نهجاً منفصلاً عن قشتالة، وبرزت كياناً متميزاً منذ اعترف البابا بها مملكة مستقلة عام 1179. وما ان حلت سنة 1236 حتى كانت البرتغال أخذت مدينة طبيرة الساحلية في الجنوب منهية بذلك توسعها وراسمة حدودها التي بقيت في صورة عامة على تلك الحال.
وفي الفترة بين 1297 و1325 عمل الملك البرتغالي ديونيسوس الاول الملقب بـ”العامل“ على تطوير البنية الاقتصادية لمملكته معتمداً على توسيع نشاطات التعدين والتجارة، وتابع من جاء بعده الطريق نفسه واستمر الصراع مع قشتالة للاحتفاظ باستقلالية البرتغال حتى عام 1385، عندما انتصر البرتغاليون على القشتاليين في المعركة المعروفة بإسم”الجبروت.
وفي عهد الملك يوحنا الاول (1385-1433) بدأت فترة توسع كبيرة نحو أفريقية كانت فاتحتها احتلال مدينة سبتة عام 1415، ثم كان للبرتغال بعد ذلك دورها المعروف في الاهتداء إلى طريق التوابل بمساعدة ملاح عربي مشهور في نهاية القرن الخامس عشر، وبناء أمبراطوريتها في أفريقية والمحيط الهندي والبرازيل.
أحوال مملكة غرناطة بين سقوط مرسية واستسلام غرناطة 226 سنة خرج خلالها العالم من حقبة ودخل أخرى وتبدلت مواقع القوى وتغيرت الأولويات. وانحسر شأن البلاد العربية المشارقية التي حكمتها مجموعة أخرى من سلاطين وملوك وأمراء الطوائف فانحسرت مخاوف المسيحية وخمد توقّد الروح الصليبية. ولم يعد للبابوية دورها المهم فانصرف أمراء الفاتيكان إلى الاهتمام بالدنيا وشؤونها.
وفي الأندلس كانت قشتالة وأرغون قضمت في القرن الثالث عشر لقماً فاضت بكثير عن قدرتها على الابتلاع فلم تستطع إعادة إعمار معظم المدن الرئيسية التي اجتاحتها. واتسعت آنذاك رقعة الأراضي في صورة بات معها توفير الحماية المناسبة لها صعباً لذا كان استئناف الحرب مع غرناطة جهداً لم تكن قشتالة قادرة عليه فعاد الطرفان إلى النهج المعروف في الأندلس وارتضت قشتالة قبول جزية السلام من غرناطة وتقلبت العلاقة بينهما بين الصداقة والعداء والهدنة والقتال. ولم يكن انشغال ملوك غرناطة بأنفسهم أقل حدة مما كان يحدث في قشتالة ولطالما توجه هذا الطرف أو ذاك إلى الآخر طلباً للمساعدة على قهر الخصوم أو دعم السلطة.
ولا تخفي هذه الصورة الكبيرة من الهدنة والسلام صوراً حربية أقل حجماً وأقصر عمراً حاولت مملكة غرناطة الالتفاف عليها عن طريق تجنّب الصدام مع قشتالة بوسائل شتى بما في ذلك التنازل، ولو موقتاً، عن المناطق الاستراتيجية بل حتى التعاون العسكري مع القشتاليين كما حدث آخر أيام الشيخ محمد الأول بن الأحمر”الغالب بالله“ مؤسس مملكة غرناطة 1238-1272، وكثيرين ممن خلفوه في حكم آخر الممالك الإسلامية في الأندلس. ونجحت هذه السياسة حيناً وأخفقت حيناً آخر.
وتوافق ارتفاع النفقات الحربية مع تغيّرات جذرية في طبيعة الاقتصاد الاسباني سببت هي الأخرى أزمات اقتصادية خانقة. وسبب ذلك أن الحركة التجارية التي قامت بين إسبانيا ومستعمراتها في العالم الجديد تركّزت على سد حاجات المستعمرات من الثياب (حتى لو عن طريق إجبار الهنود على ارتداء السراويل الصوفية) والقمح والزيت والخمور والمواد الأخرى المُنتجة أو المصنوعة في إسبانيا. لكن في نهاية القرن السادس عشر بدأت المستعمرات تغطي جزءاً مهماً من استهلاكها المحلي فضرب الكساد إسبانيا لأول مرة منذ اكتشاف العالم الجديد قبل 100 عام من ذلك.
وحدث شيء غريب بعدها إذ وافق انحسار صادرات إسبانيا إلى العالم الجديد ازدياد حصة هولندا التي ملكت أكبر أسطول تجاري في العالم آنذاك، وكانت سفنها تنقل الكمية الأكبر من البضائع إلى العالم الجديد. وعصت الأقاليم الشمالية من هولندا على فيليب الثاني وأعلنت انفصالها فمنع الملك الإسباني التعامل مع السفن الهولندية عام 1585 وقصر نقل البضائع على السفن القشتالية، ثم عاد وأكد منع الهولنديين ثانية من التعامل التجاري مع المستوطنات الأميركية عام 1595. ووجد الهولنديون المستقلون عن فيليب الثاني أن استمرار تجارتهم المربحة يقتضي كسر احتكار إسبانيا فبدأوا جهداً خاصاً تمكنوا بعده من فتح الأسواق في بعض المستعمرات الإسبانية وأتاحوا لحليفتهم انكلترا الاستفادة من تلك التجارة. وسعت حكومتا فيليب الثاني وابنه فيليب الثالث من بعده إلى تشجيع حركة تجارية أنشط في مستعمرات العالم الجديد، لكنهما وجدتا صعوبة في تحقيق ذلك لأن السوق بدأت تتقلص نتيجة الخلل السكاني الذي ضرب بعض تلك المستعمرات.
وبينما قدر عدد السكان المحليين المكسيكيين سنة استيطانها عام 1519 بنحو 11 مليون نسمة، نجد أن العدد انخفض في نهاية القرن السادس عشر إلى نحو المليونين فقط. وحدث ذلك نتيجة السياسة العنصرية التي انتهجتها إسبانيا هناك وتفشّي الأمراض التي حملها الإسبان إليهم وتسخير السكان المحليين للعمل في المزارع ساعات طويلة مما أدى إلى انهاكهم وموت أعداد كبيرة منهم فتقلص الاستهلاك وارتفعت كلفة انتاج المواد والمعادن التي كانت تُنقل إلى إسبانيا.
وفي القسم الأخير من القرن السادس عشر تعرضت إسبانيا إلى جفاف خطير. وتبع الجفاف انتشار الطاعون شمال البلاد عام 1596، ثم امتدّ الطاعون بعد ذلك جنوباً فحصد بين عامي 1599 و1600 نحو 15 في المئة من السكان. وعندها ساد الذعر وارتفعت الأسعار، ونزلت بالاقتصاد ضربة عنيفة استمر تأثيرها فترة طويلة. وتحسنت التجارة مع المستعمرات في العالم الجديد بعد ذلك ووصلت أوجها عام 1608 لكن استفادة إسبانيا كانت قليلة لأن الهولنديين والانكليز والفرنسيين كانوا ينقلون القسم الأكبر من واردات المستعمرات.
وعمل الأندلسيون في إسبانيا في كل القطاعات الانتاجية والتجارية والخدماتية، لذا استفادوا جيداً من التجارة مع مستعمرات العالم الجديد في البداية. لكنهم بدأوا يعانون من الكساد الاقتصادي وتراجع الطلب على منتوجاتهم وخدماتهم في الوقت الذي استمرت فيه السلطة ومحاكم التحقيق في مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وفرض الغرامات المالية الكبيرة عليهم. وفي السنوات القليلة التي سبقت التغريب، كان عدد كبير من الأندلسيين يعيش في الضواحي أو في الأحياء الفقيرة من عدد كبير من المدن الأرغونية والقشتالية مثل سرقسطة وابلة وجيان وسيمانقة وطرطوشة ومرسية وطليطلة وبلد الوليد ومئات المدن غيرها. وتدلنا التجربة أن الأحقاد العرقية والدينية تبرز أكثر ما تبرز خلال الضائقات المالية والكوارث الطبيعية، لذا اتسمت العلاقات بين الإسبان والأندلسيين في نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر بدرجة عالية من التوتر والريبة المتبادلتين.
100 عام من الاضطهاد
بين استسلام غرناطة وصدور قانون التغريب 117 سنة لم تُرفع فيها المظلمة عن الأندلسيين يوماً واحداً فاتحدت السلطة ومحاكم التحقيق ومعظم رجال الكنيسة وجل الإسبان في جهد اضطهاد الأندلسيين. ونحو نهاية عام 1570 تمكن فيليب الثاني من إخماد الثورة الأندلسية الكبرى بعد قتل ما لا يقل عن ٠٢ ألف أندلسي وأندلسية ونفي عشرات الألوف وتحويل أعداد منهم إلى عبيد في بيوت الإسبان أو مجذفين في سفنهم. ولم يبق بعد كل هذا سوى رأس مولاي عبدالله بن ابيه مُعلقاً على بوابة غرناطة حيث بقي 30 سنة يذكّر بالنهاية التي تنتظر من يتحدى الملك.
وعاش عشرات الألوف من الأندلسيين في منافيهم الجديدة في القشتالتين الجديدة والقديمة أقليّة مقهورة بين غالبية متسلّطة وعانوا من المشاكل التي تعاني منها الأقليات في كل مكان إلا أنهم واجهوا أيضاً مشاكل اضافية فكان معظم الإسبان يعتبرها أقليّة مارقة على السلطة وعدوة للكاثوليكية ومستعدة للتعاون مع أعداء قشتالة في كل الأوقات. ولعبت عوامل سياسية ودينية وتاريخية واقتصادية مختلفة دورها المستمر في إذكاء الريبة بين الأندلسيين والإسبان، فلم يشعر الأندلسيون بالأمان بين القشتاليين، ولم يشعر القشتاليون بالأمان إن وجد الأندلسيون بينهم، ولم تسمح الحكومة والكنيسة ومحاكم التحقيق للفئتين النسيان والتناسي فعملت دائماً على إذكاء الشكوك وإحياء المخاوف وشحن الكره والعداوة.
ومع مرور الزمن تراكمت المراسيم والقوانين والقيود ولوائح الوشاية التي سعت في جملتها إلى فصل الأندلسي عن دينه وتاريخه وأهله ودفعه في اتجاه الكاثوليكية. وقاوم الجيل الأول قدر استطاعته فيما وجد أبناء الجيلين الثاني والثالث أنفسهم وسط عالم غير الذي عرفه آباؤهم فجهلوا الكتابة بالعربية وعجُمت ألسنتهم واختلطت عاداتهم، وسادت الأميّة وتفشّى المرض بعدما حرمتهم السلطة من المرافق العامة التي اعتادوا عليها، وأجبرتهم على التعايش مع القذارة. ومنعت السلطات معظم الأندلسيين في المنافي من مزاولة التجارة أو الاشتغال بالمهن فصاروا بغالين وحمّارين وفلاحين بالسخرة أو بأجر رمزي في مزارع القشاتلة وغيرها من وضيع المهن، وحظرت عليهم حمل السلاح (كان آنذاك رمزاً للأحرار فلم يكن ممنوعاً إلا على العبيد واليهود)، ورأت في أبسط المظاهر الأندلسية مروقاً ومعارضة للسلطة والكنيسة.
ووصلت القيود في بعض الحالات إلى حدود لا يمكن احتمالها فكان الأندلسي حين ينفرد بنفسه يتوجه إلى خالقه ويناشده المساعدة على التغلب على مخاوفه ويأسه، وصار البعض يعتقد أن الموت مسلماً كفيل وحده بتأمين الخلاص النهائي. لكن حتى هذا لم يعد ممكناً اعتباراً من عام ١٩٥١. فقبل هذا التاريخ كانت للأندلسيين مقابر خاصة لكن السلطات منعت الأندلسيين من دفن موتاهم فيها وخصصت لهم مناطق في الساحات المجاورة للكنائس التي كانت مساجد في الماضي شرط الموافقة على دفن المسيحيين فيها. ورضخ الأندلسيون لهذا الشرط على مضض لكن السلطات عادت وفرضت عليهم دفن موتاهم داخل الكنيسة نفسها.ولم يحتمل الأندلسيون هذا الوضع فعرضوا على فيليب الثالث دفع مبلغ ٠٣ ألف دوقة ذهبية لقاء السماح لهم بدفن موتاهم في مكان آخر حتى لو كان في المزابل لكنه رفض رفضاً قاطعاً.
ويلخص أحد الأندلسيين وضع أمّته بالقول: ”كنا مضطرين أن نظهر لهم ما كانوا يرغبون منا إظهاره،وما عدا ذلك كانوا يسوقوننا إلى محاكم التحقيق لاتباعنا الحقيقة. لقد حرمونا من الحياة والأملاك والأبناء، وزجوا بنّا في سجون مظلمة لأتفه الأسباب. ونظراً إلى سوء أفكارهم كانوا يبقوننا هناك سنين عدّة فيما يستولون على أملاكنا التي صادروها ويستغلوننا، ثم يقولون إن لذلك الفعل مبرراً، ويخفون وراء ذلك أفكارهم السيئة وسريرتهم الضالة. أمّا أطفالنا فإنهم عندما يصبحون يافعين يربونهم على شاكلتهم ويصبحون مرتدين، وإذا كبروا يسعون إلى الهروب. وإضافة إلى ذلك كان حكام محاكم التحقيق يفتشون عن كل الوسائل للقضاء نهائياً على هذه الأمّة“.
وكانت هذه الوسائل بلا نهاية، وكانت العقوبات تراكمية، وكانت تتصاعد في شدّتها مـع الزمن وتشمل الأحياء والأموات على سواء إذ توجد أمثلة كثيرة على نبش قبر من يُتهم بعد موته بالارتداد وجمع عظامه في كيس وإحراقها إلى جانب الأحياء في الاحتفالات التي كانت تجري بين وقت وآخر في المدن الإسبانية. كما توجد أمثلة عدّة على شمول العقاب أهل المتهم الذين تحرمهم محاكم التحقيق من التمتع بالحقوق المدنية أو تجبرهم على ارتداء لباس العار (Sanbenito) مدداً طويلة.9 وفي بعض الحالات كان الدير نفسه يُستخدم كسجن. ونحو نهاية القرن السادس عشر لم يعد الإرتداد وحده سبباً للحكم على المتهم أو المتهمة بالحرق إذ باتت محاولة الهروب من إسبانيا إلى العدوة أو فرنسا جريمة نهايتها الحرق، بل أن المؤرخ الكبير لورنتي يُعلمنا أن الحرق كان أيضاً عقوبة من يقرأ الكتب العربية.10 وتبدّلت حظوظ فيليب الثاني في آخر أيامه فأنزل به الفرنسيون والهولنديون والإنكليز هزائم ماحقة وساء حال الإسبان في أوروبة ودارت عليهم الدوائر فاهتزت ثقتهم بأنفسهم وبحثوا عن سبب اخفاقاتهم فيمن حولهم وبرّأوا أنفسهم من جرائر ما أصابهم وحمّلوها للأندلسيين وكانوا يعتقدون أن الله للكاثوليك فقط مثل الجنّة فصاروا يقولون إن هذه الهزائم عقاب من الله على وجود ”الكفار“ الأندلسيين بينهم. وهكذا تحوّل الأندلسيون إلى كبش فداء جاهز، وتأججت العداوة وتمحور الرأي العام ضدهم وتصلّب فرمت الحكومة من وراء تغريب الأندلسيين إلى تحقيق نصر عزيز لم تتمكن من تحقيقه في أي من صراعاتها الخارجية الكبيرة.
 
100 عام من المواجهة
ربما لا يوجد وصف لصمود الأندلسيين أكثر من 100 عام في وجه واحدة من أعتى الممالك التي عرفها القرن السادس عشر، وفي وجه أكبر جهاز مخابرات ديني عرفه البشر، وواحد من أعدى شعوب الأرض سوى بأنه كان صموداً خارقاً. ويرافق هذا الوصف تساؤل دائم عن الطريقة التي استطاع بها الأندلسيون في وطنهم المُحتل التمسّك بدينهم وعروبتهم بعد أكثر من 100 عام من الحرق والتعذيب والقتل والاعدامات والتجويع والنفي والنهب المنظّم، وكيف تمكّنوا من الاستمرار وسط مجتمع كان بين الجنود والكهنوتيين فيه جمهور من الوشاة الذين ترصّدوا في جيرانهم الأندلسيين كل حركة أو كلمة فرأوا فيها إما خيانة لملك إسبانيا أو عداوة للمجتمع الإسباني أو طعناً في ”ديننا الكاثوليكي الطاهر“. إن خروج أندلسية أو أندلسي مسلم واحد من إسبانيا بعد أكثر من 100 عام من الاضطهاد أمر يبعث على الدهشة فكيف بخروج مئات الألوف اعتباراً من عام 1609؟ وبماذا يمكن أن نصف بعض الأندلسيين الذين لم يكفهم جهاداً المحافظة على دينهم وعروبتهم فنجدهم يحاولون إقناع بعض المسيحيين الإسبان بدخول الإسلام؟
ونستطيع العثور في كتب التاريخ الإسبانية ووثائق محاكم التحقيق على بعض الأسباب الظاهرة لذلك الصمود لكن الأسباب الحقيقية تكمن في قدرة الأندلسيين على الغوص في أعماقهم واغتراف الشجاعة التي مكنتهم من الصمود في البيئة العدوانية التي كانوا يعيشون فيها. وكان الإسبان يعرفون مكمن تلك القوة ومع ذلك لم يستطيعوا بعد 100 عام من المحاولة كسرها لأنهم لم يتمكنوا من اختراق عقولهم ولا قلوبهم. هذا لا يتمّ عادة إلا بالرحمة والتفهّم لكن إسبانيا ذلك الوقت لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الشعورين. ولا نستطيع بعد ٠٠٤ سنة من مرور تلك الأحداث أن نفهم تماماً ماذا كان يدور في خلد الأندلسيين لكن نستطيع أن نخمّن ونتصوّر المآسي التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة المظلمة من تاريخ الأندلسيين في إسبانيا، بل من تاريخ الإسلام.
وواجه الأندلسيون مشاكل عمّت الجميع ومشاكل أكثر خصوصية انطبقت على تجمّع دون غيره، ووُجدت آلاف الحالات التي تطلّبت معالجة خاصة. وكانت المشكلة الأكبر بقاء التجمّعات الأندلسية على اتصال مع بعضها لتبادل آخر الأخبار ونقل الكتب الدينية والمساعدة على حل المشاكل التي واجهت بعض التجمّعات. ويبدو من المعلومات المتوافرة عن تلك الفترة أن الأندلسيين حلّوا هذه المشكلة من خلال إقامة عدد من أقنية الاتصالات التي كانت تتم مباشرة عن طريق إيفاد مبعوثين عن الأندلسيين، خصوصاً في بلنسية وأرغون، إلى فرنسا طلباً للمساعدة، أو إلى العثمانيين. ولعب البغالون والناشطون في النقل والتجارة بين الممالك الإسبانية داخل آيبرية دوراً ملحوظاً في تبادل المعلومات والأخبار بين التجمعات الأندلسية، وكان هؤلاء ينقلون الكتب الدينية المخبّأة في البضائع من مكان إلى آخر حسب الحاجة، أو يحملون المساعدات العينية والمالية إلى الأندلسيين المحتاجين.
وفي حالات أخرى كان الأندلسيون يؤون إخوانهم المطاردين من طرف الدولة أو محاكم التحقيق، أو الأندلسيين الفارين من منافيهم ريثما يرتّبون تهريبهم في القوارب التي كانت تنطلق ليلاً من جنوب الأندلس في اتجاه المغرب أو الجزائر، أو عبر الجبال في اتجاه فرنسا. وربما بقي على مناطق الحدود بعض هؤلاء، وربما انتقلوا بعد ذلك الى الساحل المغاربي أو الأراضي التي تسيطر عليها الدولة العثمانية. وبما أن عقوبة معظم تلك النشاطات كانت الحرق أو الشنق أو الشغل سخرة في السفن مدى الحياة، فقد اقتضى إتمامها سرّية تامة. وكان على المكلفين إداء هذه المهمات توقّع اعتقالهم في أي مرحلة من مراحل تنفيذ مهامهم وبالتالي كتمان معرفتهم بمصادر كتبهم أو مهامهم في كل الظروف.
وكانت أوضاع الأندلسيين في إسبانيا شديدة التفاوت ففي بلنسية كانوا يُعرفون باسم ”أمة المسيحيين الجدد من الأندلسيين في مملكة بلنسية“.11وكانت ممارسات هؤلاء أبعد ما تكون عن المسيحية إذ كانت لهم مجموعة من المساجد السريّة ضمن منظمة عُرفت باسم ”رابطة مساجد بلنسية“. وخارج بلنسيةعملت أعداد كبيرة منهم في الأرياف فلاحين وعنّابين لحسابهم الخاص أو لدى النبلاء والمتنفذين والكنيسة، وهؤلاء سيطروا على معظم الأراضي الزراعية في إسبانيا. وساعد الأندلسيين على استمرار قسم كبير من تنظيماتهم عدم وجود سلاطين وملوك وأمراء كبار يمكن أن يؤدي اكتشافهم إلى إلحاق ضرر كبير بالتنظيمات أو يمكن ان تغريهم السلطات أو تقسرهم على بيع جماعتهم. واستعاض الأندلسيون عن هذه الهرميّات السياسية التقليدية بمجالس صغيرة تمثّل مناطق معينة، مع وجود ضباط ارتباط بين هذه المجالس لتقرير القضايا الكبيرة. وكان من بين أهم هذه القضايا الحصول على المساعدة العسكرية والمالية الخارجية لمساعدتهم على التصدي لسياسات فيليب الثاني ومحاكم التحقيق، لذا كانت هناك سفارات كثيرة بين هذه المجالس من جهة وبين الفرنسيين والبروتستانت والعثمانيين. وتمكنت السلطات من كشف جانب من هذه النشاطات وأقر بعض من عذّبتهم محاكم التحقيق بوجود الاتصالات وطبيعتها لكن نطاق الضرر بالتنظيمات الأندلسية بقي محدوداً.
وساهمت هجرة الإسبان وأعداد من الأندلسيين إلى المستعمرات الإسبانية في العالم الجديد والحروب شبه الدائمة التي شنّها فيليب الثاني على أعدائه في كل مكان في خفض عدد سكان بعض المناطق الإسبانية فبدأت مجموعات من الأندلسيين هجر الأرياف إلى المدن القريبة، وقامت أحياء اقتصر سكانها على الأندلسيين. وكان قسم كبير من هؤلاء يعيش على خط الفقر أو دونه، وتطلبت مساعدتهم جهوداً خاصة لأسباب عدّة منها توزعهم في بلد شاسع مثل إسبانيا.
٣- تغريب الأندلسيين من اسبانيا: الاعتبارات الإسبانية
100 عام من الجهد الضائع
”كيف يأمل المرء أن يهدي إلى طريق السيد المسيح شعباً عنيداً قاوم التبشير للنصرانية والاضطهاد قرناً كاملاً، ولا يزال إخلاصه لقرآنه كما إخلاص العرب في المغرب؟ لقد كان الرهبان الذين انيطت بهم مهمة تعليم الموريسكيين مبادئ الكاثوليكية يعرفون تمام المعرفة أن هؤلاء، وإن مارسوا طقوس النصرانية، فإن هذه الممارسة لم تكن أكثر من مراءاة سببها الخوف من محاكم التحقيق. فمثلاً حين يكون عليهم الذهاب إلى الكنيسة في عيد الفصح للاعتراف، فإنهم كانوا يقدّمون أنفسهم بطريقة عالية الانتظام، لكنهم لا يعترفون بارتكاب أي ذنوب. ولم يُعرف عنهم أنهم توجهوا إلى القساوسة بطلب المساعدة حين يمرض أحدهم خوفاً من حضور القساوسة بصفتهم الرسمية، لذا تستّروا على مرضاهم وتعرض الجميع ”إلى موت مفاجئ“ كما كانت الأسرة تدعي وهي تمكر. أضف إلى ذلك أن عددهم لم ينقص مذ طردهم فيليب الثاني من مملكة غرناطة (عام 1569)، بل حدث العكس وازدادوا عدداًً لأنهم امتنعوا عن اللحاق بالجيش أو حتى الانخراط في خدمة الكنيسة، وأكثروا من إنجاب الأطفال وربوهم على كره المسيحية“.
هذا، باختصار، هو رأي الإسبان في الأندلسيين. وهذه، باختصار، قصة الإسبان مع الأندلسيين: فيها انتصارات كثيرة لكن فيها إخفاقات كثيرة أيضاً وجهد ضائع صرفته الكنيسة ومحاكم التحقيق على كثلكة الأندلسيين. ولا بدّ أن ملايين الإسبان كانوا يشعرون بالحيرة من نجاحهم الهائل في المستعمرات في العالم الجديد حيث نصّروا الملايين، ومن إخفاقهم الهائل في إسبانيا. فبعد أكثر من 100 عام من التبشير القسري ظل الأندلسيون ”لا يأخذون الماء المقدس إذا دخلوا الكنيسة، ولا يرسمون علامة الصليب. لقد كانوا مثل الشيطان وأشد أعداء المسيح… وكنا فرضنا عليهم الخوف، الا أننا نلاحظ قلة إيمانهم لحظة رفع القربان المقدس، إذ يقطّبون جباههم وينزلون رؤوسهم ويحولون وجوههم بعيداً، ويدفعون أولادهم الى البكاء ليزيدوا القاعة ضوضاء. بل هناك حادث خارق للعادة تمثّل في حمل أحدهم السبحة وهو في الكنيسة!“.
إن دراسة التاريخ تقود أحياناً إلى الاستنتاج بأن الأمم المهزومة توجه نقمتها إلى الداخل لخلق التوازن النفساني المطلوب للتغلّب على روح الهزيمة، أو تغرق في الرذيلة وتمضي في طريق الانحلال الخلقي، أو تلجأ إلى موجة من الورع والتعبد وتعميق الحس الديني المشوب بالمهانة القومية. وهذا ما حدث في إسبانيا بعد هزائم نهاية القرن السادس عشر حين بدأت الكنيسة تبشّر بدعوة شاملة للخلاص من الذنوب والعودة إلى الكنيسة، وتنظر إلى الهزائم على أنها إنذار بنكبات أفدح وعقاب على ابتعاد الناس عن دينهم. وخرجت الكنيسة بعد الهزائم لتقول إن أسباب هذه الهزائم وجود عناصر في قشتالة تدعي النصرانية جهراً وتضمر الإسلام. وتقول إن طرد اليهودية من آيبرية لم يكتمل بعد، لأن أعداداً منهم بقيت في البرتغال التي ضمها فيليب الثاني إلى ممالكه بالقوة عام 1580، وإن وجود مثل هؤلاء سبب الغضب الإلهي على قشتالة. وبارتفاع عدد المصائب التي تعرضت لها البلاد في آخر ذلك القرن، مثل الأزمات الاقتصادية وانتشار وباء الطاعون، كانت الكنيسة تضم إلى صفوفها مؤيدين جددا نادوا بنفي الأندلسيين إذا أريد لإسبانيا أن تحقق النصر الذي تريده لنفسها وللكنيسة. وتضافرت جهود رجال الدين والكتّاب لتأليب الرأي العام على الأندلسيين. فقبل بدء تغريب الأندلسيين أصدر خوان دي ربيره Juan de Ribera رئيس أساقفة بلنسية (1533-1611) أوامر إلى مطرانيته بوقف المناولة للأندلسيين بعد تقاطر الشكاوى من سوء تعاملهم مع الطقوس الكنسيّة.ودعم الكتّاب هذا الموقف فسجّلوا قبل تغريب الأندلسيين وبعده انتقاداتهم للأندلسيين ووصفوهم بأنهم ثعابين وضفادع وذئاب وعقارب وحيوانات سامة.
واكتشف هؤلاء أن الأندلسيين لم يصبحوا نصارى في حياتهم إذ تحدثوا عن الكاثوليكية لكنهم ظلوا مسلمين ممتازين. ويلخص بارونات القصة كلّها بالقول: ”لم يكن لدى الموريسكيين أي رغبة في أن يصبحوا مسيحيين، فكل ما يتمنونه هو النجاة من محاكم التحقيق“.14 إلا أن المشكلة لم تكن دينية فقط إذ حسد القشاتلة الأندلسيين دائماً على صنعتهم وجدّهم في العمل، واستكثروا أن يتمكن هؤلاء من جمع المال بعد كل الضغوط التي يتعرضون لها. ونجد مثالاً جيداً على هذا الموقف من عرض الآتي: ”إن انتاجيتهم (أي الأندلسيين) عالية جداً. وعلى رغم مجيئهم الى قشتالة (من غرناطة بعد نفيهم عام 1569) قبل عشر سنوات فقط من دون أن يملكوا شبراً من الارض، وعلى رغم عقم تلك السنين فانهم أصبحوا متنفذين، وصار كثيرون اغنياء إلى درجة انه يمكن ان نتوقع بعد ٠٢ سنة من الآن أن يعمل المواطنون الأصليون في خدمتهم“.
الحالة العامة
كان حظ الأندلسيين أن تحمّلهم قشتالة أسباب إخفاقها على سائر الجبهات لأنهم كانوا في متناول اليد، ولأنهم كانوا أقلية تتمتع بنفوذ سياسي ضئيل جداً، ولأنهم كانوا عموماً فقراء عاجزين عن مد الحكومة تلو الأخرى بالمال الذي تريده، ولأنهم أصروا على شخصيتهم المستقلة في وجه كل الضغوط التي استمرت أكثر من قرن من الزمن. وعندما كان الأمر يتعلق بالأندلسيين فان التاريخ القشتالي كان يعيد نفسه، فكانت المخاوف القومية والدينية والاجتماعية تجد متنفسها في اضطهاد الأندلسيين. وكانت تطورات آخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر تذكر كثيراً بوضع قشتالة في آخر سبعينات القرن السادس عشر ذلك أن متاعب قشتالة مع الهولنديين والإنكليز لم تنته، وأصبحت أرغون ثانية من أصعب الممالك التابعة لقشتالة، وتوج ذلك بإعلان الثورة هناك سنتي 1519 و1592، ولم يكن هناك حل سوى تسيير الجيوش إلى أرغون وقمع الثورة في مدينة سرقسطة. وبما أن العمليات العسكرية كانت مستمرة مع الأتراك والساحل المغربي كان من الطبيعي أن تُثار بين الحين والآخر مسألة مساعدة الأندلسيين الجدد للعثمانيين أو المغاربة ضد إسبانيا.
وفي تلك الحقبة كانت المضاعفات النفسانية للهزائم التي حاقت بإسبانيا تفوق بأضعاف التأثير الفعلي لتلك الهزائم. ووجد القشتاليون أن الحروب التي قادتهم إلى القمة تقودهم ثانية إلى الهاوية، وربما لم يكن بين جميع الممالك التي خضعت لقشتالة مملكة تعرضت لأزمات سياسية واقتصادية شبه مستمرة مثل قشتالة ذاتها. وبينما تحسّن وضع بعض تلك الممالك الجديدة استمرت إسبانيا تعاني من مشاكلها القديمة. وكان عهدا كارلوس الخامس وفيليب الثاني مليئين بالانتصارات الهائلة والهزائم الهائلة، لكن الأب وابنه تمكّنا من المحافظة على الإمبراطورية وتوسيع رقعتها عند توافر الظروف المناسبة.
وقبل أن يموت فيليب الثاني أبلغ إلى النبلاء أن كل ما يخشاه هو أن يصبح ابنه فيليب الثالث محكوماً لا حاكماً. وتحقق توقّع فيليب الثاني بعد موته إذ راح دوق ليرما يدير شؤون البلاد، فيما تفرّغ فيليب الثالث للاستمتاع بالدنيا والجلوس أمام دييغو فلايثكويث (فيلاسكويز) لرسمه واقتناء اللوحات الفنية والمفروشات الكلاسيكية من إيطاليا وبناء القصور الفاخرة. وكانت متاعب إسبانيا وقتها أعمق من أن يحلّها دوق ليرما (أعظم لص في إسبانيا) فاستمر الإفلاس والتقهقر أمام البروتستانت فطلب الصلح من الإنكليز عام 1604، ثم توصّل مع الهولنديين البروتستانت إلى اتفاق مهين نص على التزام الطرفين هدنة تستمر 12 سنة اعتباراً من التاسع من نيسان (إبريل) عام 1609، ورأى الإسبان في الاتفاقين خضوعا كاثوليكيا من حامية الكاثوليكية للبروتستانت.
وكانت هذه التطورات كافية لتفقد قشتالة توازنها الذي قام على تحقيق الانتصار تلو الآخر، وكانت دافعاً للتوقف والتفكير في حال البلاد. ولم تستطع إسبانيا النهوض لمقارعة خصومها الخارجيين فانكفأت إلى ذاتها وساد التفكير بقدرية الأحداث وعبث الأيام كما صوره بعض أهم أدباء إسبانيا. هنا ظهرت شخصية عثمان الفراش17 المتنقل دائماً من مكان إلى آخر وهو يحاول أن يعيش ليومه من دون الحاجة لمعرفة ألم التفكير في الغد. وهنا ظهرت شخصية دون كيخوتي دي لا مانشا عام 1605 كما رسمها سيرفانتس – عجوز، مثل صانعها، يحارب العمالقة وطواحين الهواء وسط جو من الفروسية الخيالية والأعداء الخياليين، وبطل في زمن لم يعد يحتمل بطولة ولا أبطالاً. وكانت تلك الفترة فترة تكشف الحقيقة. الحقيقة بأن إسبانيا كانت فقيرة على رغم الفضة التي تتدفق عليها من العالم الجديد؛ ضعيفة على رغم اتساع ممالكها الهائلة؛ أول من يحس بالكوارث النازلة بها وآخر من يستمتع بالمجد الذي بحثت عنه؛ أول من زرع وآخر من حصد. ومن خلال بحث قشتالة عن ذاتها المضطربة في بداية القرن السابع عشر اتضح للكثيرين مدى تدنّي الروح المعنوية وبرزت حاجة هائلة لتحقيق انتصار ما. وتصور كثيرون أن نفي الأندلسيين سيكون الانتصار الذي يعيد إليهم الشعور بالعظمة، ويرفع معنوياتهم الهابطة. وهكذا سعت إسبانيا إلى تحقيق انتصار داخلي حين عجزت عن تحقيقه في الخارج، وكان الرأي العام الإسباني أكثر من مهيأ لتحقيق هذا الانتصار وتغريب الأندلسيين.
وخلال فترة الإعداد لتغريب الأندلسيين ارتفعت أصوات تنبه إلى خطورة مثل هذه الخطوة لكنها كانت أصواتاً قليلة وكانت المشاعر متضاربة: ”وقف البعض موقف إدانة لهذه القسوة المتطرفة التي كانت تبعد شعباً بأكمله عن موطنه الأصلي. لكن آخرين امتدحوا هذا العمل الذي لم يُظهر فقط تقوى ملكهم الكاثوليكي (فيليب الثالث) بل خلّص إسبانيا من هؤلاء النصارى المزيفين الذين كان أجدادهم سادة إسبانيا قروناً عدّة بينما استمروا في تعاملهم الخفي مع الأفارقة والأتراك والأعداء الآخرين للملكيّة. وكان منتقدو مرسوم فيليب الثالث ومستشاروه يقولون إن الإسبان استمروا قرونا عدة في السماح للأندلسيين العيش بينهم في أرض استعادوها، وممارسة دينهم. وكانوا يقولون أيضاً إن الإسبان سمحوا للأندلسيين بإستغلال الأرض والقيام بأعمال مختلفة لم يعد النصارى يعتادونها، لأن الإسبان كانوا شغوفين بشن الحرب. أولئك الذين تبنوا هذا الاتجاه كانوا يعتقدون أنه من غير الصواب إنزال عقاب شامل يمكن أن تخرج الدولة بعده أكثر ضعفاً وأقل صلاحاً، ما لم يكن لمثل هذا العقاب دافع قوي. لكن الذين أيّدوا المرسوم (مرسوم التغريب) كانوا أكثر عدداً، واعتبروا القرار بطولياً وصائباً. وأقرّ هؤلاء بالشرور التي يمكن أن تلحق بإسبانيا نتيجة القرار، لكنهم كانوا يرون في هذه الشرور ثمناًًً لا يمكن مقارنته بالأذى الذي يتهددهم إذا استمر بقاء الموريسكيين في المملكة“. هل كان وجود الأندلسيين في إسبانيا سيهدد وجود إسبانيا فعلاً؟ الجواب تأكيداً هو نعم. هل كان الأندلسيون مستعدين للتعاون حتى مع الشيطان لرفع كابوس الاضطهاد عن صدورهم؟ الجواب لا بدّ أن يكون نعم أيضاً.لماذا؟ لأن إسبانيا الديمقراطية الحديثة فقط وجدت الحل لكل الأقليات في آيبرية وتوابعها عن طريق منحها الحكم الذاتي وأنهت بذلك معظم مشاكلها القديمة مع الباسك والنافاريين والقطلان. لكن هذا لم يكن ممكناً في القرن السابع عشر. كان على إسبانيا وقتها التمكّن من تغيير نفسها قبل أن تستطيع السماح للأندلسيين بالحياة والاستمرار وتحسين أوضاعهم الإنسانية والمعيشية، والتوقف عن إحراق الأندلسيات والأندلسيين ومصادرة أموالهم وأملاكهم وحرياتهم.
وبدت إسبانيا في لحظات قليلة كأنها يمكن أن تترك الأندلسيين يمارسون الحد الأدنى من الحريات الدينية والاجتماعية والاقتصادية، لكن المخاوف الداخلية التي أججها التعصب الديني والقومي، والمخاوف الخارجية التي أثارتها الهزائم العسكرية المتلاحقة لم تسمح لتلك اللحظات أن تتحول إلى وقت مجد. ولم تعد إسبانيا قادرة على الوصول إلى هذا الحل بعد ذلك لأن الكاثوليك الفرنسيين والبروتستانت الإنكليز والهولنديين كانوا بدأوا الحروب الأخيرة لتدمير قوة إسبانيا، وكانت ثورة كبيرة أخرى يشعلها الأندلسيون في إسبانيا ستؤدي إلى قلب موازين القوى. وفي النهاية ظل معظم الأندلسيين عرباً ومسلمين، لكن بين الكاثوليكية والبروتستانتية، كان الأندلسيون سيختارون البروتستانتية ليس لقناعتهم بها، بل لأنها كانت ستساعدهم على تدمير إسبانيا الكاثوليكية التي سعت إلى تدميرهم بكل الوسائل.
وفي عام 1599 زار فيليب الثالث بلنسية لعقد قرانه إلى مرغريت النمسوية وأثيرت خلال الأفراح مسألة الأندلسيين فأصدر مرسوماً ملكيّاً بالعفو عنهم إذا اعترفوا للكنيسة بذنوبهم وخطاياهم وأصلحوا أمورهم وطلبوا المغفرة والصفح. وكتب فيليب رسالة بهذا المعنى إلى خوان دي ربيره رئيس أساقفة بلنسية أمره فيها بمباشرة تعميد من لم يتعمد بعد من الأندلسيين ومعاملتهم بالحسنى لكسب تعاونهم.19 وفي الثاني والعشرين من حزيران (يونيو) من العام نفسه أصدر البابا بولس الخامس إرادة منحت الأندلسيين عفواً عاماً عن كل خطاياهم لمدة سنة واحدة. وانقضت المهلة من دون أن يتقدم الأندلسيون للاعتراف بخطاياهم فتحرّكت محاكم التحقيق وعمّدت عدداً من الأندلسيين بالقوة. واحتج الأندلسيون على هذا الإجراء فردّت الحكومة باتهامهم بالتآمر مع الفرنسيين وتعهدهم للمغاربيين بتوفير ٠٠٢ ألف مقاتل لاحتلال بلنسية إذا تمكن هؤلاء من إرسال 20.000 مقاتل فقط،ثم أعدمت عدداً منهم شنقاً. وخلال السنوات الثماني التي اعقبت زيارة فيليب الثالث الى بلنسية استمرت مقاومة الأندلسيين للتعميد، وبدأ دوق ليرما التفكير بتغريبهم ما لم تنصلح حالهم نهائياً عاكساً رأيه هذا في قول مشهور هو: ”لن تصبح ممالك إسبانيا نقيّة طاهرة إلا بإقصاء الموريسكيين عنها“.
وفي صباح الإثنين الثاني والعشرين من أيلول 1609 الموافق للثاني من شوال سنة 489 خرج المنادون إلى الأندلسيين وقرأوا المرسوم الملكي الآتي:
”1 – على سائر الموريسكيين في المملكة رجالاً ونساءً وأطفالاً أينما كانوا أن يسارعوا خلال ثلاثة أيام من صدور هذا المرسوم إلى إخلاء منازلهم والاتجاه بإمرة مفوض الدولة المسؤول عنه، وذلك للإبحار الى المغرب على متن المراكب والسفن التي استعارتها الدولة لهذا الغرض، ومنصاعين لأوامر المفوض، آخذين معهم من ممتلكاتهم المنقولة ما يمكن حمله على ظهورهم. وتحظّر الاساءة إليهم أو إزعاجهم أثناء انتقالهم سواء بالقول أو الفعل، ويُكفل لهم تأمين طعامهم خلال مدة الإبحار. وكل من يتخلّف عن تنفيذ هذا المرسوم يعرض نفسه للهلاك المحقق.
2 – يحق لأي إسباني صادف موريسكياً خارج منطقته أو ضالاً في الطريق بعد الأيام الثلاثة المحددة أن يستولي على ما معه. وإن أبدى الموريسكي أي مقاومة للإسباني أن يقتله أو أن يسلمه إلى أقرب مركز حكومي لكي تأخذ العدالة مجراها.
3 -على الموريسكيين، بعد الإطلاع على نص هذا المرسوم، البقاء حيث هم إلى أن يحضر مفوض الدولة الخاص بهم وينقلهم إلى الموانئ المحددة للإبحار الى المغرب، ومن يخالف ذلك يعرّض نفسه إلى الهلاك.
4 – يُحكم بالموت على أي موريسكي أخفى شيئا من أمواله أو ممتلكاته مما يعجز عن حمله، أو أحرق أو أتلف بيتاً أو مزرعة أو حاكورة أو شجرة أو أي ممتلكات. وتُنزل العقوبة ذاتها بأي جار تكتّم على مثل هذه الاعمال لأن المرسوم يوجب على الموريسكيين إبقاء الممتلكات التي يعجزون عن حملها فتؤول الى صاحب الاقطاعية.
5 – لست أسر موريسكية فقط البقاء في كل بلدة تضم 100 أسرة مسيحية شرط ان تتألف هذه الأسر من كبار السن، وألا يكون ابناؤهم متزوجين، وأن يكونوا تحت رعاية الابوين. ويختار هذه الأسر أصحاب الاقطاعيات من بين أكثر السكان الموريسكيين تمسكاً بالمسيحية بهدف تعليم السكان الجدد زراعة قصب السكر وصناعة السكر وتكريره وإتقان توضيب مساكب الرز وسقيه وحصاده وسقاية الارض عامة وصيانة البيوت.
7 – يُحظّر على المسيحيين القدماء إخفاء أي موريسكي أو مساعدته أو عدم الابلاغ عنه ان تغيّب، ويُحكم على من يُقدم على مثل هذا العمل بالشغل ست سنوات على القواديس أو أي أحكام نُقرّها.
8 – ليعلم كل الموريسكيين أن رغبة الملك هي تهجيرهم من مملكته وليس مضايقتهم، حتى يصلوا الى الشواطئ المغربيّة بأمان.لذا يُسمح لعشرة موريسكيين في كل رحلة العودة على المراكب التي اقلتهم لابلاغ إخوانهم بسلامة الوصول وحسن المعاملة.ويُكتب إلى المفوضين والمسؤولين عن المراكب بذلك فلا يُسمح لاي جندي أو بحار بالاساءة إلى المهجرين قولا أو فعلاً.
9 – للأطفال الموريسكيين الذين تقل أعمارهم أو أعمارهن عن الرابعة البقاء في البلاد شرط موافقة الأبوين أو الوصي على ذلك.
10 – يُسمح لاطفال الموريسكيين ممن تقل أعمارهم أو أعمارهن عن ست سنوات وينحدرون من آباء مسيحيين قدماء كبار السن البقاء مع أمهاتهم. كما يُسمح لأطفال الموريسكيين المنحدرين من أمهات مسيحيات قديمات البقاء في البلاد مع أمهاتهم إذا كانت أعمارهم أو أعمارهن تقل عن السادسة فيما يُطرد الاباء.
11 – يُسمح للموريسكيين المقيمين بين النصارى القدماء البقاء في المملكة إن لم يكونوا انتسبوا إلى رابطة الجوامع الموريسكية قبل سنتين من صدور هذا المرسوم.
12 – يُسمح ببقاء الموريسكيين الذين لُقنوا أسرار الكنيسة وعُمدوا بمعرفة رئيس الدير بناء على توصيات المُعرّفين (عمال محاكم التحقيق) القاطنين في مناطقهم.
13 – يوافق صاحب الجلالة على أن يتوجه أي موريسكي إلى أي مملكة أخرى يرغب الذهاب اليها شرط ألا يعبر في طريقه مقاطعات اسبانية، وأن يتمّ ذلك ضمن المدة التي حددها المرسوم.
هذه هي رغبة صاحب الجلالة، ومن لا ينفذ ما جاء في هذا المرسوم الملكي يعرض نفسه إلى أقصى العقوبات“. وهذا هو المرسوم الذي يمكن اعتباره النهاية الرسمية لمبدأ التعايش في آيبريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.