الثورة الأندلسية الكبرى على الأمبراطوريـة الأسبانية

اوضاع الأندلسيين بعد الثورة الأولى
ماتت الملكة إيزابيلا بعد عامين من إصدار مرسوم 1501 الذي اعتبر كل الأندلسيين الذين بقوا في مملكة غرناطة منصّرين رسميّاً. وبدأت السلطات الدينية والمدنية تدريجاً تحويل المساجد إلى كنائس أو هدمها وحظر الصلاة ورفع الأذان والصوم والشعائر الإسلامية الأخرى لكن الأندلسيين تجاهلوا المرسوم عموماً واستمروا في ممارسة عباداتهم وعاداتهم في بيوتهم. وفي عام 1508أصدر فرناندو مرسوماًًًً جديداً حظر على الأندلسيين التخاطب بالعربية وارتداء الملابس الأندلسية وممارسة التقاليد والعادات العربية، لكن الأندلسيين تجاهلوا هذا المرسوم أيضاً. ولم تجد السلطات جدوى من محاولة تطبيقه خوفاً من إثارة الأندلسيين في مرحلة تطلبت من فرناندو تكريس جهده ووقته لعزل الفرنسيين وتثبيت ممالكه الأرغونية في البحر الأبيض المتوسط والعالم الجديد، خصوصاً أن التشدد كان سيلحق أضراراً بالغة بالنبلاء والإقطاعيين الذين وظّفوا عدداً كبيراً من الأندلسيين في مزارعهم ومصانعهم.
وخلال تلك الفترة بدأ القشتاليون ينقلون بعض العمليات العسكرية إلى السواحل المغاربية لأسباب عدّة منها محاولة التحكّم بالحركة البحرية على جانبي مدخل البحر الأبيض المتوسط، وعرقلة قيام أي قوة عربية يمكن أن تتصل بمملكة غرناطة، واستخدام النقاط العسكرية الجديدة للانطلاق إلى عمق البحر الأبيض المتوسط. ولقشتالة طموحات في السواحل المغاربية تعود إلى منتصف القرن الثالث عشر عندما وضع ألفونصو العاشر ترتيبات لغزو المغرب بحضّ البابوية. غير أن الخوف آنذاك من هجوم أندلسي معاكس أدى إلى تأجيل الحملة حتى عام 1260 عندما أرسل ألفونصو 30 سفينة هاجمت مدينة سلا المغربيّة في العاشر من أيلول (سبتمبر) لكنها لم تحقق هدفها فصرف النظر عن مهاجمة السواحل المغربيّة وركز بدلاً من ذلك على إنهاء مملكة لبلة في غربيّة الأندلس.
وبعد تسليم غرناطة احتل القشتاليون مدينة مليلة عام 1497 ثم وهران عام 1509. وكان صاحب ترتيب الهجوم على وهران الكردينال خيمينس رئيس أساقفة طليطلة مستشار قشتالة الذي تسبب في قيام الثورة الأندلسية الأولى. وهذا أمر غريب لعله يجد تفسيراً في رغبة فرناندو التخلّص من مستشار قشتالة بعدما سئم تدخله في شؤون الدولة، أو إشغاله بحملة صليبية تتيح لفرناندو استخدام مقدرات قشتالة لتحقيق أهدافه الأوروبية. ولا يُستبعد كذلك أن يكون أحد أهداف هذه الحملة كسر شوكة الأندلسيين في غرناطة وتدمير معنوياتهم لتأمين رضوخهم الكامل. ولا تسوّغ كل هذه الاسباب المذبحة البشعة التي ارتكبتها القوات القشتالية في وهران إذ يُعتقد أنها انتهت بقتل أربعة آلاف شخص وسبي ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف شخص، ولم ينج الأطفال من القتل أو النساء من الاغتصاب. ويُقال إنه عندما دخل الكردينال خيمينس المدينة المنكوبة سجد شاكراً بين أكوام القتلى. وانشغل خيمينس بعد ذلك بتنصير الناس وأقام في المدينة فرعاً لمحاكم التحقيق عام 1515 قبل أن يعمّم هذا المبدأ على مستعمرات قشتالة في العالم الجديد. وفي التاريخ الإسباني تركيز مُلفت على إبراز تكثلك الملوك وشدّة تدينهم يجد قمته في إيزابيلا الكاثوليكية، إلا أن المؤرخين الإسبان يفضّلون تعميمه أيضاً على زوجها فرناندو. ويُقال إن هذا الملك كان يهجس في آخر أيامه بحلم تحقيق السلام في أوروبة والإنطلاق بعدها بحملة صليبية هائلة لإحتلال مصر (مركز القوة العربية الإسلامية آنذاك)، ثم الاتجاه بعد ذلك إلى القدس لاحتلالها هي الأخرى. ولطالما حشد فرناندو الجيوش والاساطيل التي ستتوجه إلى المغرب ومصر والقدس وانفق عليها من الضرائب التي كان يحصّلها من الإسبان بموافقة البابا فإذا بها تغير مسارها في اللحظة الأخيرة وتشتبك مع الفرنسيين الذين بقوا أخطر أعداء قشتالة يوم مات فرناندو عام 1516. ووقعت مسؤولية إعداد قشتالة لاستقبال كارلوس على الكردينال خيمينس لكنه مات بعد سنة ودخلت البلاد حقبة من الاضطرابات التي تحولت إلى ثورة دامية في الأسبوع الأخير من أيار(مايو) عام 1520.
تنصير الأندلسيين في بلنسية
ولد كارلوس في غنت الفلاندرية عام 1500، وتتلمذ على يد أدريان الاترشتي. وجاء كارلوس قشتالة للمرة الأولى عام 1517 ومعه حاشية كبيرة من الفلمنك لذا لم يجد القشتاليون في ملكهم الجديد شيئاً يذكرهم بجدته إيزابيلا الكاثوليكية، ولم يجدوا حتى فرصة للتفاهم معه بالقشتالية التي كان يجهلها. وعندما غادر كارلوس قشتالة عام 1517 لجمع إرثه الهائل في أوروبة واستلام منصب الأمبراطور الروماني المقدس من البابا، ترك أدريان وصياً على عرش قشتالة فبدأ الناس يتذمرون من وجود هؤلاء الغرباء على رأس مملكتهم. وكان الاستياء عاماً عند سائر فئات الشعب فشمل النبلاء ورجال الكنيسة والتجار والمواطنين العاديين وحتى الرعاع. وبدأ الاستياء يتحوّل إلى سخط شعبي رافقته أعمال عنف تطورت إلى ثورات مدائنية فبعث أدريان في تموز (يوليو) عام 1520 نحو ألف جندي لقمع الثورة في مدينة شقوبية فهزمهم الناس فبعث التعزيزات فتصدوا لها ونشبت بين الفريقين حرب شوارع شرسة زادت السخط والرغبة في التحدي. وانتقلت الثورة الشعبية بعدها إلى مدن أخرى ووصلت إلى ذروتها بإحراق مدينة كمبو، احدى أهم المراكز المالية والتجارية في قشتالة. واتسع نطاق الثورة إلى واحدة من أهم المدن الإسبانية هي بلد الوليد ولم يعد أدريان قادراً على قمعها وفلت الأمر من يده فهرب من البلاد وبات كارلوس ملكاً على دولة لا يستطيع العودة إليها. وانقسمت المدن الإسبانية في تلك الفترة بين مؤيدة لعودة كارلوس ومعارضة. وكانت غرناطة وعدد آخر من المدن في الجنوب من الجماعة الأولى فحضّ أهلها الأندلسيون كارلوس على العودة إلى البلاد واستلام مقاليد الحكم في حين لم ترد مدن كثيرة غيرها رؤية وجه كارلوس مرة أخرى. وتقلبت الأوضاع فترة إلا أن ثوار المدن افتقدوا التنظيم وانقسمت كلمتهم وتبعثرت جهودهم وباتت الغلبة لمؤيدي عودة الملكية فتحرك هؤلاء واخمدوا الثورة بعد الاخرى. وكانت طليطلة آخر المدن الثائرة التي سقطت بعد قتال عنيف قادته أرملة »بديلا« الذي قاد الثورة في احدى مراحلها. وبرز خلال تلك الفترة زعيم آخر هو أسقف مدينة سمّورة الذي قاد الثائرين الغاضبين فأحرقوا المزارع والكنائس ونهبوا ما فيها. واعتقل الأسقف خلال فراره إلى فرنسا وأودع السجن، فحاول الهرب منه بعد خمس سنوات إثر قتل السجان، لكنه اعتقل ثانية ومات تحت التعذيب مما دفع البابا إلى حرمان الامبراطور كارلوس من الكنيسة بضعة أشهر. ووضع كارلوس نهاية لثورة أهل المدن عندما أعدم 250 منهم في بلد الوليد عام 1522 بعد أربعة أشهر من عودته إلى البلاد.
في الوقت نفسه الذي اندلعت ثورة أهل المدن في قشتالة كان أهل مدن مملكة أرغون يشعلون نيران ثورة مشابهة لكن لأسباب مختلفة تماماً. ففي السنة التي سبقت اندلاع الثورة في بلنسية صرف الجنود الأسلحة لبعض الجماعات للمساعدة على حمايتها من هجوم توقعت السلطات قيام الأسطول العثماني بشنّه فساد المدينة الخوف والاضطراب والقلق. وفي صيف ذلك العام (1519) ظهر عدد من حالات الإصابة بالطاعون في بلنسية فهرب المسؤولون والجنود منها، وشكّل بعض السكان مجموعات سُميّت مجموعات ”جرمانية“ أو ”الأخوة“ تسلمت السلطة وبدأت توسيع نفوذها في الأرياف. ويُقال إن حيّاكاً اسمه خوان لورينك تسلّم قيادة هذه المجموعات وفكّر بتحويل بلنسية إلى جمهورية مدائنية على غرار جمهورية البندقية. ولم يحقق لورينك هدفه إذ نحّاه زعيم ثوروي اسمه بيريس ووجّه جماعته ضد النبلاء. وبما أن قسماً كبيراً من الأندلسيين كان يعمل لدى النبلاء فقد وضعهم بيريس في صف العداء للثورة والتأييد لعودة الملكية. ورفع بيريس شعاراً شعبياً هو: ”اليوم تنتهي أيام النبلاء والكفّار“، وأضحت ثورة بلنسية مركز حركة إصلاح اجتماعي وديني فاقتحم الثوار المناطق التي يسكنها الأندلسيون ونصّروا بالقوة نحو 160 ألف أندلسي. وخاف الأندلسيون في باقي مملكة أرغون امتداد ثورة المدن إليهم في ظل التفلّت الحاصل فهرب الآلاف في سفن ابحروا على متنها ليلاً وانضموا إلى آلاف أخرى كانت التجأت إلى الجزائر. واستمر القلق فترة إلا أن الحركة ضعفت بعد ذلك وزادها التطرّف عزلة فتمكن الموالون للملكية من هزيمة قوات بيريس خارج مدينة بلنسية في تشرين الأول (اكتوبر) عام 1521. وفر بيريس فقبُض عليه أول السنة التالية، وانتهت بذلك ثورة أهل المدن في أرغون مثلما كانت انتهت في قشتالة.
الأندلسيون وكارلوس
أيد الأندلسيون في أرغون عودة كارلوس فكافأهم على ولائهم بإلزام نفسه في خطاب استلام عرش أرغون الذي ألقاه خلال الاحتفال الذي جرى في مدينة سرقسطة بعدم التدخل في الشؤون الدينية للأندلسيين متابعاً بذلك السياسة التي انتهجها جده فرناندو ومعظم الملوك الذين سبقوه. وترعرع كارلوس بعيداً عن التعصب الديني القشتالي والكراهية الدينية التي جبلت طبيعة جدته إيزابيلا. ولم يعرف في حياته خارج قشتالة شخصيات فيها الحقد والتشدّد الموجودان في أمثال توركيماده وخيمينس، لذا جاء إسبانيا في المرة الأولى عام 1517 وهو يفكّر بحل هذه المحاكم لأنه لم يكن وقتها في حاجة إلى خدماتها كخط دفاعي ثان عن السلطة كما كانت أيام جدته نظراً إلى سلطاته الهائلة وجبروته العظيم. وعاد في المرة الثانية عام 1522 وهو متردد، ثم تغيّر الوضع بسرعة بعد نهوض حركة الإصلاح اللوترية. ففي الفترة بين 1523 و1525 نمت في زوريخ حركة معادية للبابوية ما لبثت أن اتسعت لتشمل أقساماً من المانيا والنمسا. وبدأ انتشارها يشكّل تهديداً حقيقياً لسلطة كارلوس في أوروبة وخسارة محتملة للضرائب التي كان يحصّلها من الألمان والهولنديين فزاد اعتماده على محاكم التحقيق كذراع ضاربة أخرى تُضاف إلى الذراع العسكرية. وتحركت الكنيسة القشتالية محلياً فبدأت مرحلة جديدة من التشدد والضبط طاولت خاصة الأندلسيين الغرناطيين وأفرزت مرسوماً صدر عام 1525أكد محظورات مرسوم عام 1508 وأضاف إليه محظورات جديدة. إلا أن التطوّر الأبرز بعد ذلك كان شروع الكنيسة وعمّال محاكم التحقيق في تعميد مجموعة كبيرة من الأندلسيين قسراً. وانتقد كارلوس مرة مهندساً قشتالياً لأنه بنى كنيسة داخل حرم المسجد الكبير في قرطبة، لكن هذا الأمبراطور كان يعيش مخاوف مضاعفات انتشار حركة البروتستانت في ممالكه الأوروبية عندما تقدم إليه زعماء غرناطة يطلبون وقف مضايقات السلطات التي سعت إلى إلزام الأندلسيين الغرناطيين التقيد ببنود المرسوم. وبعدما استمع كارلوس إلى الوفد أمر بتشكيل لجنة خاصة عهد برئاستها إلى رئيس أساقفة مدينة قادس للبحث في مطالب الأندلسيين ورفع تقرير إليه بذلك. وكان الأندلسيون يتوقعون استمرار كارلوس في موقفه المعتدل منهم اعترافاً منه بفضل تأييدهم لعودته خلال ثورات أهل المدن. لكن الوضع الدولي والمحلي كان تغيّر آنذاك وسرت في قشتالة خشية كبيرة من احتمال تغلغل الحركة البروتستانتية في المجتمعات القشتالية. وهكذا بدلاً من أن توصي اللجنة بتخفيف القيود عن الأندلسيين أوصت كارلوس بتأسيس محكمة للتفتيش في غرناطة وزيادة الضغوط والتشديد على تنفيذها فوافق على ذلك وبدأ تطبيق التوصيات في العام التالي.
وتضمنت المحظورات آنذاك لائحة قديمة شملت منع التخاطب بالعربية أو ارتداء الزي الوطني أو الصلاة والوضوء، وكان من الجديد فيها منع ختان الأولاد وحظر طلاء الأيدي بالحنّاء والإصرار على الإقبال على أكل لحم الخنزير وشرب الخمر وطهو لحم الحيوانات التي تموت ميتة طبيعية من دون ذبحها، وغير ذلك الكثير. وفي عام 1529 شهدت غرناطة حادثاً مروّعاً حين أحرقت السلطات المدنية أول مجموعة أندلسية بتوصية من محكمة التحقيق في غرناطة فدبّ الرعب في قلوب الأندلسيين وفرت أعداد من أهل غرناطة إلى الشمال، واختلطت بسكان مدن قشتالة وأرغون. وجرت مفاوضات بعد ذلك بين زعماء غرناطة ومستشاري كارلوس انتهت إلى الاتفاق على تخفيف الضغوط عن الأندلسيين لقاء دفع مبلغ 80.000 دوقة سنوياً إضافة إلى ضريبة عُرفت باسم “ضريبة الفرضة” مقدارها 20.000 دوقة سنوياً سُمح للأندلسيين بعد تسديدها التخاطب بالعربية وارتداء ملابسهم الأندلسية مدة 40 سنة. وقدم الأندلسيون الرشاوى للسلطات المدنية وبعض عمال محاكم التحقيق فخفّ التضييق والملاحقة وأضحت حياة أهل مملكة غرناطة بعد ذلك على قدر معقول من الاحتمال.
ولم يستمر هذا الوضع طويلاً ووجد الأندلسيون أنفسهم جزءاً من صراع دولي قابلت فيه أمبراطورية كارلوس الخامس أمبراطورية ماثلتها أو تفوّقت عليها هي الدولة العثمانية. فبين عامي 1512و1520 اجتاح العثمانيون سورية والحجاز ومصر. ودخل سليمان الثاني بعد ذلك بسنة مدينة بلغراد واستسلم لقواته بعد سنة أخرى فرسان القديس يوحنا الذين سيطروا على جزيرة رودس، وتحكّم بالتجارة التي كانت لجنوة والبندقية، ثم انهارت هنغاريا عام 1526 واقترب العثمانيون من حدود ممالك كارلوس الخامس في النمسا وحاصروا عاصمتها فيينا للمرة الأولى عام 1529 وفي الجزائر أسس الأخوان عروج وخير الدين بربروسا دولة تصدّت لإسبانيا فقتل الإسبان عروجاً في معركة تلمسان عام 1518، فيما طلب خير الدين (1475-1546) زيادة الدعم العثماني وتمكن من هزيمة الأسطول الإسباني بعد عام من مقتل أخيه. ومن المراكز الجزائرية اعترضت سفن بربروسا سفن كارلوس الخامس وأغارت على مالقة وبلنسية وقادس، ثم اتسع نطاق هذه الحملات بدعم ملك فرنسا فرانسيس الأول لتشمل ممالك إسبانيا في إيطاليا أسر خلالها الألوف من القشتاليين والأرغونيين والصقليين والنابوليتانيين (أي أهل مملكة نابولي).
وحاول كارلوس التصدي لبربروسا مرات عدّة فبعث عام 1530 أمير البحر أندريا دوريا على رأس اسطول لمهاجمة القواعد الجزائرية لكن دوريا لم يشتبك مع خصمه الذي كان دعم وضعه بمد سلطانه على تونس. وفي حزيران (يونيو) عام 1535 استقدم كارلوس المرتزقة الألمان وجنوداً من إيطاليا ومالطة (فتحها الأغالبة عام 869م ٥٥٢ هـ) وقاد اسطولاً ضخماً تغلب على أسطول بربروسا بعد معركة عنيفة. لكن بربروسا تفادى الأسر وعاد إلى الجزائر حيث استأنف هجماته على الفور تقريباً. وفي عام 1541 بعث كارلوس اسطولاً ضخماً لمهاجمة الجزائر لكن الحملة انتهت إلى إخفاق ذريع. وشهدت السنوات التالية صراعاً هائلاً في البحر الأبيض المتوسط حاولت فيه الأساطيل الإسلامية انطلاقاً من الجزائر وتونس وطرابلس الغرب والمغرب الأقصى احتلال عدد من المدن الواقعة تحت سيطرة كارلوس الخامس كما حدث عام 1551 بالنسبة لمالطة الحصينة عندما تبادلت المدفعية الثقيلة للطرفين التراشق برؤوس الأسرى المقتولين.
وخلال هذه المرحلة كان الأندلسيون يدفعون ثمن نجاح الهجمات على الأساطيل الأسبانية والأرغونية والإيطالية تارة، ويدفعون ثمن تقدم حركة الإصلاح الديني في أوروبة تارة أخرى. وفي جو هذا الصراع الدولي والديني الواسع الذي كان كارلوس الخامس مركزه الأول، لم تعد الضرائب التي يدفعها الأندلسيون مجدية ومثلها الرشوة أو إظهار الولاء والتصرف كقشتاليين طيبين. وكانت حروب كارلوس عالية التكاليف، وكانت الكنيسة القشتالية في حاجة إلى مصادر تمويل للإنفاق على عمّالها ومبانيها فبدأت في الأربعينات والخمسينات من القرن السادس عشر عمليات واسعة النطاق لمصادرة أملاك الأندلسيين بدعوى انها الطريق الوحيد لتصالح الأندلسيين مع الكنيسة حتى باتت أكبر مالك للأراضي في إسبانيا.
ولم يشفع للأندلسيين البلنسيين تأييدهم كارلوس ووجدوا أنفسهم يعانون مثل اخوانهم في غرناطة. فبعدما استقرت الأوضاع في بلنسية قدّم الأندلسيون هناك طلباً إلى الكنيسة لاعتبار تنصيّرهم الإجباري مخالفة للقوانين والأعراف المعهودة في أرغون وبالتالي باطلاً من أساسه فتشكّلت لجنة كنسية بحثت في الطلب وانتهت إلى أن ثورة المدن في بلنسية باطلة فعلاً لكن التنصير مقبول ولا يمكن الغاؤه تحت أي ظروف.
وهكذا بدأت أحوال الأندلسيين تتغير بسرعة في النصف الثاني من حكم كارلوس الخامس، إلا أن الاضطهاد الحقيقي كان ينتظرهم في عهد خليفته فيليب الثاني الذي ينتمي في تعصّبه وتشدده إلى إيزابيلا أكثر من انتمائه إلى ابيه، ويرتبط تصرفاً ونظرة بالمدرسة القشتالية التي خرّجت توركيماده وخيمينس ودييغو دي اسبينـوزا ومانريك. وعانى الأندلسيون تحت حكم إيزابيلا من أوضاع شبيهة بالأوضاع التي بدأوا يعانون منها تحت حكم فيليب الثاني وكان احتكامهم مُجبرين في المرة الأولى إلى الثورة، وإلى الثورة احتكموا مُجبرين مرة أخرى.
اسباب اندلاع الثورة الأندلسية الكبرى قاد كارلوس الخامس حروباً دولية ضد العثمانيين والفرنسيين والبروتستانت لكنه لم يتمكن من قهر أي من أعدائه الثلاثة فهرب من جبال المشاكل التي واجهته إلى هدوء دير يوست حيث تصومع ومات بعد سنتين من تنازله عن العرش لابنه فيليب عام 1556. ويقول من درس سيرة فيليب الثاني انه كان ذكياً ونشيطاً لكنّه لم يكن قادراً على التمييز بين الغث والسمين. وكان فيليب يصرف وقتاً طويلاً قبل اتخاذ قرار ما وعندما يتخذه لا يتابع تنفيذه حتى النهاية. وربما تعامل ببرود شديد مع قضايا ساخنة تستوجب حلاً سريعاً، وربما اهتم بقضايا هادئة فأجّج لهيبها كما حدث مع الأندلسيين في الجنوب عام 1568. ولكاتب سيرة فيليب المؤرخ كبريرة القرطبي قول مشهور في فيليب هو أن ابتسامة الملك وخنجره قريبان جداً من بعضهما. إلا أن قلة رأت تلك الابتسامة لأنّ هذا الأمبراطور أمضى القسم الأخير من حياته يعيش حالاً قريبة من التنسّك والرهبنة في إحدى غرف قصره الهائل في الاسكوريال. وكان فيليب صاحب ممالك دوليّة عدّة لكنه لم يترك قشتالة يوماً واحداً، وكان قشتالياً وكاثوليكياً حتى العظم فأنفق أمواله وأموال قشتالة وذهب وفضة مستعمراتها في العالم الجديد على مقارعة أعدائه الثلاثة: البروتستانتية والإسلام وفرنسا، لكنه مات وكلٌ من الإسلام والبروتستانتية وفرنسا أقوى مما كانوا عليه في أي يوم من أيام حياته.
وبدأ فيليب حكمه معلناً الحرب على البروتستانت في كل مكان، عازماً على اجتثاثهم من أصولهم وتطهير الدنيا منهم وإذ بعمال محاكم التحقيق يكتشفون خليتين للبروتستانت في بلد الوليد واشبيلية ضمّت الثانية منهما أحد الأندلسيين. وكان رد فيليب سريعاً فحضر بشخصه الاحتفال بإحراق »الهراطقة« البروتستانت، وأطلق يد تلك المحاكم لتقفي كل معلومة أو إشاعة عن أي نشاط بروتستانتي في أي مكان من قشتالة. وكان ترويج الإشاعات عن اختراق البروتستانت قشتالة ذريعة لخنق أي معارضة أو انتقاد أو احتجاج، إذ لم تعتقل المحاكم في قشتالة وأرغون أكثر من 300 ”مهرطق إصلاحي“ في كل سنوات حكم فيليب الثاني. أما الحرب الحقيقية ضد الإصلاحيين فكانت تدور طاحنة دامية في هولندا حيث أحرق عمال محاكم التحقيق الآلاف. وكانت الحرب تلك شاملة لا تنازل فيها ولا هوادة، ولم يكن فيليب الثاني يأتمن الكاثوليكية حتى على البابا كما اتضح عندما سيّر القائد العسكري دوق ألبة إلى الفاتيكان على رأس جيش من 12.000 جندي فأخضعه. وحين تحركت فرنسا للدفاع عن البابا بيوس الرابع كان الوقت فات، ولم يتمكن قائد الجيش الفرنسي دوق غيز من إحراز أي تقدم في هجومه على نابولي فقال قولته الشهيرة: ”لا بد أن الرب أخذ الجنسية الأسبانية.“
وبينما كانت البروتستانتية تكتسب مؤيدين جدداً بفعل اضطهاد عمّال فيليب الثاني لهم، كان العثمانيون يتقدمون في البحر الأبيض المتوسط ويقدمون المساعدات التي حققت للمتحالفين العرب معهم انتصارات مهمة إنطلاقاً من المواقع البحرية في الساحل المغاربي. وفي عام 1560حاولت أساطيل إسبانيا وإيطاليا احتلال جزيرة جربة التونسية بغية استخدامها قاعدة للانقضاض على طرابلس. ولم تخفق هذه المحاولة فقط بل شجعت الأتراك على تشديد الضغط على السواحل الأسبانية واقترب اسطولهم من جزيرة ميورقة عام 1561 مما دفع فيليب الثاني إلى التفكير في إجلاء سكانها. وفي ظل هذه المخاوف التي سيطرت على فيليب الثاني بدأت إثارة مسألة الأندلسيين في كل من غرناطة وبلنسية. وفي حين اعتبرهم بعض مستشاري فيليب الثاني حلفاء طبيعيين للعثمانيين المسلمين مثلهم، أو طابوراً خامساً على الأقل، مما يستوجب الحذر منهم والوقوف معهم موقفاً حازماً، رأى آخرون أن استعداءهم يمكن أن يؤدي إلى مشاكل لا ضرورة لها، لذا أشاروا بأهمية كسب الأندلسيين إلى جانب إسبانيا واستمالتهم.
واستمر الجدل في شأن السلوك الأفضل تجاه الأندلسيين في بلاط فيليب الثاني في الوقت الذي ساد في مملكة غرناطة نفسها جدل آخر أدى إلى زيادة الوضع المعقد أصلاً في غرناطة تعقيداً. ولهذا التعقيد أسباب عدّة أهمها الصراع على السلطة في المملكة ومحاولة كل جهة متنفذة هناك إعلاء مصالحها على الجهة الأخرى خصوصاً ما اتصل من تلك المصالح بالأراضي الأندلسية والتجارة والضرائب. وفي مملكة غرناطة كان الحاكم العسكري على خلاف مع محكمة التحقيق وكانت محكمة التحقيق على خلاف مع المجلس البلدي وكان المجلس البلدي ضد رئيس الأساقفة، وكانت المحكمة العليا تخالف الجميع لأنها تعتقد أن رأيها أصوب الآراء. وتفاقم الصراع بين هذه الأطراف كافة واستاء الغرناطيون فاستنجدوا بفيليب الثاني. وانتظر فيليب طويلاً قبل أن يقرر تحرّي الوضع. ولما أرسل في نهاية التفكير مبعوثاً خاصاً لحل الخلافات بين القوى المتناحرة في غرناطة على الأراضي اشتبك المبعوث مع الجميع وبدا أن تدخلاً شخصياً من جانب فيليب الثاني هو الكفيل فقط بوضع حل لكل تلك المشاكل.
وما هي طبيعة هذه المشاكل؟
يُظهر استعراض الوضع في مملكة غرناطة مطلع عام 1569 أن مراكز القوى الأساسية لم تتغير في صورة جذرية خلال أكثر من 70 سنة. وجاء على رأس أهم المناصب في المملكة الحاكم العسكري الذي ظل محصوراً بأسرة مندوزا المتنفّذة منذ أيام تندله. وحمل خلفه في المنصب لقباً إضافياً هو مركيز مندخار، فيما عُرف الحاكم العام الذي تسلّم منصبه عام 1543 بلقبين هما مركيز مندخار والكونت تندله الرابع إلا أن اسمه الحقيقي هو إيناغو لويس دي مندوزا. وكان الحاكم العسكري أكثر ارتباطاً بالأندلسيين من غيره لأن احدى مهامه كانت تحصيل الضرائب منهم، وكان وجود علاقة عمل جيدة معهم مهمة أساسية بالنسبة له لتسهيل استضافة الجنود في بيوت الأندلسيين خلال أيام السلم لخفض نفقات إعالتهم. وقدم الحاكم العسكري للأندلسيين في مقابل هذا التعاون دعماً محدوداً وشيئاً من الحماية والتوسّط لدى محكمة التحقيق في غرناطة. إلا أن ارتباط مصالح الحاكم العسكري والأندلسيين سبّب ارتباكاً في وضع الأندلسيين فكان يتحسن أو يتردّى بتحسن أو تردّي نفوذ الحاكم العسكري لدى البلاط الملكي. وتمتع الحاكم العسكري في غرناطة بنفوذ قوي حتى نهاية النصف الأول من القرن السادس عشر، إلا أن أسرة متنفذة أخرى هي اسرة فخاردو بدأت تنافس اسرة مندوزا بعد تلك الفترة. وفي السنوات التي سبقت قيام الثورة الأندلسية الكبرى أثارت ثروة مركيز مندخار الحسد فكثر الخصوم والأعداء وتحسّنت شعبية منافسه مركيز بلش مالقة الثاني، وسارت الاسرتان القويتان في طريق الصدام. وحدث عام 1565 أن اعتقلت السلطات ثلاثة أندلسيين ادعت بعد تعذيبهم أنهم اعترفوا بوجود خطة لاستقدام الأتراك إلى قشتالة فاتهم مركيز مندخار بالتقاعس عن أداء واجبه وبدأ الجنود يتعاملون بريبة وخوف مع مستضيفيهم.
أما المركز المهم الثاني فهو منصب رئيس أساقفة مملكة غرناطة الذي سمَته إيزابيلا لطلبيره قبل أن تبعث إلى غرناطة بخيمينس الذي جمّد صلاحيات طلبيره وبدأ محاولة تنصير الأندلسيين التي أدت إلى اندلاع الثورة الأولى. وفي عام 1546 تسلم بدرو غيريرو منصب رئيس أساقفة غرناطة وحاول هو الآخر، كما فعل طلبيره من قبله، اتباع سياسة معقولة مع الاندلسيين لكسبهم إلى جانب الكنيسة وأوصى الكنسيين الآخرين بسلوك النهج نفسه لكن جهوده ذهبت أدراج رياح التعصّب. وحدث عام 1565 أن رافق غيريرو إلى الاجتماع الكنسي البابوي الذي عُقد في ترنت (بإيطاليا) دييغو دي اسبينـوزا رئيس مجلس قشتالة المحقق العام السابق لمحاكم التحقيق. وهناك سمع الإثنان انتقاداً شديد اللهجة من البابا بيوس الخامس (1504-1572) لمبدأ ”التسامح“ الذي تنتهجه الكنيسة القشتالية في مملكة غرناطة وحضهما على تغيير تلك السياسة على الفور.
ولم يكن بيوس الخامس من الباباوات العاديين إذ اشتهر بتزمته وعصبيته الكاثوليكية القوية، وسعى إلى فرض معايير ورع صارمة على رجال الكنيسة وعلى الكاثوليكيين في كل مكان. وفي عهد هذا البابا كان زمن المصالحة المسيحية ولّى لذا كان من أشد المعادين للحركة البروتستانتية ومن أشد المتحمسين لجهد مسيحي يتصدى للإسلام. وسيلعب بيوس دوراً حاسماً في تشكيل حلف بين البندقية وإسبانيا لشن حملة بحرية حاسمة ضد العثمانيين عام 1571، إلا أن انتقاده الكنيسة القشتالية لتسامحها مع الغرناطيين في ترنت كان انتقاداً غير مباشر للملك فيليب الثاني الذي لم يكد يسمع تقرير دي اسبينوزا حتى أمر بتنصير الأندلسيين بأقصى سرعة ممكنة وإزالة آخر لطخات الهرطقة من قشتالة.وفي السابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1566 استكملت لجنة مشتركة صياغة بنود مشروع مرسوم آخر ”لإصلاح“ أحوال الأندلسيين صادق عليه فيليب الثاني وصدر مطلع كانون الثاني (يناير) من 1567.
الأسباب الاقتصادية
قام اقتصاد غرناطة على انتاج الحرير وصناعة الملابس الحريرية والزراعة والتجارة بالمواد الغذائية وغيرها والصناعات الخفيفة والخدمات بسائر أنواعها. وحظرت السلطات على الأندلسيين أي وظائف عسكرية وحكومية ومدنية مهمة ارتبط شغلها بامتلاك شهادة تثبت نقاء دم المتقدم اليها من »شوائب« أصحاب الدماء الأخرى مثل المسلمين أو اليهود، والتأكيد بما لا يقبل الشك أنه من النصارى القدماء أو أنه ينحدر منهم مباشرة. ولم تنطبق هذه المواصفات على معظم الأندلسيين إلا من استطاع منهم الحصول على شهادة مزورة، ولهذا اشتغل الأندلسيون بمهن حرة كثيرة في مملكة غرناطة وخارجها بعضها من النوع الذي يمكن تسميته بـ»الوضيع«. لكن هذه المهن كانت تُدّر سيولة دائمة فتراكمت ثروة الأندلسيين الذين اشتهروا بالحرص. وكان من بين الغرناطيين عدد كبير من المزارعين إضافة إلى أعداد من التجّار الصغار والحرفيين والعمال الذين كانوا يشتغلون في مصانع تكرير السكر وصناعة الصابون والورق والتبغ. ويبدو أن أندلسيين كثيرين اشتغلوا في الموانىء في تفريغ البضائع ورفعها إلى السفن ونقل البضائع على البغال والحمير وأعمال أخرى متدنية الأجر. وبرع الغرناطيون في صناعة الأقمشة والملابس الحريرية وتجارتها كما تشهد على ذلك سوق الحرير المشهورة في غرناطة المعروفة باسم ”القيصرية“، ووظفوا في هذه الصناعة القسم الأكبر من ثروتهم، واحتفظوا بالباقي ذهباً أو أحجاراً كريمة لسهولة نقلها وإخفائها. وربما وجد الباحث بين الأندلسيين عدداً من الأثرياء لكن غالبيتهم كانت تعيش على مستوى متدن من الدخل، وكان الأندلسيون معروفين بجدّهم ونشاطهم ومهارتهم لذا لم يفتقروا في معظم الحالات إلى عمل يقومون به.
وتواترت الضغوط السياسية والدينية في مملكة غرناطة في وقت عانى فيه الاقتصاد الغرناطي من صعوبات جمّة نتيجة قرارات حكومية سابقة. إذ قررت قشتالة منع تصدير الحرير المصنوع في غرناطة إلى العالم الجديد لدعم هذه الصناعة في مناطق قشتالية أخرى فضرب الكساد الحاد هذه الصناعة. ثم عادت الحكومة عام 1562 وفرضت ضرائب عالية على صناعة الحرير لتعزيز دخل الدولة بهدف تمويل الحروب فتضرر المنتجون كافة لكن الغرناطيين كانوا أكبر المتضررين. ولم يستطع القطاع الزراعي في الاقتصاد الغرناطي تعويض العجز الذي سببه تضرر صناعة الحرير نتيجة ارتفاع حاد في حالات مصادرة الأراضي الأندلسية بعد اتهام أصحابها بالهرطقة. وفاقم هذا الوضع شروع السلطات الحكومية في عملية واسعة هدفها إعادة جرد الأراضي الميرية التي ادعى العرش ملكيتها في غرناطة ومصادرة أراض أندلسية زعمت أنها ملك الأمبراطور وصلت مساحتها، حسب بعض التقديرات الحديثة، إلى نحو خمسة آلاف كيلومتر مربع.
وفي تلك الفترة بات معظم الأراضي الأندلسية تابعاً للتاج أو الكنيسة أو محاكم التحقيق أو النبلاء كبارهم وصغارهم، ورافق ذلك استمرار السلطات في فرض ضرائب عالية على الأندلسيين. وخلال هذه الفترة العصيبة كانت السلطات تنتظر استمرار أندلسيي غرناطة في تقديم الدفعات التي اتفقوا على تسديدها لكارلوس الخامس أولاً ثم لفيليب الثاني حتى زاد مجموع ما قدموه بين 1518 و1568 على نحو ١٢٦ مليون مرابطي، أي أكثر من ثلاثة أرباع تكاليف الحرب ضد مملكة غرناطة آخر القرن الخامس عشر. ومع استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية لم تعد الأسر الغرناطية قادرة على تقديم الخدمات التي اعتاد عليها الجنود النازلون في ضيافتها فساد التذمر وعم الاستياء من الجهتين. ووجد عدد كبير من الغرناطيين قبيل اندلاع الثورة أنه لم يعد قادراً على تسديد الضرائب الحكومية التي بدأت تزداد بسرعة في ذلك الوقت، ولم يعد حتى راغباً في العمل الذي لم يعد يستفيد شخصياً من معظم الدخل المتأتي منه.
الأسباب الأجتماعية
عاش الأندلسيون منذ تسليم غرناطة غرباءً في وطنهم وتعاملت معهم السلطات كأقلية مشبوهة التصرفات والدوافع ونظرت إليهم الكنيسة كأعداء للكاثوليكية واعتبرت عاداتهم الطبيعية خارجة عن نطاق المألوف ولغتهم العربية لغة نجاسة وامتناعهم عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر من مظاهر العداء للكاثوليكية. وتقود مئات الحالات الموثقة إلى الاستنتاج بأن الأندلسيين كانوا مضطهدين ومراقبين ومشبوهين في كل مكان عاشوا فيه، إلا أن درجة اضطهادهم كانت تتفاوت من غرناطة الى قشتالة الى بلنسية.وكان ارتفاع حدّة هذا الاضطهاد وانحساره يرتبطان بعدد من العوامل المحلية والدولية والاجتماعية والدينية التي واجهت قشتالة خلال القرنين اللذين سبقا نفي الأندلسيين مطلع القرن السابع عشر. وكانت إيزابيلا وحفيد حفيدها فيليب الثاني من بعدها رأس حربة اضطهاد الأندلسيين ممثلة بمعظم هياكل السلطة. وفي الحالات التي خفّت فيها حدّة هذا الاضطهاد لقاء ”تقدمات مالية“ أو ضرائب إضافية نرى الكنيسة القشتالية تتقدم بسرعة لتأجيجه فينساق وراءها جمهور قشتالة المشتكي دائماً من أن الأندلسيين ”مكثرون في الإنجاب والعمل؛ مقلون في الإنفاق“. وحتى عندما كانت الكنيسة القشتالية تنشغل بهمومها ومتاعبها الداخلية وتبدأ قبضة رجالها بالتراخي نسبياً، نجد البابوية تتدخل لتتهم الكنيسة القشتالية بالتقاعس عن أداء واجبها الكاثوليكي وتحضها على تجديد الحملة على الأندلسيين.
وهكذا كان استمتاع الأندلسيين بأي قسط من الهدوء النسبي يتطلب وجود الهدوء على الجبهات السلطوية والكنسية والبابوية الثلاث، لكن القرن السادس عشر كان عاصفاً فلم يعرف الهدوء إلا في حالات معينة فقط. وحتى في هذه الحالات المعينة ربما أضافت أسباب اخرى نفسها إلى القائمة الثلاثية. فإذا انشغل الملوك بإشعال الحروب في أوروبة، وانشغلت محاكم التحقيق بملاحقة البروتستانت، وانشغل البابوات بجمع الكتب واقتناء الأثريات وملاحقة أمور الدنيا نجد دائماً أسباباً اقتصادية جلبت الاضطهاد إلى الأندلسيين، لذا لم يكن القشتالي العادي متأكداً دائماً كيف يستطيع أن يضيف أي قسط من الطبيعية إلى تعامله مع الأندلسيين العرب المسلمين وهو لا يزال يشتري صكوك الغفران التي استمرت الحكومة في تسويقها بموافقة البابا لتمويل الحملات ضد الإسلام فإذا بندها في الموازنة الحربيّة الصليبية يخضع إلى مناقلة مفاجئة فتنتهي مخصصاتها إلى تمويل الحروب ضد فرنسا والبروتستانت بدلاً من المغاربيين والمصريين والفلسطينيين.
ونجد في قشتالة سياسة رسمّية وكنسية منتظمة تقوم على استمرار ضمان تردي العلاقات بين الأندلسيين والقشتاليين وتنفير الجانبين من بعضهما باستخدام تشكيلة متنوعة من المخاوف الدينية والعسكرية والاجتماعية. ومرّت أوقات شيّد خلالها الفريقان القشتالي والأندلسي حواجز في الأحياء المشتركة التي كانا يعيشان فيها فصلت بينهما وبين تباينهما فتأتي السلطات وتزيل تلك الحواجز كي يبقى الاحتكاك مستمراً وبالتالي التنافر. وكانت السلطة والكنيسة تفرضان في حالات كثيرة أن يعيش الأندلسيون بين المسيحيين القدامى، لذا نجد الأندلسيين في حال تنقل شبه مستمر. وكان إصرار السلطة والكنيسة على استبقاء عناصر التنفير حيّة يتجلّى في حالات كثيرة فلم يكن يكفي مثلاً توقيع عقوبة السجن بالمذنب الأندلسي أو مصادرة أملاكه، بل كانت السلطات المدنية والكنسية تجبره على ارتداء ملابس أو قبعات بعلامات مميزة معينة كي يعرفه الجميع ويحذروا منه ويتابعوا اضطهاده.
أما بعض العقوبات الأخرى فكان نفسانياً وعلى مدى طويل ومن ذلك اقتضاء بعض العقوبات على النساء منعهن من ممارسة انوثتهن بحرمانهن من التجمّل بالذهب أو الفضة أو الأحجار الكريمة أو حتى ارتداء الملابس الحرير والأقمشة الناعمة. وانتج المجتمع القشتالي المُسمم الآراء والمعتقدات المُسممة مثله فبدا معظم ما يمكن أن يفعله الأندلسي مشبوهاً، وصار همسه صلاة محتملة وتمتمته تعرّضاً للكاثوليكية ووقوفه مع أبناء جلدته مؤامرة يجب الحذر منها. وهبط بعض التأويلات إلى مستوى الهذر فمثلاً تعوّد الأندلسيون تناول الخضر والفاكهة بحكم العادة والطبيعة فيما أقبل القشتاليون على اللحم المقدد. وكان تباين المأكول أحد أسباب عافية الأندلسيين، لكن طلع من القشتاليين من يدعي أن الأندلسيين يمارسون السحر والشعوذة لإطالة أعمارهم.
ويجب دائماً تفادي إطلاق الإتهامات الشاملة التعميم فمن بين الإسبان والإسبانيات من أحبّ الأندلسيين وحماهم وتعاطف معهم وأخفاهم في بيته وتستّر على ممارساتهم بالكذب على السلطات الحكومية والكنسية وحتى على عمّال محاكم التحقيق، لكن يجب ألا تخفي هذه الاستثناءات قاعدة واسعة جداً ضمّت القسم الأعظم من الإسبان. ويمكن في حالات معينة فهم سبب مخاوف القشتاليين العميقة لأن الصراع مع الأندلسيين لم يكن فقط صراعاً دينياً وحضارياً بل أيضاً صراعاً على الأرض مردّه الخوف من أن يتمكن الأندلسيون يوماً من استرداد الأرض التي انتزعها الإسبان منهم. ومن السهل بعد أخذ كل هذه العوامل في الاعتبار معرفة السبب الذي حوّل الإسبان إلى أكبر جهاز مخابرات في العالم آنذاك فكان معظمهم عيون وآذان السلطة ومحاكم التحقيق. وشجع حماس عمّال المؤسستين لملاحقة أتفه الاتهامات جمهوراً واسعاً من الإسبان على التمادي في الوشاية فصار تناول وجبة الكسكسي المغربيّة مظهراً عروبياً يستأهل التحقيق، ومثله الجلوس على الأرض والنوم على المرتبات بدلاً من الأسرّة، والاغتسال وعشرات العادات الطبيعية الأخرى. وفي هذا الجو المشحون بالتجسس والنميمة والترصّد والتسابق على الوشاية، بات ممكناً اتهام الزوجة القشتالية زوجها الأندلسي بمعاداة الكاثوليكية إن نفر من فراشها، واتهام القشتالي جاره الأندلسي بالعداء للدولة إن اشتكى من الضجيج، واتهام رب العمل عامله الأندلسي بالتوجه إلى الصلاة إن غاب يوم الجمعة، واتهام الأندلسي بمعاداة الملك إن اشتكى من ارتفاع الضرائب.
ونجد عدداً كبيراً من الحالات التي تقصّد فيها القشتاليون الإيقاع بالأندلسيين فربما لا يدعو القشتالي جاره الأندلسي إلى بيته لتناول الطعام طول السنة لكن ما أن يحل شهر رمضان حتى تنهمر على الأندلسي الدعوة تلو الأخرى من جار تلو الآخر، وكان يكفي ان يعتذر الأندلسي عن تناول الطعام مرتين أو ثلاثاً لاتهامه بأداء فريضة الصوم وسوقه إلى محاكم التحقيق. وخارج رمضان كان قشتاليون كثيرون يتعمّدون عرض الخمر على الأندلسيين أو تقديم لحم الخنزير أو الطعام المطبوخ بهذا اللحم. وكان الاعتذار عن شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير سبباً لاتهام الأندلسيين بنبذ الكاثوليكية والتزام الإسلام. وتوجد حالات كثيرة سعى فيها القشتاليون إلى إثارة الأندلسيين لدفعهم إلى التعبير عن مكنونات صدورهم في لحظات غضبهم والوشاية بهم إلى السلطة أو إلى عمّال محاكم التحقيق. إلا أن هناك استغلالاً واضحاً حتى لحالات إنسانية بحتة فيكفي اتهام الأندلسي بالهرطقة إن نطق فجأة بكلمة ”الله!“ إن رأى شخصاً يقع أمامه. وفي الامكان تصوّر حالات كثيرة من الوشاية الافترائية التي كان غرضها الأساسي الغيرة والحقد ومحاولة السطو على أملاك الأندلسيين أو استضعاف زوجاتهم أو بناتهم.
وربما أعطى ما تقدم الانطباع بأن الهوة التي فصلت معظم الأندلسيين عن معظم القشاتلة كان أساسها الدين، غير أن الوقائع تثبت أن الدين كان مظهراً واحداً. فحتى لو أصبح الأندلسي كاثوليكياً صالحاً كان من السهل اللجوء إلى الاختلاف العرقي، لذا لم يكن هناك فرق هائل لدى القشاتلة في تعيير الأندلسي بأنه مسلم أو عربي. وكانت الصفتان مشتركتين تكمّل احداها الأخرى ويمكن بسهولة ومن دون وعي أحياناً استخدامهما كمفردتين في قاموس ادانة الأندلسيين الواحد. ونجد في بعض وثائق محاكم التحقيق عدداً من الأمثلة على ذلك فها هي إيزابيلا الأمَة الأندلسية القاطنة في مدريد لم تستطع ضبط أعصابها والسيطرة على غضبها عندما شتمها أحد الإسبان بالقول: أنت كلبة العرب فردت عليه: ”نعم! أنا عربية؛ وأبي وأمي كانا عربيين، وأنا عربية وسأموت عربية“. وفي مثال آخر يتعرض أهل قرية تيناخاس من أعمال مدينة قونقة لصبي أندلسي فيعيرونه بوصف ”العربي“ فتتأثر أمّه وتصيح غاضبة وهي تمسك بيده: ”العربي أفضل من المسي“ي« فإذا بها تُرمى في السجن وتكبل قدماها بالحديد وتُصادر كل أملاكها. أما الذي كان يثير بعض القشتاليين أكثر من أي شيء آخر فهو حب الأندلسيين للمرح على رغم كل الضغوط. وحتى في الحالات التي وصل فيها التقييد والحصار إلى الأوج كان الأندلسيون ينظمون حفلات الرقص والغناء والطرب، ويتابعون الحياة في الصورة التي يقدرون عليها. إلا أن أحوال الأندلسيين تردت فجأة وبسرعة في الفترة التي سبقت انفجار الأزمة ووجدوا أمامهم مرسوماً جديداً قيدهم من لحظة الولادة إلى لحظة الموت، ووضعهم تحت المراقبة في الطريق والعمل والبيت، ولم يعد في استطاعتهم حتى إغلاق أبواب بيوتهم إذ كان من حق أي قشتالي الوقوف بالباب ومراقبة ما يفعله أهل الدار. وبعد تخريب العلاقات بين الأندلسيين والقشتاليين جاء دور تخريب العلاقات بين الأندلسيين انفسهم فساد تشجيع الأولاد والبنات على الوشاية بآبائهم، والاخوة بالأخوات، والجار بجاره وبدت قدرة السلطة والكنيسة على الضغط على الأندلسيين بلا نهاية أو حدود أو أخلاق أو رحمة.
الأندلسيون والكنيسة
انتظرت الكنيسة القشتالية تحوّل الأندلسيين إلى كاثوليك عن اقتناع ورضى وطيب خاطر، ثم غيّرت سياستها فرغّبت بالمال والهدايا والوعود ثم رهّبت بمصادرة الأرض والحرية والسجن والحرق من خلال محاكم التحقيق. وكانت الكنيسة القشتالية على رأس المنادين بتنصير الأندلسيين إلا أنها لم توفر الامكانات التي يمكن ان تساعد على تحقيق هذا الهدف. وحاول بعض الكنسيين (طلبيره مثلاً) ترجمة الإنجيل فعارضه رئيس أساقفة طليطلة. وكانت المواجهة الجدلية الكاثوليكية مع الأندلسيين تتطلب كنسيين مقنعين أول مواصفاتهم التمكّن من العربية (لغة من تريد تنصيرهم) إلا أنها لم تستطع تأمين ذلك وظلت غرناطة بلا رئيس للأساقفة سنوات طويلة، ولم تكن المواجهة الجدلية مجدية أو حتى ممكنة فيما المخطط القشتالي الخاص بالأندلسيين مخطط استئصالي.
وفي التاريخ الإنساني أمثلة كثيرة تثبت أن الاضطهاد الديني لم يقف في وجه انتشار دين المضطهدين بل ساهم في حالات كثيرة في تعزيزه في نفوس أصحابه وتعميمه على الآخرين. لذا يمكن التساؤل لماذا لم يتذكر خيمينس ورهطه، بل الكنيسة القشتالية كلّها، أن اضطهاد الرومان المسيحيين الأوائل كان بداية الطريق إلى نصرنة الأمبراطورية الرومانية؟. ولا نجد في تاريخ مساعي النصرنة القشتالية اجابة فربما لم تكن معرفة أبسط أحداث تاريخ النصرانية شرطاً مُسبقاً لشغل منصب مثل رئيس أساقفة طليطلة. ولا شك في أن نجاح الأندلسيين في بناء شبكة سرية هائلة عملت على تعزيز الشعور الديني الإسلامي وتبادل المعلومات والكتب الدينية، وحتى أسلمة بعض القشتاليين أو إعادة بعض الأندلسين المتنصرين إلى الإسلام، أفشل المساعي القشتالية المضادة. ولا شك في أن تمسك الأندلسيين بدينهم واستعدادهم في معظم الحالات للموت في سبيل معتقداتهم هو الذي وقف أمام محاولات التنصير القشتالية الجماعية. إلا أن الأندلسيين ربما كانوا محظوظين لأن سعاة تنصيرهم في قشتالة كانوا على شاكلة خيمينس الذي جاء غرناطة وأهلها يصلّون ويصومون ويعتزّون بعروبتهم، وغادرها وهم لا يزالون يصلّون ويصومون ويعتزّون بعروبتهم، وسنجدهم يصلون ويصومون ويعتزون بعروبتهم علناً يوم جمعتهم السلطات القشتالية لنفيهم بعد مئة وسبع سنوات من صدور مرسوم تنصير الأندلسيين الأول.
وما الذي جاء في مرسوم عام 1567 ولم يأت به مرسوم 1502؟
اختلف مرسوم الأول من كانون الثاني (يناير) عام 1567عن كل المراسيم السابقة لسببين: الأول أنه كان مرسوماً شريراً، والثاني إصرار فيليب الثاني على تطبيقه بحذافيره مهما كانت النتيجة. ومنع هذا القانون استخدام اللغة العربية منعاً باتاً، مثل سابقيه، لكنه فرض على الأندلسيين إتقان التحدث بالقشتالية خلال ثلاث سنوات. ومنع هذا المرسوم الوضوء، مثل سابقيه، لكن الأندلسيين كانوا يستعيضون عن الوضوء بالتحمم فجاء المرسوم الجديد ومنع الأندلسيين من دخول الحمامات. وتدرج المرسوم في محظوراته من المهد إلى اللحد فنص على وجوب إتمام كل مراسم الزواج والولادة والموت وفق طقوس الكاثوليكية من ساعة سريان المرسوم، وحظر الختان حظراً تاماً لأي سبب. وبعدما ضمن الزام الأحياء بنصوص الرسوم، انتقل إلى الأموات فكان يتعين على الأندلسيين أن يدفنوا موتاهم في نعوش مغلقة وفق طقوس قشتالة. وفرض حضور قابلة قشتالية مسيحية ولادة أطفال الأندلسيين، ووجوب إبقاء الأبواب مفتوحة. كما حظر ارتداء الملابس التقليدية والوقوف في اتجاه القبلة والزواج من أكثر من امرأة واحدة واستخدام الحناء. وحرم هذا المرسوم الأندلسيين من حق اللجوء إلى الكنائس طلباً للأمان فخرجت الكنيسة بذلك عن تقليد تمتعت به كنائس أوروبة منذ قيامها.
وفيما بدأ الأندلسيون المفاوضات مع السلطة لإعادة النظر في المرسوم، استمر معظمهم في تجاهله وتابعوا حياتهم كما تعودوا فإذا احتفلوا بقران في الكنيسة كانوا يعودون إلى بيوتهم ويتابعون احتفالهم على طريقتهم. وإذا عمّدوا طفلاً عادوا إلى البيت وغسلوا رأسه وسبّعوا. وإذا حان أجل أحدهم كانوا يخفون الأمر عن الكنيسة ويصلّون عليه بعد موته ثم يذهبون إلى الكنيسة ويقولون ان قريبهم مات على حين غفلة ولم يتمكنوا من استدعاء القسيس في الوقت المناسب. وتراكمت لدى السلطة تقارير عن هذه المخالفات فأوقفت المفاوضات مع الأندلسيين، ثم صدر الأمر بتعيين بدرو دي ديثا Pedro de Deza رئيساً للمحكمة العليا في غرناطة ودخل الطرفان مرحلة صدام تصاعدت حدته بسرعة عندما انقلب رئيس أساقفة غرناطة غيريرو من تبنّي سياسة الإقناع إلى الإكراه. ورافق هذه التحولات ازدياد سريع في مصادرات أراضي الغرناطيين لأسباب شتّى حتى انحصرت بسفوح جبال البشرات وجبال الجنوب الأخرى يزرعون في تلك المساحات الصغيرة ما يسد حاجتهم من الغذاء الضروري وما يوفر لهم بعض الإنتاج الإضافي الذي كان يُباع في القرى والمدن المجاورة.5 لكن وضع أهل مدينة غرناطة كان سيئاً للغاية مع استمرار تدهور صناعة الحرير وارتفاع الضرائب المفروض عليه فكسد البيع في القيصرية6 وضاق العيش.
وبذل مركيز مندخار جهداً اخيراً عندما رفع إلى فيليب الثاني يرجوه تأجيل تنفيذ المرسوم فترة لكن حظه لم يكن أفضل من حظ بعض مستشاري الملك الذين سبق أن تقدموا باقتراح مشابه. وهنا توجه وفد أندلسي إلى بلاط فيليب الثاني لاستعطافه فصرفه فعاد إلى غرناطة يجر أذيال الخيبة التي تحوّلت بسرعة إلى يأس ونقمة. ”لو توافرت حكومة حكيمة وصادقة تحترم التعهدات التي أعطيت لدى تسليم غرناطة لتجنبت مخاطر هذه النقمة الخفيّة لكن حكام أسبانيا لم يتصفوا بالحكمة ولا بالصدق في تعاملهم مع الموريسكيين، بل أصبحوا أكثر قسوة وخداعاً مع مرور الوقت… لكن تجريد شعب بالجملة من مقوماته فاق الحد الذي يمكن أن يقبل به أي شعب، ناهيك عن شعب انحدر من أمثال المنصور وعبدالرحمن وابن السراج. وذات يوم نشب شجار بين الأندلسيين وبعض جباة الضرائب المحتالين فالتهبت المواد الهشة التي كانت مستعدة للاشتعال منذ زمن طويل، وقام بعض الفلاحين على الجنود المستضافين في مساكنهم فقتلوهم، و وجمع صبّاغ من غرناطة يدعى فراس بن فراس Farax Aben Farax عصبة من الناقمين وفر إلى الجبال،“ والتحق بزعيم الثورة ابن أميّة.
نشوب الثورة الأندلسية الكبرى
في الخامس عشر من نيسان (أبريل) عام 1568 بدأت اضطرابات محدودة في جبل البشرات تمكن جنود مركيز مندخار (الحاكم العسكري) من انهائها بسرعة. ومكّن الهدوء النسبي الذي لحق ذلك بدء انتقال أعداد من شبان مدينة غرناطة الى الجبال سراً للتدرّب على استخدام السلاح. وفي الثالث والعشرين من كانون الاول اعتقد الثوار ان عددهم كان كافياً للقيام بالخطوة التالية فشنوا هجوماً مباغتاً على مدينة غرناطة فيما كانت حاميتها تستعد للاحتفال بعيد الميلاد. وتمكن الثوار بقيادة فراس بن فراس من التوغل في المدينة والاشتباك مع جنود مركيز مندخار إلا أنهم لم يتمكنوا من أخذ المدينة فانسحبوا وعادوا إلى البشرات بعد ايقاع خسائر كبيرة بجنود الحامية، وبدأوا إزالة كل أشكال السلطة والكنيسة القشتالية في المراكز المحررة. وحيال هذا التطور أصدر فيليب الثاني أوامره الى مركيز مندخار بإخماد ثورة البشرات فقاد جيشاً من حوالي أربعة آلاف جندي إلى الجبال إلا أنه لم يشتبك معهم وبدأ بدلاً من ذلك مفاوضات لوقف الثورة آخذاً على عاتقه محاولة إقناع الملك فيليب الثاني برفع الضغوط عن الأندلسيين.
وأوقف الأندلسيون العمليات العسكرية فيما بدأ المركيز اتصالاته لاقناع الملك باعطاء الثوار فرصة إلا أن فيليب رفض الفكرة وأمر المركيز بقمع الثورة وضرب زعمائها ليكونوا عبرة لغيرهم ليس فقط في الجنوب وإنما في ممالكه الاخرى قاطبة. وفي هذه الأثناء أقدم بعض جنود المركيز على مذبحة في مدينة جبيل Jubiles راح ضحيتها عدد من الأندلسيين، وتعرضت مدينة لورة Laroles إلى هجمات مماثلة وفقد المركيز السيطرة على جنوده فأخذ هؤلاء يمارسون أعمال القتل بلا حساب فتحرّك الأندلسيون بسرعة وبسطوا سيطرتهم على البشرات. وفي غرناطة نفسها وصلت إلى الحامية إشاعات عن قيام الثوار الأندلسيين بقتل 90 قسيساً و1500 قشتالي فهاجم الجنود سجن البيازين وذبحوا مئة وعشرة أندلسيين كانوا فيه. ”ولما سار مندخار الى السجن مع حراسه لإخماد الاضطراب قابله القائد بقوله: هذا غير ضروري فالسجن هادئ لأن جميع الأندلسيين أموات.“ وأمام انفلات الوضع أقرّ مركيز مندخار بعجزه عن السيطرة على الوضع ووضع نفسه تحت إمرة فيليب الثاني. وكانت نار الثورة بدأت تستعر بسرعة وتنتشر في مناطق جديدة في الجنوب عندما بدأ الملك تدارس الوضع مع مستشاريه العسكريين.
دون خوان النمسوي
جاءت ثورة الأندلسيين في سنة من أسوأ سنوات حكم فيليب الثاني، اذ كانت انتفاضة الهولنديين على أشدها منذ اندلاع الاضطرابات هناك قبل سنتين، وبدأ العثمانيون يحققون الانتصار تلو الآخر في البحر الأبيض المتوسط وراحوا يهددون شواطئ ممالكه هناك. وفي تلك السنة أيضاً اندلعت الثورة في قطالونيا وقطعت أساطيل البروتستانت الطرق البحرية الى خليج بسقاية، ثم فقد فيليب زوجته المفضلة ماري ومات ابنه ووريثه دون كارلوس في السجن الذي أودعه فيه والده بعدما ظهرت عليه علائم الجنون. وخشي فيليب الثاني أن يستفحل خطر الثورة ويستغل العثمانيون استمرارها لمهاجمة صقلية والجزائر الشرقية وربما الجنوب الأندلسي فاختار لمهمة القضاء على الثورة أخاه دون خوان النمسوي الذي كان زنوة والده كارلوس الخامس مع محظيّة هولندية. ولم يكن دون خوان وقتها تجاوز الثانية والعشرين، لذا عيّنه رئيساً للمجلس الحربي لكنه لم يطلق يده في اتخاذ القرارات التي يشاءها، وربط ذلك بموافقة جميع أعضاء المجلس الذي تألف من مركيز مندخار، ودوق سيسه (حفيد غونثالو القرطبي »القبطان العظيم«)، وبدرو دي ديثا رئيس المحكمة العليا المقرّب من الكردينال اسبينوزا رئيس مجلس قشتالة، ثم لويس كيخادا الذي كان مرافقاً خاصاً للملك فيليب الثاني10. وأوصى فيليب الثاني دون خوان بضرورة اتخاذ قرارات المجلس بالإجماع، وإذا لم يتحقق هذا يجب عليه العودة إليه لاتخاذ القرار النهائي.
وغادر دون خوان مدريد في السادس من نيسان (إبريل) عام 1569 وجرى لدى وصوله إلى غرناطة احتفال كبير شارك فيه الأندلسيون. وتجاهل دون خوان مستقبليه الأندلسيين وتوقف في الطريق إلى بعض النساء القشتاليات اللواتي كن يرتدين ملابس الحداد على اقربائهن، فأبدى تعاطفه ووعدهن بالانتقام السريع. وفي اليوم التالي زاره وفد من عرب المدينة يشتكون إليه جور السلطة ومضايقات الجنود النازلين في ضيافتهم فطلب منهم رفع تقرير رسمي بذلك يتضمّن ما يمكن إثباته بشهود.
وكان اللقاء جافاً والتوعّد ظاهراً فخرج الأندلسيون وهم يتوقعون الأسوأ. وكان على دون خوان التحرّك بسرعة للقضاء على الثورة خوفاً من انتقالها إلى الأندلسيين في أرغون. ولما عرض دون خوان على أعضاء المجلس هذا الرأي أخذوا به لكنّ مركيز مندخار عارضه وأعرب عن اعتقاده أن التفاوض وليس الحرب هو طريق إنهاء الأزمة. وأمام هذا الموقف نشد المجلس موافقة فيليب الثاني فكتب إليه دون خوان رسالة مُطوّلة أوصى فيها بالحزم في التعامل مع الثوار، وتعهد لأخيه بالقضاء على الثورة سريعاً إن اعطاه الصلاحيات وأطلق يديه.
وكان دون خوان واثقاً أن فيليب سيأخذ برأيه فاستبق الموافقة وبدأ تنظيم الجيش، وراح يراسل النبلاء في الجنوب لمدّه بالرجال والسلاح والتجمع في غرناطة استعداداً لبدء العمليات العسكرية. واحتشد الجند واستعدوا فيما انتظر دون خوان جواب فيليب. إلا أن الانتظار طال، ولم تكن هناك فائدة من استعجاله لأنّه لم يكن يحب الاستعجال في شيء. واستغل الأندلسيون تردد الملك فالتحق بالثوار عدد كبير من المتطوعين حتى صار قوامهم نحو عشرة آلاف مقاتل، وبدأوا يشنون الهجمات على مواقع القوات القشتالية فاستملكوا عدداً منها، ثم نقلوا الحرب إلى مناطق قريبة من مدينة غرناطة ودارت معارك بينهم وبين القشتاليين قرب الأسوار. وسرت في القشتاليين المخاوف من إنقلاب الإندلسيين الغرناطيين عليهم فتشددوا في معاملتهم مما أدى إلى فرار بعضهم من المدينة والالتحاق بمعاقل الثوار. وخلال فترة قصيرة اتسعت الرقعة التي بسط عليها الثوار نفوذهم حتى شملت معظم المناطق المحيطة بمدينة غرناطة.
ووصلت أخيراً أوامر فيليب الثاني آخذاً في الاعتبار معظم توصيات أخيه لكنّه أمر بشطر القوات التي تجمّعت شطرين أسند قيادة الأول إلى مركيز مندخار والثاني إلى منافسه مركيز بلش مالقه، لكنه حظر في الوقت نفسه على دون خوان الاشتراك في أي عمليات عسكرية. وتوجد تفسيرات عدّة لهذا القرار يبدو أن الأقرب منها إلى القبول غضاضة دون خوان والخشية من أن يتسبب مقتله في إعطاء الأندلسيين نصراً معنوياً كبيراً يقوّي شوكتهم ويشجع أندلسيين آخرين على الانضمام إليهم. وربما كان الأهم من قرار فيليب الثاني منع دون خوان من المشاركة في القتال هو وضع مركيز بلش مالقة في صف مركيز مندخار. واعتبر باقي أعضاء المجلس هذا التكليف تشكيكاً من الملك بمركيز مندخار فانهزّت الثقة به وخضعت قراراته للمساءلة وتصرفاته للمراقبة.
بداية حروب المقاومة الأندلسية
حاول مركيز بلش مالقة إثبات تفوّقه على منافسة مركيز مندخار فور تسلّمه قيادة المنطقة الشرقية فتوغل بجنوده سريعاً في جبل البشرات واحتل ممر رباحة الاستراتيجي لقطع الإمدادات عن الثوار. لكنّ مركيز بلش مالقة لم يحفظ المداخل فطوّق الثوار الممر وعزلوا الجنود ونشبت معارك متقطعة مُنيت قوات المركيز فيها بخسائر كبيرة اضطرتها إلى الإنسحاب وإعادة التمركز في بلدة برجة الواقعة على الجنوب الشرقي من جبل الثلج (نيفادا). وتقدم الثوار إلى البلدة فحاصروها لكن جنود المركيز تمكّنوا من صدهم وألحقوا بهم الخسائر فكبس المركيز على الثوار مستغلاً تراجعهم. ولم ينتبه المركيز إلى امتداد الثورة إلى البلدات الواقعة على نهر المنصورة إلا بعد فوات الأوان فارتدّ إلى مدينة عدرة الواقعة على الساحل جنوبي برجة وبعث يطلب مدّه بالجنود من الجهة الوحيدة المفتوحة أمامه وهي البحر. وذاعت أنباء انتصارات الثوار فتحمّس الأندلسيون في المناطق المحيطة بمدينة الحامة وقاموا على القوات القشتالية فانسحبت من أرياف المنطقة ومعها المليشيات القشتالية وتحصنت وراء أسوار المدن. وعمّت بعدها الانتفاضة الجنوب، وبدأ الأندلسيون مناوشات عسكرية حول بعض أهم مدن مملكة غرناطة مثل مالقه وبلش مالقة ومطريل Motril والمنكب Almunecar.
وفاجأ تسارع الأحداث دون خوان فبعث إلى فيليب الثاني يستعجله إمداده بقوات إضافية فأصدر أوامره إلى القائد الأعلى ريكويسنس بوقف مسير جيش من الجنود المحترفين إلى إيطاليا لتعزيز القوات الإسبانية تحسّباً من هجوم العثمانيين، والتوجه على الفور إلى الجنوب لقمع الثورة في جبال الحامة. واشتبكت قوات ريكويسنس مع الثوار وارغمتها على التراجع، ثم هاجم مدينة فرجالة Frigiliana التي كانت وقتها من أقوى معاقل الثوار. وحاول ريكويسنس اقتحام المدينة مرات عدّة فمُني بخسائر كبيرة أجبرته على ضرب الحصار حولها. وخرج الثوار الأندلسيون من المدينة إلى القوات القشتالية لكسر الطوق عنها فدارت معركة عنيفة انضمت خلالها مليشيات مالقة إلى قوات ريكويسنس فقلبت الميزان وانكسر الثوار فاقتحمت القوات المشتركة المدينة. وفي التاريخ الإسباني أن قوات ريكويسنس والمليشيات فقدت في المعارك التي دارت على مشارف فرجالة نحو ٠٠٦ شخص لكنها تمكنت من قتل ألفين إلى ثلاثة آلاف أندلسي في حين تمكّن نحو ألفي أندلسي من الانسحاب والالتحاق بمعكسر ابن أميّة. واشتركت الأندلسيات إلى جانب الرجال في محاولة منع القوات القشتالية من دخول فرجالة لكن المؤلف الأميركي برسكوت يقول إن جماعات من النساء الأندلسيات فضّلن بعد اقتحام المدينة الانتحار برمي أنفسهن من على الأسوار والشواهق تخلّصاً من الاغتصاب والسبي الذين كان ينتظرهن.
ورد الثوار على سقوط فرجالة في منتصف سنة 1569 بهجوم شنّه نحو خمسة آلاف ثائر على مدينة سيرون Seron التي كانت احدى المدن التي بقيت بيد القشتاليين في وادي نهر المنصورة الواقع شمال مدينة المرية. وأخفق الثوار في أخذ المدينة نتيجة المقاومة العنيفة التي أبدتها الحامية بقيادة ميرونس Mirones، فضرب عليها الثوار الحصار في الثامن عشر من حزيران (يونيو) من السنة ذاتها وقطعوا طرق تموينها. وكان دون خوان كتب إلى فيليب الثاني يقترح عليه نفي سكان مدينة غرناطة بموافقة دي ديثا عندما وصلت إليه أنباء حصار سيرون فأمر قائداً عسكرياً يُدعى ألونصو كربخال بالتوجه لرفع الحصار. لكن فيليب كان سمع بالحصار أيضاً فأمر مركيز بلش مالقة بتولي مهمة انقاذ الحامية. ولا نعرف سير الأحداث بعد ذلك، إلا أن رواية إسبانية تقول إن المدينة استسلمت فدخل الثوار وقتلوا جميع من تخطّى الثانية عشرة من العمر وأسروا النساء والأطفال.
مواجهة الثورة الأندلسية
انتقم دون خوان لسقوط سيرون بنفي معظم سكان مدينة غرناطة وامتد هذا الانتقام إلى المسؤول الوحيد الذي أبدى بعض التعاطف مع الغرناطيين فجرّد دون خوان مركيز مندخار من معظم صلاحياته بعد موافقة فيليب الثاني. وصغر شأن المركيز بعد ذلك وضعفت نفسه ومات قبل نهاية السنة. وكان دون خوان يعتقد أن قيادة القوات القشتالية ستؤول إليه إلا أن فيليب أصر على موقفه السابق وأسند هذه المهمة إلى مركيز بلش مالقة. وهنا استاء دون خوان من هذه الخطوة وبدأ حملة لعزله فكتب إلى فيليب الثاني يذكّره باخفاقاته العسكرية وضمّ إلى صفه ريكويسنس الذي أوصى في كتاب إلى الملك فيليب بعزل مركيز بلش مالقة فاستجاب وأمر بما اقترحاه. وفيما انشغل دون خوان بإزالة العقبة الأخيرة التي وقفت بينه وبين قيادة الجيش، نقل الثوار عملياتهم إلى الجبال الغربيّة. واسند بن أميّة قيادتهم إلى أخيه الغالب، وانحسرت سلطة جنود فيليب الثاني في الجنوب، وفقدوا السيطرة على أغلب الأرياف.
وإزاء هذه التطورات اقترح دون خوان على أخيه خطة شاملة للقضاء على الثورة شرط إمداده بالقوات، فوافق فيليب الثاني وعهد إلى دون خوان إعادة تنظيم الجيش في انتظار وصول التعزيزات. وتولّى دون خوان قيادة المنطقة الشرقية مؤقتاً، فيما تسلّم دوق سيسه مهمة حراسة الطرق والممرات المؤدية إلى غرناطة من جبل البشرات. وفيما كان دون خوان يعيد تنظيم قواته تمرّد قسم من حامية غرناطة، إذ نزل هؤلاء في ضيافة القشتاليين بعد تهجير الأندلسيين من المدينة لكنهم لم يجدوا معاملة مشابهة فعمّ الاستياء وتطاولوا على مستضيفيهم محتجّين على نوع الطعام المقدّم لهم والخدمات القليلة الممنوحة لهم. وأثار احتجاجهم استياء القشتاليين فشكوا الجنود الى السلطة وتوقفوا عن خدمة جنود الحامية فأعلن هؤلاء العصيان. وبعد التحقيق في الأسباب طرد دون خوان 37 ضابطاً من أصل 45 وأعاد السيطرة على الجنود واتخذ غرناطة مقراً عاماً، وبدأ الجنود وقوات المليشيات يتدفقون على غرناطة من المدن القشتالية القريبة، وبات المسرح معداً لشن الهجوم الأخير قبل أن يحل الشتاء بثلوجه ويمنع حركة الجنود، الأمر الذي كان سيؤدي الى تأجيل الحملة ضد الثوار حتى الربيع.
ونحو نهاية عام 1569 استغل الأندلسيون تباطؤ حركة الجيش بسبب الشتاء وقطعوا بعض خطوط التموين مع الشمال فاضطر دون خوان إلى تحريك قواته وشن سلسلة من العمليات العسكرية لإعادة فتح هذه الخطوط لكن استمرار بقائها مفتوحة اقتضى اقتحام مركز كان الأندلسيون يستخدمونه للإغارة على تلك الخطوط. وهكذا قاد دون خوان جيشاً من الجنود والمليشيات وحاصر مدينة غاليرا Galera الواقعة إلى الشمال الشرقي من بسطة في التاسع عشر من كانون الثاني (يناير) عام 1570. واستمر هذا الحصار نحو الشهر جرت خلاله مفاوضات لتسليم المدينة لقاء عهود قطعها دون خوان على نفسه بالإبقاء على أرواح أهلها وأملاكهم لكن ما أن دخلها حتى ”أمر بقتل جميع سكان المدينة المقدّر عددهم بحوالي ثلاثة آلاف بعد اغتصاب نسائها. ووصلت أعمال القتل والإغتصاب إلى قدر فظيع من الوحشية أرهق الجنود فتفرقوا في كل الاتجاهات صباح اليوم التالي عندما وصلت مجموعات من الأندلسيين لنجدة أهل المدينة. وحاول دون خوان إعادة تنظيم جنوده وقوات المليشيات إلا أنه أخفق في ذلك مرات عدّة وكاد يهلك خلال محاولاته تلك.“
وبقي دون خوان في غاليرا حتى مطلع شباط (فبراير) عام 1570 قاد بعدها نحو ثلاثة آلاف راجل و200 فارس وكتائب من حملة البنادق ورماة المدفعية وبدأ هجوماً مزدوجاً على مدينة سيرون التي كان الثوار أخذوها في تموز (يوليو) السابق. وعهد دون خوان الى ريكويسنس قيادة الهجوم الأول وإلى تابعه كيخادا قيادة الثاني وارتقى تلاً مشرفاً راقب منه سير العمليات. واخترق الهجومان خطوط الدفاع الأندلسية فاحتمى قسم من الأهالي في المساكن الحصينة فيما انسحب آخرون إلى الجبال.
ودخل قسم من المشاة بقيادة لوبي دي فيغيروا Lope de Figueroa الجزء المُخلى من المدينة وبدأ نهب المساكن، إلا أن الأندلسيين كانوا طيّروا الدخان إشارة إلى طلب النجدة فهبط إلى المدينة آلاف الأندلسيين يتقدمهم قائد نعرفه باسم »الحبقي« المسؤول عن تلك المنطقة فتراجعت قوات دون خوان في كل الاتجاهات. أما المشاة في المدينة فأعمتهم المفاجأة فأسقطوا ما سلبوه واحتموا في مساكن المدينة. وهنا أطبق الثوار عليهم وأحرقوا بعض المنازل التي احتموا بها. وعندما هدأت المعركة التي وقعت في السابع عشر من شباط عام 1570وتوقف الأندلسيون عن مطاردة القوات القشتالية أحصى دون خوان نحو 600 قتيل فوقهم المشاة الذين قتلوا أو احترقوا في سيرون. وأصيب كيخادا في تلك المعركة بطلقة في كتفه الأيسر ومات متأثراً بجرحه، كما أصابت طلقة خوذة دون خوان لكنها لم تكن مؤثّرة. معركة ليبانت البحرية وبدء مفاوضات إنهاء الثورة.
بعد يومين من الحادثة الأخيرة اتضحت لدون خوان ضرورة الحصول على إمدادات إضافية فكتب الى فيليب الثاني يصف له الوضع ويطلب إرسال القوات بسرعة. وتضمّن ردّ فيليب على الرسالة الوعد بإرسال ألفي جندي آخر لكن الردّ تضمّن طلباً لم يتوقعه دون خوان هو إنهاء الحرب مع الأندلسيين بأقصى سرعة ممكنة، وفتح باب المفاوضات على الفور.
ويعود سبب هذا الطلب المفاجىء إلى تطورات حاسمة كان إيقاع خطواتها يتسارع في الجانب الآخر من أوروبة. ففي مطلع عام 1570 بدأت الأساطيل العثمانية تقترب من جزيرة قبرص التي سيطر عليها البنادقة مستغلة انشغال جيوش فيليب الثاني في قمع الثورة الأندلسية. وفي بداية شباط (فبراير) عام 1570وجّه العثمانيون إنذاراً نهائياً إلى البندقية بتسليم قبرص التي كانت تُستخدم قاعدة لاعتراض السفن العثمانية والعربية والإغارة على بعض المدن مثل الإسكندرية. ولجأت البندقية إلى البابا بيوس الخامس فعرض على فيليب الثاني إنشاء تحالف ضد العثمانيين يستهدف اسطولهم الكبير الذي بدأ يهدد أغلب شواطىء البحر الابيض المتوسط. واقتضت خطة البابا تشكيل قوة بحرية كبيرة من أساطيل البندقية المتحالفة مع أساطيل دول أوروبية أخرى يقودها فيليب الثاني بنفسه، على أن تتولى البابوية تمويل هذه الحملة من الضرائب التي أقر البابا بعضها على سائر أهل الكاثوليكية، ومن محصلة بيع صكوك الغفران. ولم يكن فيليب غادر قشتالة يوماً واحداً منذ استلم عرش البلاد، ولم يكن يعتزم مغادرتها آنذاك فاقترح على البابا تسليم قيادة الحملة إلى دون خوان فور إخماد الثورة الأندلسية في الجنوب. لكن دون خوان لم يكن حتى تلك الفترة في وضع يمكّنه من إنهاء الثورة التي استفحلت وعمّت قسماً كبيراً من مملكة غرناطة. وبات الوقت على غاية كبيرة من الأهمية، وانتقلت الثورة الأندلسية من دورها المحلي المحصور بمملكة غرناطة إلى دور عالمي أعاق قيادة الإسبان واحدة من أهم معارك القرن السادس عشر.
وأمام هذا الوضع وجّه فيليب الثاني دون خوان لفتح المفاوضات مع الأندلسيين وبدأ مفاوضات مع البابا أطالها متعمداً لإعطاء دون خوان الفرصة لانهاء الثورة الأندلسية. وبدأ دون خوان مفاوضاته باجتماعات عدّة عقدها مع الفارس الحبقي. ودعم فيليب الثاني سير المفاوضات فأصدر إرادة ملكية منحت جميع الأندلسيين عفواً شاملاً لكنها توعّدت بإعدام جميع الرجال والشبان الذين تفوق أعمارهم الرابعة عشرة إن لم يستسلموا خلال 20 يوماً من صدور الإرادة. ولا نعرف طبيعة المفاوضات بين دون خوان والحبقي، إلا أنه يمكن ربطها بما حدث بعد ذلك إذ انسحبت قوات الحبقي من سيرون ثم من تجلة Tijola وبرشانة Purchena فنقل دون خوان مقر قيادته إلى البذّول Padules القريبة من وجر أندرش Lujar de Andarax في الثاني من أيار (مايو) ٠٧٥١، وبسط سيطرته الكاملة على سائر المدن والقرى في وادي نهر المنصورة ونشر قواته في أغلب المناطق الواقعة إلى الشرق من جبل البشرات. وبدأت كتائب دون خوان تجوب الارياف للقضاء على جيوب المقاومة، وشملت العمليات إتلاف الحقول والمزارع وإحراق بيوت الفلاحين الأندلسيين فتحوّلت المنطقة إلى خراب كي لا تقدم أسباب الحياة لأي مخلوق، ”وكانت هذه هي طبيعة إجراءات المصالحة التي استخدمتها الحكومة للقضاء على الثوار.“
وفيما عاثت قوات دون خوان في منطقتها فساداً، قاد دوق سيسة جيشاً من عشرة آلاف راجل و200 فارس للقضاء على الثورة في المناطق الشمالية من جبل البشرات، إلا أن قوات إبن أميّة تصدت للجيش بإغارات كثيفة وفرّت أعداد من الجنود فانسحب دوق سيسة إلى الساحل ثم التحق بمعسكر دون خوان في البذّول. وهنا بعث دون خوان إلى الحبقي يطلب بدء جولة جديدة من المفاوضات الشاملة فوافق وبدأت هذه المرة في الثالث عشر من أيار في قرية تدعى فندون اندرش Fondón de Andarax بحضور الحبقي وعدد من الزعماء الأندلسيين.
واشترط الوفد الأندلسي لوقف القتال إصدار عفو عام جديد والغاء مرسوم الأول من كانون الثاني عام 1567 فطلب دون خوان أن يأتيه الوفد بما يثبت موافقة ابن أميّة على الشروط، فيما عهد إلى أمين سره خوان دي سوتو Juan de Soto الإشراف على صياغة بنود الاتفاق الجديد. وفي التاسع عشر من أيار عاد الوفد إلى معسكر دون خوان بموافقة ابن أميّة فصادق الحبقي على الاتفاق ممثلاً عن الجانب الأندلسي. وبعد انتهاء المراسم انسحب الوفد الأندلسي باستثناء الحبقي الذي بقي في المعسكر ضيفاً على دون خوان وحضر مأدبة عشاء دُعي إليها القادة والأعيان بمن فيهم رئيس أساقفة وادي آش Guadix.
ولما انتهى إلى علم ابن أميّة بقاء الحبقي في معسكر دون خوان ثارت شكوكه، وتحوّلت الشكوك إلى إنكار بعدما عرف أن اتفاق العفو عن الأندلسيين يتضمن بنداً يقضي بإبعاد جميع سكان البشرات عن أماكن اقامتهم على أن يتكفّل الملك برعايتهم في مناطق سكناهم الجديدة. وهنا بعث ابن أميّة إلى دون خوان ينفي موافقته على هذا البند. ولما أجابه دون خوان أن البند موجود في الاتفاق الذي صادق عليه الحبقي ثار ابن أميّة واتهم الحبقي بتجاوز صلاحياته. ولما سمع الحبقي بما حدث خرج من معسكر دون خوان إلى سكناه في بلدة برشل Berchules الجبليّة المطلة على مناظر خلابة في الجنوب، فبعث ابن أميّة جماعته إليه فساقوه الى محل اقامته في مسينه Mecina Bombaron الواقعة إلى الشرق من برشل حيث أعدموه ولفوا جثته بالقش ورموها في واد عميق. ولما استفقد دون خوان الحبقي وعرف بمقتله بعث هرنان بال دي بلاثيوس إلى معسكر ابن أميّة يعرض الصلح فرد عليه: ”لا أمنع قومي من فعل ما يشاؤون لكن ابلغ سيدك انني لن أسلك سبيلهم ما بقي عليّ كساء يستر ظهري. وإن لم يصمد أحد من البشرات فأنا صامد وحدي مفضّلاً أن أعيش مسلماً وأموت مسلماً على أن أنعم بكل ما يمكن ان يقدمه إليّ فيليب الثاني.“ وحين عاد هرنان إلى دون خوان بقرار ابن أميّة بدأ الأخير في إعداد جنوده للقضاء على الثورة، وانتظر موافقة فيليب على إرسال إمدادات عسكرية جديدة لشن الحملة النهائية على الأندلسيين في مملكة غرناطة.
تصفية الثورة الأندلسية الكبرى
بدأت قوات دون خوان والمليشيات أعمالاً عسكرية محدودة استهدفت القرى الأندلسية المنعزلة عاد بعدها الجنود يحملون رؤوس القتلى الأندلسيين أو قضبانهم لاثبات موتهم. وبعدما تحسنت الروح المعنوية لتلك القوات وازدادت جرأتهم قاد دون خوان حملة ضد أججر Ugijar، الواقعة جنوب الطرف الشرقي من جبل شلير، على محورين، إلا أن اندفاعة دوق سيسه كانت أقوى فاجتاح البلدة قبل انضمام دون خوان إليه. ووزع الأخير القوات والمليشيات بعد ذلك على أربعة جيوش فكان هو على رأس جيش من نحو خمسة آلاف جندي نظامي بمهمة إخضاع المناطق الواقعة شمال غرناطة، فيما تولّى ريكويسنس قيادة جيش آخر ينطلق من غرناطة لدخول جبل البشرات من الشمال. وفي الوقت نفسه تولّى دوق سيسه قيادة نحو أربعة آلاف من المجندين لقمع الثورة وسط الجبال، وتسلّم دوق أركوش قيادة الجيش الغربي لقمع الثورة في جبال رندة والاتجاه بعد ذلك إلى الثوار الذين احتموا في قمم الجبال العالية القريبة منها.
وفي بداية أيلول 1570 أمر فيليب الثاني ببدء الحملة فانطلقت الجيوش الأربعة إلى قطاعاتها المحددة رافعة شعاراً مشهوراً أطلقه دون خوان هو: ”لا رحمة ولا هوادة.“. وتصدى الأندلسيون للقوات القشتالية على المحاور الأربعة في المرحلة الأوليّة لكنهم بدأوا التراجع بسرعة والالتجاء إلى المرتفعات. وعمل الجنود على حرق الزرع والشجر وإتلاف المحاصيل فقلّت الأرزاق والماء، وانشغلت مجموعات الثوار بمقاومة القوات كل في قطاعها فانقطعت الاتصالات وانفقد التنسيق بينها. وبعدما أتمّ دون خوان اخضاع المناطق في قطاعه لاحق الأندلسيين في الكهوف والمغاور العالية. وكان الجنود يحاصرون المغاور ويشعلون الأغصان الخضراء في المداخل فربما اختنق المحاصرون وربما خرجوا فتلقفهم رصاص البنادق. ولا نعرف الكثير عن تفاصيل الحملتين اللتين قادهما ريكويسنس ودوق سيسه، لكن دوق أركوش دخل قطاعه في منتصف أيلول تقريباً وتوغل في جبال غربيّة الأندلس حتى اصطدم بتجمع كبير للثوار قرب قلعة اللوز في الجبل الاحمر Sierra Bermeja ودارت معركة عنيفة انتهت بانتصار قوات الدوق وفقد الثوار توازنهم واختلت صفوفهم وتبعثرت جهودهم فانسحبوا في الجملة إلى أعالي الجبال.
ودبّ الخلاف في صفوف قادة الأندلسيين بعد تلك الهزائم وانقسمت الآراء وربما اعتبر بعضهم موقف ابن أميّة سبباً في نكبتهم فقاموا عليه وقتلوه وسلّموا زمام أمرهم إلى زعيم آخر نعرفه باسم عبدالله بن أبيه أو Abén Aboo بالقشتالية. وحاول عبدالله إعادة تنظيم قواته فلم يُتح له الوقت فهرب مع جماعته وحُوصر مع نفر منهم في كهف قرب بلدة برشل. وتمكن عبدالله من الفرار بعد ذلك لكن 70 أندلسياً ظلوا في الكهف وماتوا اختناقاً بالدخان من بينهم زوجة عبدالله وابنتاه. وبحلول منتصف تشرين الأول (اكتوبر) كانت الجيوش الإسبانية الأربعة أنهت مهمتها العسكرية وبدأت ملاحقة الأندلسيين بلا استثناء أينما وجدوا. وتسابق الجنود والمليشيات على اصطياد الأندلسيين وكان أجر كل من أحضر منهم رأس أندلسي أو قضيبه 20 دوقة.
وفي التاسع عشر من تشرين الأول أسبغ فيليب الثاني الشرعية على عمليات الانتقام الواسعة النطاق في الجنوب فأتاح لجنوده السبي والنهب بمرسوم ملكي ورفع رواتبهم. وحان بعد توقف القتال وقت استرداد نفقات الحملات فأصدر الملك فيليب الثاني في الثامن والعشرين من الشهر ذاته مرسوماًًً آخر وجّه فيه بترحيل الأندلسيين المدنيين من الجنوب إلى قشتالة ومصادرة كل ممتلكاتهم. ورحل دون خوان في اليوم التالي بعدما عيّن دوق أركوش حاكماً عسكريا في غرناطة وأوكل إليه مهمة إنهاء الوجود الأندلسي في الجنوب، وكر إلى مدريد حيث استقبله الإسبان استقبال الأبطال الفاتحين.
وبعد تلك المذبحة المروّعة قدّمت السلطات آلاف الأندلسيين إلى المحكمة العليا التي رأسها بدرو دي ديثا فأعدمت قسماً وسجنت قسماً آخر وحرمت آخرين الحريّة فصاروا عبيداً في قشتالة وانتقلت جماعات منهم إلى العالم الجديد. وبحثت السلطات عن آخر زعماء مملكة غرناطة دهراً لكنها لم تجده. وفي آذار (مارس) 1571 كشف أحد اتباع عبدالله للسلطات مكان زعيمه، طمعاً بالسلامة كما يبدو، وانطلق الجنود إليه لكن أحد جماعته استعجلهم فبادر بقتله. وخرج المنادون إلى سكان غرناطة القشاتلة يهنئون بقتل الزعيم الأندلسي فاحتشدوا على بوابتها وجاء الجنود بجثمان عبدالله ابن أبيه موثوقاً إلى إطار خشبي على ظهر بغل فطافوا به المدينة ثم قطعوا رأسه. وتكاثر القشاتلة على الجثمان فشوهوه وحرقوه. أما رأس الزعيم عبدالله فوضع في قفص عُلق على باب البشرات في مدينة غرناطة وكُتب عليه: ”هذا رأس الخائن عبدالله ابن ابيه. ليمتنع الجميع عن إنزاله تحت عقوبة الإعدام.“
وبنهاية الثورة كان معظم الأندلسيين الذين عاشوا في الجنوب مغرّبين أو سجناء أو عبيداً أو أسرى و”صُبغت تلك الأشهر بنهر أحمر قان من الدماء. كان شعار دون خوان: لا رحمة لا هوادة، فذُبح الرجال والنساء والأطفال بأمره وأمام ناظريه، وتحوّلت قرى البشرات الى مسلخ بشري. أما القائد الاعلى ريكويسنس فتمكّن من اخماد آخر جذوات الثورة قبل الخامس من تشرين الثاني 1570 ورتب سلسلة منظمة من الذبح الجماعي والتدمير الشامل وإحراق القرى عن آخرها وخنق الناس بالدخان في الكهوف حيث لاذوا. وتم أخيراً اخضاع الموريسكيين لكن على حساب إسبانيا المسيحية وسمعتها ومستقبلها«.19 وأضحت غرناطة بعد ذلك »مسرحاً للاعدامات شبه اليومية. فبعد أسر الثائرين التعساء كانوا يُجبرون على المثول أمام محكمة دي ديثا، فيصدر عليهم الحكم على الفور بالخدمة في القواديس أو الشنق، أو بنهاية أكثر إرهاباً عن طريق تقطيع أجسادهم بكماّشات ُتحمّى حتى يصبح لونها كالجمر.“
واحتمت جماعات من الأندلسيين بالمرتفعات والمناطق الوعرة التي لم تستطع القوات القشتالية الوصول إليها، وبدأت شنّ هجمات متفرقة على مراكز القوات القشتالية حتى نهاية شهر أيار (مايو) من 1571. وأمر الحاكم العسكري الجديد بتشييد 84 منبراً عسكرياً بينها 29 منبراً في جبل البشرات ووادي القرن Lecrin، كما شدّد الحراسات على مداخل المدن. ولم تشأ السلطات استمرار الوجود العسكري خلال الشتاء فعرضت على بقايا الثوار وعيالهم الاستسلام لقاء تأمين أنفسهم وعيالهم فقبل كثيرون العرض. وبانتصاف عام 1571 انطفأت شعلة الثورة التي استشهد فيها نحو 20.000 أندلسي وأندلسية، وربما كان عدد جرحاها ثلاثة أضعاف هذا الرقم على الأقل، فيما طاولت الإعدامات والاستعباد والشغل في السفن الإسبانية في أعالي البحار عشرات الألوف.
نتائج الثورة الأندلسية الكبرى
في ليل الأربعاء الثاني والعشرين من حزيران (يونيو) عام 1569 دبّت في غرناطة حركة غير عادية إذ تدفقت قوات قشتالية كبيرة على المدينة تحت جنح الظلام وأغلقت أبواب المدينة وضربت حصاراً حول الأحياء الأندلسية. وصباح يوم الخميس الموافق للتاسع من محرّم سنة 977 هجرية بعث دون خوان المنادين إلى رباض البيّازين فأمروا جميع الأندلسيين الغرناطيين ممن تراوح أعمارهم بين العاشرة والستين الاتجاه فوراً إلى أقرب الكنائس إليهم وحذروا بإنزال أشد العقاب بالمخالفين.
وعمّ الخوف البيازين فهرع أعيان الأندلسيين إلى دون خوان للاستفسار عن سبب النداء وأكدوا ولاءهم لفيليب الثاني والتزامهم الحياد واعتراف الحاكم العسكري بهم ”أندلسيي السلم“. وطمأن دون خوان الوفد وشرح أن هدف جمع الرجال هو تعدادهم، وطلب إليهم ضمان تأمين امتثال الأندلسيين للأمر ففعلوا ما أشار به. لكن ما أن دخل الرجال والفتيان الكنائس حتى أغلق الجنود أبوابها وضربوا عليها الحراسات وأبعدوا الأمهات والزوجات اللواتي جئن الكنائس يتوسلن ويبكين من الخوف على أولادهن وأزواجهن وآبائهن.
وفجر يوم الجمعة أمرت القوات القشتالية الأندلسيين بالخروج من الكنائس والاصطفاف في صورة أرتال تحرّكت تحت حراسة مُشددة إلى المستشفى الملكي. وكان دون خوان كتم سبب جمع الرجال الأندلسيين حتى تلك اللحظة إلا أن حادثاً وقع في الطريق أثار خوف الأندلسيين وكشف المصير الذي ينتظرهم إذ لطم أحد الجنود شاباً غرناطياً ليحضّه على الإسراع فاغتاظ الشاب وضرب الجندي بحجر فاندفع الجنود إليه وقطّعوه بسيوفهم على مرأى الأندلسيين، ثم أوثقوهم كلهم بعد ذلك.
وأمضى دون خوان النهار يفرز الأندلسيين فاختار منهم نحو ألفين من العلماء والحرفيين والعالمين في فنون الصناعة والزراعة والبناء، وقسّم الباقي إلى جماعات حُددت لكل منها وجهة مُخصصة لها في قشتالة. وعندها فقط عرف نحو 35.000 غرناطي أن دون خوان كان ينفّذ مرسوماً أصدره الملك فيليب الثاني بتغريب أهل مدينة غرناطة آخذاً بتوصية كل من دون خوان وبدرو دي ديثا. وبعد الانتهاء من تغريب الرجال باستثناء من أمر دون خوان استبقاءهم، انتزع القشاتلة الأطفال من أمهاتهم، وجرى توزيعهم بإشراف الكنيسة على بيوت القشتاليين لإنشائهم نشأة كاثوليكية. وسمح دون خوان للنساء البقاء في غرناطة ريثما يبعن أملاكهن، لكن لا نجد في المصادر التاريخية الإسبانية أي معلومات عما حصل لمعظمهن بعد ذلك.
واتبع فيليب الثاني تغريب أهل مدينة غرناطة بتغريب قسم كبير من سكان مملكة غرناطة بموجب مرسوم خاص أصدره في الثامن والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1570. وأشرف دون خوان هذه المرة أيضاً على أعمال الترحيل التي جرت وفق نظام الترحيل الأول، إلا أن عدد المُغربين كان كبيراً مما اضطره إلى الاستعانة بقوات ريكويسنس ودوق سيسه خوفاً من انفلات الأمور. وفي الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) بدأت أول مجموعة من المُغرّبين الاتجاه إلى منافيها في قشتالة وتبعتها مجموعات أخرى في الاسبوعين اللاحقين.
ثم توالت أعمال التغريب مع استمرار استسلام الأندلسيين ونزولهم أولاً بأول من ملاجئهم في الجبال. ولم ينته دون خوان من مهمته حتى كان عدد الذين غرّبهم في هذه المرّة الثانية نحو 50.000 أندلسي. وانتهى معظم أطفال الأندلسيين المُغرّبين نهاية أطفال مدينة غرناطة فتوزّعتهم الكنيسة والقشاتلة وانقطعت عنهم أخبار آبائهم وأمهاتهم اللواتي لا نعرف أيضاً ما حدث لهنّ بعد نفي أزواجهن وأولادهن إلى الشمال.
ولم يكن هذا مصير الجميع فعندما بدأت الثورة الأندلسية الكبرى كانت غالبية أندلسية تسكن المدن والقرى الواقعة شمال المرية وشرقها مثل طريلة Turrilas وطربال Tarbal ونجار Níjar وأنوش Inox ومجقار Mojácar والقرون Llegaron والمنتزه Mantanza ووبرة Huebro ولقينة Lucainena وغيرها. وعندما اشتدت المعارك احتمت النساء والأطفال في حصن أنوش Peñón de Inox في انتظار فرصة للعبور إلى المغرب لكن جماعات من المرتزقة الأوروبيين والقشاتلة والأرغونيين سمعوا بوجودهم فنزلوا عليهم وسبوا نحو ثلاثة آلاف امرأة وطفل.
وعادت السلطة بعد تغريب معظم سكان مملكة غرناطة الأندلسيين فنفت جزءاً كبيراً من سكان المرية حتى تقلّص عدد سكانها عام 1571 إلى نحو سبعة آلاف فقط. وسعت السلطات إلى محاولة إعمار تلك المناطق بالمهاجرين القشاتلة وغيرهم إلا انها لم تجد إلا عدداً قليلاً، ولم تستعد هذه المناطق بعض حياتها السابقة إلا بعد نحو 100 عام من نفي سكانها الأندلسيين.
ونجد في التاريخ حالات لا تحصى من انزال العقوبات الجماعية والتجريم بالإرتباط لكنّ الإسبان فعلوا ذلك بمجموعة من القوانين والمراسيم الملكية القراقوشية العجيبة. ففي الرابع والعشرين من شباط 1571 صدرت مجموعة أوامر معروفة باسم ”مجموعة القوانين المحلية الخاصة بمملكة غرناطة“ Ordenanzas de Granada قُدم لها بالآتي: »لا يجب أخذ الموريسكيين الذين لم يشاركوا في العصيان بجريرة العاصين، وعلينا ألا نرغب في ايذائهم. لكن لن يستطيع هؤلاء من اليوم استغلال أراضيهم لأن محاولة فصل الأبرياء عن المذنبين مهمة بلا نهاية. وسنعمل بالتأكيد على تعويضهم في المستقبل، لكن أملاكهم ستُصادر في الوقت الراهن مثلهم في ذلك مثل الموريسكيين الثائرين«22. ولم يُعوض أندلسيو السلام عن مصادرة أملاكهم التي ذهبت لتغطية نفقات الحرب المُقدّرة بنحو 100 مليون دولار بعملة أميركا اليوم، ومع ذلك نرى في موقف القشتاليين من هذا القانون استهجاناً صارخاً فاعتبروا ما جاء فيه تسامحاً عن الأندلسيين لا يسوّغه العقل.
وسعت القوانين والمراسيم التي اصدرتها الحكومة بعد إنهاء الثورة إلى منع عودة الأندلسيين إلى أرضهم وأعادت تشديد القيود المفروضة عليهم. ومن تلك المراسيم مرسوم شرير صدر في السادس من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1572 حرّم على الأندلسيين التخاطب بالعربية أو الكتابة بها، وحدد عقوبة المخالفة الأولى للمرسوم بالسجن مع التكبيل بالحديد مدة 30 يوماً، وضعفي المدة في المخالفة الثانية، والخدمة أربع سنوات في القواديس مع 100 جلدة في حال المخالفة الثالثة. وجاء في المرسوم أن العثور على وثيقة عربية أو صفحة مكتوبة بالعربية سيعرّض صاحبها للخدمة في القواديس (نوع من السفن السائدة آنذاك) أربع سنوات بعد توقيع 100 جلدة بحقه. وألغى المرسوم أي قيمة قانونية لأي وثيقة أو صك مكتوب بالعربية، وحدد عقوبة جميع المسؤولين عن مثل تلك الوثائق أو الصكوك بمئتي جلدة والعمل سخرة في القواديس ست سنوات. وتضمن المرسوم عدداً كبيراً من الممنوعات والمحظورات إلا أن أعظم العقوبات كانت بحق الأندلسيين الذين يتركون المناطق السكنية المحددة لهم بعد نفيهم. إذ جاء في المرسوم أن عقوبة القبض على أي أندلسي يراوح سنه بين العاشرة والسابعة عشرة في أي مكان دون عشرة فراسخ (نحو ٥٥ كيلومتراً) من غرناطة سيعرّضه إلى عقوبة الشغل في القواديس بقية أيام حياته. وإذا كان عمره فوق ذلك ستكون عقوبته الإعدام. وألزم المرسوم الأندلسيين بضرورة إبلاغ السلطات بفرار أي أندلسي من المنطقة الجديدة المحددة لسكناه. وإذا تخلّفت أي أسرة عن تقديم مثل هذا البلاغ إلى السلطات فإن عقوبة أفرادها ستكون السجن مدة شهر واحد والجلد بغض النظر عن نوع صلة الأندلسي الفار بهذه الأسرة.
توزّع الأندلسيين بعد الثورة الكبرى
يوجد موقف قريب من الإجماع لدى الكتّاب الذين ألفوا في أحوال الأندلسيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر على اقتراح تقديرات تضع عدد الأندلسيين بين ملايين عدة وأقل من 300 ألف شخص، إلا أنني أميل شخصياً إلى الأخذ بتقديرات الاقتصاديين الذين تناولوا هذا الموضوع الكارثي والغني والمثير في آن مقارنة بمؤرخين محدثين اعتمدوا مجموعة من الوثائق القشتالية غير المشهورة بدقتها يقترب عمرها من قرنين ونصف القرن. وعلى رغم تراكمية القيود التي فرضتها السلطات القشتالية على الأندلسيين، وتضافر جهود السلطة والكنيسة ومعظم القشاتلة في مراقبتهم واضطهادهم لم تكن مملكة فيليب الثاني، كما لم تكن مملكة أبيه كارلوس الخامس من قبله، مثال التنظيم والدقة فسادتها الفوضى والرشوة والفساد والتعثّر مثلها مثل غيرها. ووجد الأندلسيون سهلاً الحصول في بعض الحالات على الوثيقة التي يريدونها إذا كان لديهم المال لدفع الثمن. ولا ننتقص من نضال الأندلسيين واستماتتهم دفاعاً عن أهلهم ودينهم وعروبتهم إن خلصنا من متابعة المتوافر من المعلومات عن الثورة الأندلسية الكبرى إلى الاستنتاج بوجود حالات واضحة من غياب الانضباط والنظام في صفوف القوات القشتالية، لذا لم يكن عبور الأندلسيين إلى العدوة مستحيلاً في كل الأوقات، ولم تتوقف حركة الأندلسيين عبر مضيق جبل طارق قبل تسليم غرناطة ولا بعدها. وعلينا الافتراض أن تهريب الناس في تلك المرحلة جرى في الصورة التي يجري عليها في أيامنا هذه، وكان للكثيرين نشاطاً مجزياً لا يمكن السيطرة عليه بسهولة لأن جماعات من السلطة كانت تستفيد من هذا النشاط وتحمي أصحابه. وما ينطبق على الأندلسيين في مملكة غرناطة ينطبق على الأندلسيين في قشتالة وأرغون. وعلينا الافتراض أن هؤلاء كانوا يستطيعون دائماً عبور الحدود إلى جنوب فرنسا ومنها إلى إيطاليا فالعدوة وغيرها، أو الحصول على الأوراق الرسمية المدفوعة الأجر أو المزوّرة التي تسمح لهم بمغادرة البلاد.
ونعرف من وثائق كثيرة أن السلطات لم تحظر دائماً تنقّل الأندلسيين بين غرناطة وأرغون وقشتالة، ولم تكن تستطيع أن تفعل شيئاً مثل هذا أصلا بالنظر إلى اشتغال الأندلسيين بالنقل خصوصاً على البغال والعربات الصغيرة، لذا لا يُستبعد نشوء عمليات هجرة داخلية محدودة في اتجاه أرغون بين الوقت والآخر تبعاً للظروف. وهناك سببان مهمان يمكن أن يفسّرا جانباً من التباين الملفت في تقديرات عدد الأندلسيين في أي مرحلة من مراحل وجودهم في إسبانيا سنتناولهما بشيء من التفصيل في فصل ”تغريب الأندلسيين“. وحسبنا الإشارة هنا إلى أنهما يخصّان عدد الأندلسيين الذين سلبتهم السلطات حريتهم فصاروا عبيداً فخرجوا من دائرة الاحصاءات والتقديرات الرسمية ذات الغاية الضرائبية، وعدد الأندلسيين الذين تمكّنوا من الهجرة إلى الممالك الإسبانية في العالم الجديد بوسائل شتّى بينها تزوير الوثائق والأنساب وتستّر النبلاء والتجار الكبار على الأندلسيين. ويمكن الافتراض ان هؤلاء عملوا في حالات كثيرة بأجور تقل عن الأجور التي كان القشاتلة يتقاضونها نظراً إلى الأوضاع السلبية الخاصة التي كانوا يعيشونها. واشرنا في غير مكان إلى ان التقديرات الخاصة بعدد الأندلسيين في مملكة غرناطة بعد الثورة الأندلسية الأولى راوحت بين 200 ألف و500 ألف شخص حتى بعد إخضاع هذه التقديرات إلى المعاملات المُساقة أعلاه (هجرة وتهريب واستعباد وغيره). وربما تعدّى عدد الأندلسيين الذين غرّبهم فيليب الثاني خلال الحرب الأندلسية الكبرى وبعدها 900 ألف شخص، يُضاف إليهم نحو 20 ألف أندلسي وأندلسية استشهدوا في المعارك. ولا نعرف عدد الجرحى والمرضى والطاعنين في السن وغيرهم ممن لم تستطع السلطات ترحيلهم من مدينة غرناطة أو من مدن الجنوب وبلداته وقراه، ولا نعرف عدد النساء اللواتي بقين في مملكة غرناطة بعد نفي رجالهم وسبي أطفالهم لكن بعض التقديرات يشير إلى أن عدد الأندلسيين الذين بقوا في مملكة غرناطة حتى بعد إتمام التغريب المزدوج يراوح بين 60 ألف شخص و150 ألف شخص. ويبدو حتى الرقم الأدنى كبيراً بالنظر إلى اصرار السلطات على منع قيام ثورة أخرى في الجنوب مهما كان الثمن، وموافقة فيليب الثاني على انتقال 50000 قشتالي لأخذ الأماكن التي أجلي الأندلسيون عنها.
لكن يجب الأخذ في الاعتبار طبيعة الانتاج الزراعي والصناعي وطرائقه في الجنوب التي حتّمت بقاء أعداد كافية من الأندلسيين لضمان استمراره. وأحد أسباب ذلك أن القشاتلة تجنّبوا الأعمال اليدوية وافتقر عدد كبير ممن انتقلوا إلى الجنوب إلى المهارات اللازمة للتعامل مع ظروف تختلف عن تلك التي عهدوها سابقاً. وتطلّب العامل القشتالي الماهر أجراً يتناسب وخبرته وقشتاليته أيضاً مما كان سيرفع تكاليف الانتاج وسيقلص الأرباح التي كان يجنيها النبلاء والملاك الكبّار الذين وجدوا في الأندلسيين عمالة رخيصة قليلة الشكوى وكبيرة الانتاج. وهكذا نجد لدى استعراض الوضع الإقتصادي في غرناطة بعد الثورة الكبرى أن اقتصاد المملكة تأثر كثيراً بتغريب الأندلسيين وقتلهم، إلا ان هذا التأثر لم يقترب من حد كارثي أو حتى الانهيار، وربما كان أحد أهم أسباب ذلك بقاء العدد المُشار إليه في مناطق الإنتاج.
وبينما استمر عدد الأندلسيين في مملكة أرغون ينمو في العموم نمواً طبيعياً من إجمالي قُدّر في بداية القرن السادس عشر بحوالى 235000 شخص ليصل إلى رقم محتمل هو 400000 ألف، فإن عدد الأندلسيين الذين كانوا يعيشون في قشتالة في تلك الفترة ذاتها قُدّر بنحو 200 ألف شخص، وربما وصل الى 400 ألف شخص عام 1569 على اساس احتساب زيادة سنوية في عدد السكان بنسبة واحد في المئة ليتضاعف العدد مرتين كل 70 سنة. وربما كان العدد يقترب من نصف مليون إذا أخذنا في الاعتبار سببين: الأول اشتهار الأندلسيين بكثرة الإنجاب وقلة الإنفاق، وهو موقف طبيعي لمن يعيش الأوضاع التي عرفها الأندلسيون، والثاني انضمام نحو 90 ألف منفي إلى العدد الأصلي. ومع الاعتراف بوجود هامش كبير من الخطأ في هذه التقديرات، ربما كان ممكناً تقدير عدد الأندلسيين في كل من أرغون وقشتالة ومملكة غرناطة بنحو مليون شخص على الأقل حتى بعد إخماد الثورة الأندلسية الكبرى على يد دون خوان النمسوي.
الأندلسيون في أرغون بعد الثورة الكبرى
سنتحدث عن الأندلسيين في أرغون بتفصيل أكبر في فصل لاحق، لكن أود الإشارة هنا إلى أن هؤلاء لم يشتركوا مباشرة في الثورة الأندلسية الأولى ولا في الثورة الأندلسية الكبرى، ولم تنسحب عليهم بنود المراسيم التي أصدرها فيليب الثاني قبيل اندلاع الثورة أو خلالها وبعدها. ومدّ الأندلسيون الأرغونيون إخوانهم في غرناطة دائماً بالمتطوعين والمال والسلاح وأظهروا تعاطفاً معهم وغضباً على السلطة بسبب معاناتهم، لكن أي مشاركة مكشوفة كانت ستعرض مصالح الأندلسيين الأرغونيين إلى مخاطر عظيمة تهزّ مجتمعهم من أساساته.وشاع في المجتمعات الإسبانية في مملكة أرغون خلال الثورة الأندلسية الكبرى أن الأندلسيين الأرغونيين بدأوا استعدادات واسعة النطاق لتنظيم انتفاضة مماثلة، ودخلوا مرحلة جمع الأسلحة والتدرّب على القتال، فسارع كثيرون من المسيحيين في أرغون إلى خطب ودّ الأندلسيين، وكان السعيد منهم وقتها من كان له صديق أندلسي.
ووراء هذه المخاوف ما يسوّغها إذ على الرغم من قلة عدد الأندلسيين الأرغونيين في المدن الأرغونية الرئيسية، باستثناء بلنسية ومرسيّة. وكانت الكثافة الأندلسية عالية في الأرياف، وربما اقتصر الوجود النصراني في قرى كثيرة على القسيس وخادمه فقط.ويبدو أن جماعات من الأندلسيين الأرغونيين ظلت تحتفظ بأسلحة نارية. وحدث مرات عدّة أن جاء عمّال محاكم التحقيق إلى قرية أندلسية فخرج إليهم الرجال بالسلاح والنساء بالعصي فانهزموا. ووعت السلطات الأرغونية حقيقة قوة الأندلسيين في تلك المملكة فعملت على عزل ما حدث في الجنوب عن الأندلسيين في أرغون وأبقت الأخبار سراً. أما السلطة في مدريد فقصرت المناطق التي نفت إليها الأندلسيين الغرناطيين على القشتالتين القديمة والجديدة وجليقية، وحظرت اختلاطهم أو اتصالهم مع غيرهم من الأندلسيين من خلال فرض الإقامة الجبرية عليهم بموجب مرسوم فيليب الثاني، واخضاعهم إلى مراقبة دائمة من جانب السلطات والكنيسة والقشتاليين الذين حلّوا بينهم.
للاطلاع على الهوامش يرجى التفضل بالعودة إلى الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.