دراسات أندلسية

الاسلام في اسبانيا والبرتغال – تاريخ سياسي للاندلس
المؤلف: هيو كنيدي.
الناشر دار لونغمان – لندن.
راجعه: أمين توفيق الطيبي *
مؤلف الكتاب هيو كنيدي هو أستاذ التاريخ الاسلامي بجامعة سنت أندروز في اسكتلندا، يقول في مقدمته ان الكتاب يستهدف تقديم عرض للتاريخ السياسي للاندلس، أي تلك الأجزاء من شبه جزيرة ايبرية التي كانت تحت حكم المسلمين ما بين سنة 92هـ/711م (سنة بدء افتتاح الاندلس) وسنة 897هـ/1492م، سنة سقوط مملكة غرناطة، آخر دولة اسلامية مستقلة في الاندلس.
ويضيف المؤلف: “انني لا أعني بالتاريخ السياسي سرد أخبار الحكام والمعارك – مع أهميتها – بل أعني كذلك فهم الكيانات وراء الأحداث والقرارات السياسية، وأهم هذه الكيانات الأسر الحاكمة، من أين قدمت؟ ومن كان أهم مؤيديها؟ وكيف حاولت تلك الأسر الحاكمة أن تجد تبريراً وشرعية لمزاولة الحكم”.
يشتمل الكتاب (308 صفحات من القطع المتوسط) على أحد عشر فصلاً تتناول فترات الفتح، وعصر الولاة، وفترة الإمارة الأموية، والعصر الذهبي لخلافة قرطبة الأموية، والدولة العامرية، وسقوط خلافة قرطبة، وقيام ممالك الطوائف، وفترتي المرابطين والموحدين، ومملكة بني نصر (بني الأحمر) في غرناطة. وألحق بالكتاب خريطتان: احداهما للاندلس، والثانية لبر العدوة (المغرب الأقصى). كما ألحقت بالكتاب جداول بأسماء الولاة والأمراء والخلفاء الأمويين، وسلاطين المرابطين والموحدين، وسلاطين بني نصر في غرناطة. ويختتم الكتاب بثبت للمصادر العربية (35 مصدراً)، وأهم المراجع الحديثة باللغات الأوروبية (90 مرجعاً)، وبفهرس للاعلام وأسماء الأماكن.
ان الفترة من تاريخ الأندلس من سقوط اشبيلية في أيدي النصارى سنة 646هـ/1248م الى سقوط غرناطة سنة 897هـ/1492م فترة يكتنفها كثير من الغموض ولم تنل حظها من اهتمام الباحثين والمؤرخين الذي انصب جل اهتمامهم على القرون الخمسة الأولى من تاريخ الأندلس ابتداء من الفتح العربي الاسلامي للبلاد. وقلّما نجد مؤرخاً عربياً أولى الفترة المتأخرة من تاريخ الأندلس اهتماماً جاداً معمقاً، وكذلك الحال بالنسبة الى المؤرخين الأوروبيين الذين تناولوا الفترة بصورة جانبية مهمشة عند تأريخهم لاسبانيا، مركزين على الجانب المسيحي الاسباني من تاريخها.
ان مما يميز هذا الكتاب انه خصص نحو نصف الكتاب لالقاء الضوء على تلك الفترة الغامضة، فتناول بإسهاب فترتي حكم المرابطين والموحدين (القرنان السادس والسابع الهجريان/ الثاني عشر والثالث عشر للميلاد) معتمداً – وهو مستعرب – على المصادر العربية التي عُثر عليها ونُشرت في السنوات الأخيرة، وفي مقدمها كتاب “المعجب في تلخيص أخبار المغرب” لعبدالواحد المراكشي، وكتاب “المن بالإمامة” لابن صاحب الصلاة، وكتاب “البيان المغرب” (القسم الخاص بالموحدين) لابن عذاري المراكشي. وعلى ذلك، فإن هذه الفصول من الكتاب مساهمة قيّمة ومهمة للدراسات العامة الحديثة عن الأندلس باللغة الانكليزية. وفي الكتاب ترجمات حية من المصادر العربية، ويبحث المؤلف بالتفصيل في طبيعة هذه المصادر وقيمتها. ويختتم المؤلف كتابه بفصل قصير عنوانه “ودعاً للاندلس”، وفيه يحلل العوامل التي أدت – في رأيه – الى ضعف المسلمين وسقوط الأندلس في آخر الأمر. ومن بين هذه العوامل ما هو ديموغرافي (ازدياد عدد النصارى)، ومنها ما هو استراتيجي، فضلاً عن الفرقة في صفوف المسلمين، وتفوق خصومهم التكنولوجي في مجال السلاح وقصور المسلمين في التمكن من أخذ أو استرداد المدن المسوَّرة كطليطلة ولشبونة، واستبعاد معظم الاندلسيين عن الخدمة في الجيش منذ أيام الخليفة عبدالرحمن الثالث (الناصر لدين الله) والمنصور محمد بن أبي عامر (القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي)، والاعتماد على عناصر من غير أهل البلاد في الدفاع عنها.
ان هذا الكتاب سيكون عوناً كبيراً للباحثين الأوروبيين في تاريخ القرون الوسطى. فهؤلاء الباحثون يعتمدون الى حد كبير على المصادر المسيحية التي تركز على حركة الاسترداد (reconquista). ان تاريخ الأندلس – وهي الدولة الاسلامية الوحيدة التي عاشت أمداً طويلاً في غرب أوروبا – أهمل كثيراً اذا ما قورن بتاريخ الممالك المسيحية المجاورة لها في القرون الوسطى. لقد عاشت الاندلس الاسلامية ثمانية قرون، وفي حواضرها الكبرى ازدهرت الحضارة ازدهاراً فاق كثيراً ما كانت عليه الحال في أوروبا المسيحية المعاصرة، فضلاً عن الدور الكبير الذي كان للاندلس في نقل العلوم والمعارف والثقافة والتكنولوجيا العربية الى الغرب. وعلى ذلك، فإن الاندلس – بفضل هذا الكتاب – سوف تحتل المكان اللائق بها لدى الباحثين الغربيين عند دراسة التاريخ الأوروبي في فترة القرون الوسطى.
* أستاذ جامعي فلسطيني في اكسفورد
“مسالك المرابطين والموحدين الثقافية”
في كتاب طرقات التجارة والحروب والثقافة بين المغرب والأندلس
عرض رلى الزين
“مسالك المرابطين والموحدين الثقافية: المغرب وشبه الجزيرة الايبيرية”، عنوان لكتاب شامل صدر باللغتين الاسبانية والفرنسية عن “مؤسسة التراث الاندلسي” التي ترعى منذ سنة ٥٩٩١ مشروعاً ثقافياً مهمّاً ينص على تقديم تراث الاندلس من خلال المعارض والكتب، وعلى تطوير السياحة الثقافية من خلال رحلات تاريخية وإنشاء مراكز استقبال ومعلومات للجمهور في مختلف أنحاء الأندلس.
ويدخل مسار المرابطين والموحدّين في إطار برنامج نشر واسع، فقد صدر لغاية اليوم عن “مؤسسة التراث الاندلسي” في غرناطة حوالى عشرين كتاباً ودراسة عن تراث الاندلس، منها : “الأندلس والمتوسط”، و”الموسيقى والشعر في جنوب الاندلس”، و”منازل وقصور الاندلس في القرنين الثاني عشر والثالث عشر”، و”السوق: الحياة الاقتصادية والفنون التقليدية في الاندلس وفي المغرب”، و”ميراث الأندلس العلمي”… ومعظم هذه الكتب نشر باللغة الاسبانية فقط في حين ترجم “مسالك المرابطين والموحدين الثقافية” الذي يقع في ٠٠٥ صفحة الى اللغة الفرنسية، كما صدر كتيّب بالعربية يقدّم ملخّصاً للمعلومات الغزيرة الواردة في الطبعتين الاسبانية والفرنسية. وقد تمّ إنجاز الكتاب بفضل التعاون بين محافظة الأندلس الإسبانية ووزارة الشؤون الثقافية المغربية ومنظمة الـيونيسكو.
أشرف على العمل، الذي أُنجز بطبعة أنيقة ويحتوي على الصور الملونة الحديثة وبعض الصور القديمة من القرن التاسع عشر والخرائط والهوامش وبيبليوغرافيا كاملة، خيرونيمو باييز لوبيز من الجهة الاسبانية وحميد التريكي من جهة المغرب، وساهم في اعداده عدد كبير من المؤرخين والاختصاصيين في الموضوع.
صدر الكتاب في جزءين: الأوّل مخصّص للمغرب وأربعة مسارات فيه (حول مراكش، ونحو فاس، وعبر سهول الاطلس، وبإتجاه المضيق)، والثاني مركّز على شبه الجزيرة الايبيرية وثلاثة مسارات فيها (من المضيق الى غرب الاندلس، وعبر الوادي الكبير والهضاب، ونحو شرق الاندلس). ويعيدنا الكتاب في رحلة تاريخية ممتعة الى القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، الى دولة المرابطين والموحدّين ذات النفوذ الواسع التي شملت، إضافة الى شبه الجزيرة الايبيرية والمغرب، السنغال وموريتانيا ومالي.
وكان البكري، الجغرافي الاندلسي، سجّل في حديثه عن مسالك القوافل التجارية التي كانت تربط وادي درعة بما عُرف ببلاد الزنج عبر اودغشت في موريتانيا، أخبار نشوء سلطة المرابطين وأحوال وعادات تلك القبيلة. ففي الوقت الذي وضع البكري مؤلفه بحدود العام 1068، كان قد تشكّل بقيادة قبيلة لمتونية إتحاد للقبائل الصحراوية القوية أسندت فيه الشؤون العسكرية بيد اللمتوني ابي بكر بن عمر والشؤون الدينية للمغربي عبدالله بن ياسين من أجل نشر الدعوة التي اعتمدتها القبائل المتحدة. وكانت شجّعتهم المثل الدينية والسعي الى تعميق ونشر سُنّة الإسلام، وكذلك إرادتهم الثابتة من أجل السيطرة على طريق القوافل المتاجرة بالذهب وهي الطريق التي كانت تربط بين المغرب والسنغال من جهة والبحر الابيض المتوسط من جهة أخرى.
ويقول المشرفون على الكتاب في المقدمة : “مسالك المرابطين والموحدين… هل بمقدورنا وصفها دون الاشارة الى ما كان يسمّى العدوتين؟ فعلى جانبي المضيق كانت المسالك تتعاقب وتتقاطع ناسجة روابط بين البشر يصعب وصفها. من هذه الاتصالات المتعدّدة، إن كانت تحالفات أو مواجهات، تجاوز الجوهري صدامات التاريخ: خلفية ثقافية وفنيّة مشتركة وأسلوب في الحياة خاص جداً. ولكن، في أي نقطة كانت تتلاقى مسالك ذلك العهد؟”
وللإجابة عن هذا السؤال، قدّم العاملون على الكتاب نصوصاً تفصيلية وصوراً عدة للآثار والمباني التاريخية التي تعود الى تلك المرحلة، سواء في المغرب او في الاندلس، وكانوا باشروا في أبحاثهم انطلاقاً من خارطة العالم التي وضعها الادريسي في منتصف القرن الثاني عشر. فبعد تفحصّهم الدقيق لها إبتداء من مراكش، عاصمة المرابطين والموحدين، اكتشفوا محورين من المسالك المتّجهة من الجنوب الى الشمال.
كان المحور الأوّل يمتّد عبر السهول المنبسطة عند أقدام جبال الأطلس منطلقاً من اغمات أو من مراكش، يخترق تادلا متوجهاً نحو مكناس وفاس حتى يصل الى موانىء سبتة والقصر الصغير وطنجة. وبعد ذلك كانت تبدأ مسالك الاندلس انطلاقاً من الجزيرة الخضراء. وأطلق المشرفون على العمل اسم “مسالك المرابطين” على هذا المحور لأنه كان في عهدهم طريق القوافل التجارية التي كانت تربط افريقيا جنوبي الصحراء بشواطىء البحر الأبيض المتوسط عبر طريق سجلماسة التي كانت بمثابة رأس الجسر لتجارة اعتمدت على الذهب الافريقي.
وأمّا المحور الثاني، فيعبر السهول الأطلسية وينحرف تجاه موانىء آسفي وطيط وآزمور وآنفا وفضالة والرباط التي أنشأها الموحدون، وسلا التي بدأ ازدهارها آنذاك. ويتابع مساره بعد ذلك نحو القصر الكبير، النقطة التي تربط طنجة وموانىء المتوسط مع شبكة مسالك فاس. وساهمت الحاجة الى تزويد مدن الاندلس بالحبوب والمواشي وغيرها من المواد الخام في مضاعفة التبادل عن طريق البحر بين موانىء المغرب على المحيط الأطلسي وموانىء جنوب الاندلس. وسُميّ هذا النسيج من الطرقات بـ”مسالك الموحدين”، ذلك ان التنقّل عبره أصبح أكثر أماناً بفضل تغلّب الموحدين على إمارة برغواطة التي كانت حاجزاً بين سهول الأطلس الشمالية والجنوبية.
ومع تقدّمها شمالاً، تعبر مسالك المرابطين والموحدين مضيق جبل طارق وتدخل الأراضي الإسبانية بادئة في السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة الايبيرية ومدن المضيق، مفتاح الإتصال بين المغرب والأندلس، كالجزيرة الخضراء ثم أركش وشريش لتصل بعد ذلك الى مدينة اشبيلية، أكبر مراكز الأندلس والتي أصبحت عاصمة الموحدين بالتوازي مع مراكش. وتستمرّ فيما بعد لتصل الى لشبونة في البرتغال.
وأمّا الطريق الرئيسية للإتصال ما بين الوادي الكبير وهضاب قشتالة فهي المسار التاريخي لتحرّك الجيوش والحضارات في ذهابها وإيابها الذي يبدأ في قرمونة ويدخل استجة ليصل بعد ذلك الى قرطبة ويخترق ضواحيها صعوداً الى أعالي الوادي الكبير عابراً أرجونة واندوجر وحيّان، ويمضي قدماً الى مناطق غنية بالآثار كقلعة بني سعيد وبياسة وابذة… ومن جهة أخرى، تتشعّب من مضيق جبل طارق طريق مهمة جداً بالنسبة الى المرابطين والموحدين في دخولهم الى بلاد الاندلس، وهي تتجّه نحو الشرق والشمال فيعبر الجزء الأوّل منها مدناً استمرّت في ولائها لمملكة غرناطة، آخر المعاقل الإسلامية في الاندلس: رونده ومالقة وغرناطة والمرية التي كانت – حسب الادريسي – مدينة الأندلس الرئيسية في عهد المرابطين. ويتابع فرعها الآخر بإتجاه ما سماه المسلمون شرق الأندلس ، الى منطقة انتشرت فيها الحواضر والقلاع والموانئ لتبلغ بلنسية، المركز التجاري المزدهر على ساحل البحر الابيض المتوسط ذا الكثافة السكانية الكبرى في تلك المرحلة. وأخيراً، تقترب الطريق من الحدود الشرقية والشمالية لما كان الاندلس ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر: جزر البليار في المتوسط كحدود بحرية، ونحو الداخل مدينة قونقة التي كانت وسيطاً بين مراكز السلطة في هضبة المنجى وشرق الاندلس. من مدينة الى مدينة، ومن منطقة الى أخرى، من المغرب الى الأندلس، ينقلنا الكتاب في مسار طويل الى مرحلة مهمة من التاريخ، ويقدّم – إضافة الى المعلومات التاريخية الدقيقة – تفاصيل عن التبدلات التجارية والثقافية، وعن الانجازات المعمارية والفنية والعلمية، وعن الرجال الذين لعبوا دوراً بارزاً فيها، وفي مقدمهم ابن رشد.
بحوث مؤتمر “التأثير العربي على أوروبا العصور الوسطى” في كتاب
القاهرة – سامي كريم
صدرت عن دار “عين” للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية في القاهرة الترجمة العربية لكتاب “التأثير العربي على اوروبا العصور الوسطى”، ويتضمن أوراق مؤتمر نظمه قسم الدراسات الخارجية في جامعة أوكسفورد من ٦ إلى ٨ نيسان (ابريل) 1990 تحت العنوان نفسه.
وقام بتعريب الكتاب الدكتور قاسم عبده قاسم رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب – جامعة الزقازيق المصرية. ويتضمن الكتاب سبعة أبحاث أعدها خصيصاً للمؤتمر سبعة باحثين، تكتفي – كما يشير محررا الطبعة الانكليزية ديونيسيوس آغيوس وريتشارد هيتشكوك – بتوضيح بعض الطرق غير العادية التي تمت بها تجربة تأثير العرب والاسلام على أوروبا الكاثوليكية في العصور الوسطى.
والمواضيع التي يتضمنها الكتاب لا ترصد الاتصال والتفاعل بين العرب وأوروبا خلال فترة العصور الوسطى في شبه الجزيرة الأيبيرية وحدها، على رغم أنه كان واضحاً أن بلاد الأندلس لعبت الدور الرئيسي في نقل مادة ذلك الاتصال، ولكن أيضاً في منطقة حوض البحر المتوسط الأكثر إتساعاً، والتي لم يكن دورها أقل أهمية. ويشار في هذا الصدد الى أنه كانت هناك أدبيات هائلة الحجم وتأثير ثقافي في كل من صقلية وايطاليا. وفي المجالات العلمية كانت المعرفة العربية منتشرة على نطاق واسع، كما أنها اخترقت الأديرة منذ القرن العاشر.
ورتبت الأبحاث في الكتاب – كما يشير المحرران – وفق نظام قُصد به أن يعكس الحركة من شرق المتوسط عبر صقلية وايطاليا الى الأندلس.
ويشير الدكتور قاسم في تقديمه للطبعة العربية الى أن القرن الحادي عشر كان بالنسبة الى الأوروبيين عصر اكتشاف “الآخر”، وكان هذا “الآخر” بالنسبة الى أوروبا هو الامبراطورية البيزنطية من ناحية والعالم الاسلامي من ناحية أخرى. وكان المسلمون يمثلون “الآخر” الغائب الحاضر دائماً، فهو العدو المخيف والمكروه بالنسبة الى أبناء الغرب الكاثوليكي، وهو الجار المتقدم الراقي “المحسود” في الأندلس وصقلية وبلاد الشام ومصر وشمال افريقيا. وكانت الحروب الصليبية ضد المسلمين في فلسطين والشرق العربي والمغرب العربي من ناحية، وضد الدولة البيزنطية المسيحية من ناحية أخرى، محاولة عنيفة من قبل الغرب الكاثوليكي للخروج من جلد أوروبا الضيق.
والدراسة الأولى التي يتضمنها الكتاب عنوانها “دور التجارة في الاتصال الاسلامي – المسيحي خلال العصور الوسطى”، أعدها داود أبو العافية المحاضر في تاريخ البحر المتوسط في جامعة كامبردج.
أما الدراسة الثانية فهي لدونالد هيل، وهو من الكُتاب المشاركين في “دائرة المعارف الاسلامية”، وتحمل عنوان “التكنولوجيا العربية الراقية وتأثيرها على الهندسة الميكانيكية الأوروبية”.
وتحمل الدراسة الثالثة عنوان “تأثير المشغولات المعدنية في منطقة البحر المتوسط العربية على مثيلاتها في أوروبا العصور الوسطى” أعدها جيمس آلان، وهو محاضر جامعي في الفن الاسلامي عمل في متحف “اشموليان” في أوكسفورد منذ 1966
وتناولت الدراسة الرابعة موضوع “الأصول الاسلامية للكوميديا الإلهية لدانتي”، وأعدها فيليب كيندي، وهو باحث في مجال الشعر العربي القديم.
والدراسة الخامسة موضوعها “الحدود المسيحية – الاسلامية في الأندلس: الفكرة والحقيقة”، وهي من إعداد الباحث الأسباني إدوارد مانزانو مورينو.
أما الدراسة السادسة فتحمل عنوان “طريقة إسلامية في التنجيم في أسبانيا” لتشارلز بورنيت الباحث في تاريخ التأثير الاسلامي على أوروبا في معهد واربورغ في جامعة لندن.
وحملت الدراسة الأخيرة عنوان “الغلمان والنساء والسكارى: هل هناك تأثير أسباني – موريسكي على الأغنية الأوروبية؟”، وهي لدافيد ولستان الاستاذ في جامعة ويلز.
العرب لم يغزوا الأندلس
تأليف: اغناسيو أولاغي
ترجمة: الدكتور اسماعيل الأمين
عرض عادل سعيد بشتاوي
لعل البعض من قراء خفيف التاريخ الاندلسي يتساءل وهو يقلب كتاب “العرب لم يغزو الاندلس” لماذا يصرف باحث مهم مثل الدكتور اسماعيل الأمين أربع سنوات من عمره يستقرئ ويحقق ويترجم كتاباً عن الاندلس لم يسمع به الدكتور إحسان عباس حتى لو كان كاتبه (اغناسيو اولاغي) ينتمي الى الجنسية الاسبانية!
الا ان هذا التساؤل لا معنى له عندما نكتشف ان الكاتب وضع مؤلفه الاصلي تحت عنوان “الثورة الاسلامية في الغرب” فتلقفه فرنسي معجب يدعى جان بايرت فقدمه ولخصه بالفرنسية ثم جاء الكتاب بالعربية نتاج فكر الاثنين وان كان الدكتور الامين أعلمني انه عاد الى الكتاب الاصل في مرحلة لاحقة ليتحقق منه ويثبت بعض افكاره.
وعلى رغم انني لم اطلع على الكتاب الاصل ولم اسمع بمؤلفه خلال اعداد دراسة عن المواركة في اسبانيا، فانني اميل الى اكبار عمل الدكتور الامين الذي وجد الكتاب “مؤلفاً صعباً موجهاً للمختصين” فاستخدم معلومات ومقدمات ومنهج المؤلف لـ”تبسيطه وتوضيبه وتنقيته وتلخيصه” كي ينقل الفكرة التي يريد الدكتور الامين نقلها.
وقبل ان نستعجل الحكم على الدكتور الامين ونتهمه ظلما بوضع اسمه حيث وجب وضع اسم “اولاغي” لابد ان نعود الى التسويغ الذي تعرضه المقدمة اذ يسجل فيها: “لم يتسم عملنا بالامانة الخالصة، ففي كثير من الاحيان استخدمنا معلومات ومقدمات وكذلك منهج المؤلف للخلوص الى نتائج مختلفة عن تلك التي خلص المؤلف اليها.”
هذا عن المؤلف/المؤلفين فماذا عن المؤلَف نفسه؟
يكاد الكتاب ان يقول ان انتشار الحضارة الاسلامية العربية لم يكن نتاج عمل عسكري لان القدرات العسكرية التي تقيم الامبراطوريات تزول مع الزمن ويبقى التأثير الحضاري اكثر عمقاً اذ وصلت الحضارة الهيلينية الى اماكن لم يسمع بها الاسكتدر المقدوني، وانهارت القوة العسكرية العربية ومع ذلك استمرت الحضارة العربية تزدهر، وانتشر الاسلام سلميا في اندونيسيا وجزر المحيط الهادىء على رغم التفوق العسكري البرتغالي والهولندي آنذلك.
ويحاول الكتاب البحث عن الاسباب التي قدمت الطاقة الضرورية لهذا الانتشار فيقترح ان التاريخ ينتج ما يسميه تطور “الافكار/القوى” التي تتدفق وتتصارع مثل القوى الحية باعتبار ان الحضارة والازدهار تعبير عن اوج الفكرة/القوة المهيمنة، ويلجأ الى تفسير احداث الماضي بتطورات الحاضر فديناميكية الاسلام في القرنين السابع والثامن، مثلا، قابلة للشرح استنادا الى الطريقة التي انتشر بها الاسلام في عهده القريب.
وهكذا يستنتج الكتاب من دراسة الحركات المشابهة ان انتشار الاسلام كان نتيجة الفكرة/القوة وليس نتيجة القدرة على الهجوم العسكري المسلح: “اما الاستمرار في الاعتقاد بان شعوبا تزدهر في بلادها حضارة مهمة تركت معتقداتها وغيرت عاداتها لان حفنة من الفرسان الميامين قهرتها عسكريا فلا يوحي الا بمفهوم صبياني سخيف للحياة الاجتماعية.”
ان القول بان انفراد الامبراطورية العربية من دون كل الامبراطوريات الاخرى بالاحتفاظ بمعظم المناطق التي فتحتها جيوش تلك الامبراطورية عمل لا يمكن تفسيره باستمرار القوة العسكرية وانما بطغيان الحضارة العربية واستتباب الاسلام في تلك المناطق، يكاد يدعم فكرة الكاتب لولا اصراره على التقليل المفرط من اهمية تلك القوة بل والتشكيك بوجودها اصلا فمن اين لعرب الصحراء العطشى بكل تلك الخيول الضرورية للفتح والحصان يحتاج ٠٤ ليترا من الماء في اليوم!
وطبعا الحصان لا يُسقى باربعين ليترا من الماء في اليوم كما ورد في ص 24، الا ان الهدف من ادراج ذلك مفهوم ويصب في النهاية في حفرة تاريخية عميقة يجد المؤلف/المؤلفين نفسه معها في موضع غريب يفرض عليه اما ان يلغي كل الفتوحات العربية او يشكك فيها الى الحد الذي يقترب جدا من اعطاء ذلك الانطباع.
وما يسريه الكتاب طوعا على الفتوحات الاولى يسريه قهرا على فتح الاندلس (خرافة الغزو) والتشكيك بوقوع معركة وادي لكة ( ص 200). وعندما يشكك المرء بالحدث فلا بد ان يلحق بذلك التشكيك بصاحب الحدث الى الحد الذي لا يخلو من طرافة: “فما هي حقيقة الرجل الذي عرف باسم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي؟ الا يمكننا الافتراض ان اولئك الفرسان الذين اندفعوا في غزواتهم حتى مدينة بواتيه الذين تدعي الروايات انهم عرب، لم يكونوا الا من سكان جبال البيرينيه، ولم يُعرفوا الا باسماء عربية!”
وهناك فرضية اكثر طرافة (الصفحتان 197-198) فباستقراء “رواية بربرية” تقول ان طارق بن زياد كان حاكم طنجة يستنتج اولاغي الآتي: “في هذه الحال لابد ان يكون قوطيا من اصل جرماني ذك لان اسمه المكتوب والمقروء باللغة القوطية Taric يدفعنا الى قبول هذه الفرضية”. ويمضي الكاتب في الحاشية ليقول ان نهاية الاسم (ic) تعني بالجرمانية القديمة “ابن” … واسم Taric يعني “ابن تار Tar”.
ويسحب الكتاب هذا المنهج على موسى بن نصير فيقول “اما ان يكون موسى بن نصير شخصية خرافية، وبالتالي يتعين علينا استبعاد مآثره من التاريخ الرصين، واما ان يكون لهذه الشخصية اساس في الروايات المصرية والبربرية وفي هذه الحال لا يكون موسى قائدا عسكريا بل مبشرا دينيا.” (ص 196)
وبما ان كتب التاريخ المتوافرة متخمة بهذه الاحداث وبسير اصحابها فان من الطبيعي ان يجد الكاتب نفسه مضطرا الى انكارها او تسفيه مؤلفيها فمعظم ماجاء في كتب التاريخ “خرافات” ومعظم المؤرخين “اخباريون” “مغفلون”، وما لا ينسفه الكاتب من اساساته يشبعه تشكيكا.
ان الكتاب يحمل عنوانا فرعيا يقدمه كـ “رؤية تاريخية مختلفة” الا ان قراءة هذا الكتاب اعطتني الانطباع بان هدفه الحقيقي اعادة ترتيب الحقائق المتوافرة عن تاريخ الاندلس في صورة تخدم فكرة الكاتب مقدمة لاعادة كتابة تاريخ شبه جزيرة ايبيريا بكامله فيقرض من التاريخ عمودا من هنا او عمودا من هناك ويختار مجموعة معتبرة من المصادر التاريخية ليحيطها بشكوك واضحة من دون ان يقدم، في معظم الحالات، بدائل يمكن الاستناد عليها في اعادة النظر بذلك التاريخ.
ومع ان اطلاق اي حكم على هذا الكتاب يعتبر تجنيا صارخا مالم يتمكن القارىء من درس مؤلف اولاغو الاصلي فان من السهل فهم حماس الدكتور الامين للفكرة التي حمّلها للكتاب وهي ان العمليات العسكرية التي وقعت في العام الميلادي 711 (ان وقعت!) لم تكن السبب في انتشار الاسلام والحضارة العربية لان الفتح كان حضاريا ودينيا قبل ان يكون عسكريا.
ولكن اذا كان المؤلف الاصلي نفسه يربط بين الفكرة والقوة فلماذا يتحتم علينا ان نلغي القوة ونحيل طوعا بعض القادة العسكريين العرب الى مبشرين او نعمد الى ما هو اسوأ فنلغي عروبتهم ونكسبهم الجنسيات القوطية او البيرنية!
العرب في اسبانيا
تأليف: استانلي لين بول
ترجمة: علي الجارم
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1998
راجعه: ياسر شعبان
شهد عام 1491م) آخر مراحل خروج العرب من اسبانيا وزوال دولة الأندلس بعد صمودها نحو ثمانمئة عام. وكان ذلك إيذاناً ببدء تراجع المد العربي ليُفسح مجالاً للقادم الجديد، أوروبا.
وفي عام 1991م) تزامن احتفال الاسبان بذكرى مرور خمسمئة عام على خروج العرب مع افتتاح “الأغاخان” لقصر “ميديڤال زفرال” الذي يشهد على عظمة الحضارة العربية في الأندلس.
كما تزامن مع احتفالات أخرى باكتشاف العالم الجديد “الاميركيتين” بواسطة “فاسكو ديجاما”.
وها هو القرن العشرون يكاد ينقضي، وفي العقدين الأخيرين منه شهد العالم تغيراً نوعياً في طبيعة وأهداف العلاقات الدولية، وظهر ما أطلقوا عليه “النظام العالمي الجديد”، وتتبلور فلسفته فيما يُدعى بـ”العولمة”. وتوالت الأسئلة عن “الهوية” و”الآخر”. وتظهر كُتب يزعم مؤلفوها أنهم يبحثون عما أخفته التحيزات بأنواعها زمناً (مثل كتاب “فتح أميركا” لتودروف وكتاب “الغزو مُستمر” وكتاب “”الحُمر والبيض والسود”)، بالاضافة الى ظهور نظريات جديدة تبحث مسألة المواجهات والصدامات في المستقبل، وهل ستكون عسكرية أم ثقافية أم اقتصادية أم معلوماتية أم بيونية، وبدأنا نتداول مُصطلح “صدام الحضارات” الذي يحمل بداخله اعترافاً ضمنياً بالانتباه وإعادة الاحترام للحضارات التي تراجعت أمام المد الغربي طوال ستة قرون مضت، واختار أصحاب هذه النظرية حضارتين “الصين والإسلام” بوصفهما حضارتي تَحدٍ للغرب، ولهذا ستكون الصدامات عنيفة بينه وبينهما، صدامات تستهدف المحو وليس التدمير، الهوية وليس الحدود العقيدة وليس الاقتصاد، الإنسان وليس النظام.
ومواجهة مثل هذه الصدامات يستلزم مُراجعة دقيقة ونزيهة وواعية لتاريخنا، لتحديد أسباب القوة والضعف،. الانتصار والاندحار، ولبلورة رؤية جديدة لعناصر الحضارة الاسلامية ولمفاهيم مثل: الثقافة والهوية، والمدهش أن كتاباً مثل “العرب في الأندلس” والذي ترجمه (علي الجارم) عام (1947) انتبه – بطريقة ما – إلى ضرورة هذه المراجعات. وعنوان هذا الكتاب أول ما يلفت الانتباه: “العرب في الأندلس”، ولم يأت “خروج العرب من الأندلس”، أو “زوال دولة الأندلس”، وربما يوحي هذا باهتمام المؤلف بدراسة ما يتعلق بالوجود العربي في الأندلس وليس ما يتعلق بزوال دولة الأندلس.
ويقول المترجم (علي الجارم) إن مؤلف هذا الكتاب مُحقق، تتميز طريقته في التأليف بالجمع بين التحقيق العلمي وربط الحوادث ببعضها البعض، وسرد قصة الأندلس بأسلوب شائق وسياق رائع. وبالفعل يعتمد المؤلف على منهج شاع في الرُبع الأخير من هذا القرن، ويزعم تبنيه لوجهة نظر الآخر، وذلك لأجل الكشف عما أخفته التحيزات طوال قرون، ولذلك نجده لا يُخفي إشادة بالدين الاسلامي، ولا بمظاهر الحضارة الاسلامية في الأندلس من آداب ومدنية. ويتضح عبر فصول الكتاب أن ثمة صورة أخرى للعرب في الأندلس تختلف عما شاع عن غرقهم في الشهوات والملذات، واستعانتهم بالاعداء في صراعاتهم على الحُكم، ويكفي الانتباه إلى أن مُسلمي الأندلس كانوا في أرض غير أرضهم، وفي إقليم اجتمعت فيه كل صنوف الفتنة والجمال. وكان اعداؤهم من الأسبان يُحيطون بهم من كل جانب، وفي الشرق أعداؤهم ينصبون لهم الحبائل، ورغم كل هذا احتملت دولتهم وصمدت ثمانمئة عام.
وتشهد آثار (قرطبة- أشبيلية – غرناطة)، التي لا تزال ماثلة حتى الآن، على تَحضُر وثقافة العرب في الأندلس، وتدحض هذه الآثار الشامخة والمؤلفات المتنوعة، المزاعم بأن العرب همج يهدمون ويخربون.
ولا يعني هذا أن سقوط دولة العرب في الأندلس كان من تصاريف القدر، ويجب عدم تجاهل الأسباب التي أدت الى تساقط الدول الاسلامية العربية الواحدة تلو الأخرى.
تماماً كما يجب عدم الاستسلام لمزاعم التاريخ والمستشرقين والغرب بأن الطبيعة القبلية المتأصلة في تكوين الشخصية ستقف حائلاً دون توحد الدول العربية والاسلامية لاستعادة مكانتهم ثانية، ومواجهة القرن المقبل بمستجداته وتحدياته وصداماته.. فهل ننتبه؟!
تعقيب محرر الموقع: صدرت الطبعة الأولى من هذه الترجمة في القاهرة عام 1960
*العروض كلها نشرت في صحيفة الحياة – لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.