عادل بشتاوي: التركة الأندلسية في تونس

تغريب الأندلسيين
خرجت قشتالة من معركتها العسكرية ضد الأندلسيين بانتصار كبير، لكنها خرجت من معركتها الحضارية والدينية مع الأندلسيين بهزيمة كبيرة. وبعد 100 عام من الاضطهاد والتنصير القسري والنهب المنظّم لم تستطع اسبانيا إقناع الأندلسيين بأن كاثوليكية القشاتلة أفضل من الإسلام، وبأن اللغة القشتالية أكثر تعبيراً من العربية، وبأن لحم الخنزير أفضل من لحم الضأن، وبأن السروال القشتالي أفضل من السروال الأندلسي، وبأن مسح المؤخرة بورقة أفضل من غسلها.
واختارت اسبانيا طوال 100 عام تجاهل إخفاقها لكنّها اعترفت بهذا الإخفاق في النهاية فعادت ولجأت إلى الحل الوحيد الذي تعرفه جيداً وهو القضاء العضوي على خصومها بالقتل أو التغريب ومارست سياسة التمييز العنصري والفرز العرقي بشكل منظم وواسع النطاق. وباختصار كانت قشتالة عملاقاً عسكرياً فيما الأندلسيون أقزاماً، لكنها كانت قزماً حضارياً جديراً بالاحتقار في عيون الأندلسيين الذين نظروا دائماً إلى القشاتلة كمستعمرين احتلوا أرضهم ولم يتمكّنوا من غرناطة إلا بالخديعة والمكر.
وفي بداية القرن السابع عشر سعت السلطتين السياسة والدينية الاسبانيتين إلى البحث عن انتصار سهل يغطي استمرار هزائمها أمام أعداء الكاثوليكية في ألمانيا وهولندا وغيرهما ويُبعد أنظار الناس عن إخفاق مغامراتها العسكرية وسياساتها الاقتصادية السيئة وديونها المتراكمة فعمدت إلى شيطنة الأندلسيين وغولنتهم تمهيداً لطردهم من بلادهم، ووضع نهاية لشعب أيقنت الحكومة الإسبانية تلو الأخرى أنه لا يريد الذوبان في الوسط القشتالي أو الانصياع إلى الكنيسة أو السلطة لأنه لم يكن يستطيع فعل شيء مثل وعندما شعر حتى أشد أنصار معاقبة الأندلسيين أن الحكومة عازمة فعلاً على تنفيذ قرارها، انقلبوا ضد القرار وسعوا إلى ترغيب الأندلسيين بالبقاء.
وهنا اشترط الأندلسيون السماح لهم بممارسة دينهم الإسلامي علناً وإعطاءهم حرية مزاولة عاداتهم وتقاليدهم الأندلسية. ولم تستطع السلطات قبول الطلب تحت ضغط الكنيسة فتشدد الأندلسيون في مطالبهم وباتوا أكثر رغبة حتى من أعدائهم في الكنيسة والسلطة في النزوح عن البلاد والخلاص من أكثر من مئة عام من العذاب والتقتيل والاضطهاد القشتالي والأرغوني.
ويوم بدأ الأندلسيون التجمّع استعداداً للرحيل عن البلاد اختفت كل فائدة أو جدوى من التستر على دينهم وعروبتهم. وسجّل أحد شهود عيان النفي من بلنسية موقف الأندلسيين بالقول: ”لقد رفضوا ليس فقط العمل وجمع العنب وقطع قصب السكّر بل اعترفوا صراحة أنهم جميعاً مسلمون. وأكد أحدهم أن كل الأندلسيين في مملكة بلنسية عرب أيضاً شأنهم في ذلك شأن عرب الجزائر.“
وخلال سنوات التغريب أعربت عامة إسبانيا عن ابتهاجها بنفي”أعداء الدين الكاثوليكي«، كما كانوا يسمّونهم. واعتبر الإسبان الأندلسيين أعداء في وطنهم ثم اعتبروهم أعداءً خارج الوطن أثناء التغريب فتركت السلطة اللصوص والقتلة وتجّار العبيد يتحكمون بمصير قسم كبير من المنفيين، وربما لم يصل أكثر من نصفهم إلى الوجهات المقصودة. ولم تستمر بهجة الإسبان بنفي الأندلسيين لأن هؤلاء لم يكونوا مجرد أقلية بل أقلية مهمة من الناحيتين الاقتصادية والصناعية في قشتالة، وأقلية حاسمة بالنسبة لمملكة أرغون خصوصاً في بلنسية.
وكانت إسبانيا، بعملية النفي، تسدد طعنة أخيرة للوجود العربي والإسلامي فيها، لكنها كانت طعنة أدمت جسد الأمبراطورية مثلما أدمت المنفيين الأندلسيين. فهؤلاء انتقموا لنفيهم عن مساكنهم ومساكن أجدادهم وأجداد أجدادهم وهم خارج إسبانيا، وساهموا في توفير أحد الأسباب المهمة لسقوط الأمبراطورية الإسبانية. ولم تفتقد إسبانيا الأندلسيين على الفور إذ كانت لا تزال تعيش نشوة انتصارها الواهم، لكن عندما حاولت حكومة دوق أوليبارس حشد طاقات الأمبراطورية للتصدي للهولنديين البروتستانت وغيرهم من أعداء إسبانيا، اصطدمت باقتصاد منهار. وكتب أحد كبار المسؤولين فيها: ”لم تمض إلا فترة قصيرة على طرد الأندلسييين الموريسكيين في خطوة عادت بضرر بالغ على هذه الممالك وباتت فكرة عودتهم طيبة لو قبلوا ديننا السماوي.“
الأندلسيون الجدد في تونس
نزل جمهور الأندلسيين الجدد المنفيين في تونس طبقاً للمقري بعدد ربما تجاوز 100.000 شخص. وورد عدد كبير جداً من أسماء الأسر الأندلسية في مصادر متفرقة تعود الى مطلع القرنين السابع عشر والثامن عشر وكذلك في الدراسة التي أعدّها جورج ماسي عن جامع تستور عام 1931، والبحث الذي نشره الدكتور رشاد الامام في المجلة التاريخية المغربيّة بتاريخ 30 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1981 .
وبين عامي 1609 و1611 استقبل الوالي عثمان داي الأندلسيين المنفيين واحتفى بهم”وخصص لهم الدور والأراضي وسعى إلى توظيف خبراتهم المهنية ومعرفتهم للغة القشتالية ولاساليب الحروب البحرية التي تفنّنوا بها. وأنشأوا نتيجة ذلك مدناً عدّة ما زالت تشهد بخصوصيات العمارة الأندلسية حتى يومنا هذا، وهذا فضلاً عن ترجمتها بدقة عن اسلوب حياتهم وعاداتهم ومطبخهم وتقاليدهم.
ومن الحواضر التي نزل فيها الأندلسيون أو أسسوها وسط الشمال التونسي مدينة تستور التي تقع على بعد 60 كيلومتراً جنوبي غرب العاصمة تونس، وهي تُعتبر مدينة الموشحات الأندلسية المعروفة أيضاً باسم ”المالوف“ أو”المألوف“، أي الموسيقى الموروثة عن الأندلسيين كما هي شائعة في المغرب والجزائر أيضاً، وربما استضافت المدينة الموسيقى الأندلسية كما تعزفها جوقات إسبانية.
وتقع جنوب غربي تستور مدينة تبرسق التي تضم عدداً مهماً من المباني ذات العمارة الأندلسية، وتشيع فيها الأسماء الأندلسية ومثلها أيضاً مدينة سليمان ومنزل بوزلفة وقرنبالية ودار شعبان.
ومن أسماء الأندلسيين الجدد الذين نزلوا تستور والقرى التي أسسوها على ضفتي وادي مجردة (يوجد واديان بهذا الإسم في تونس ونقصد هنا الشرقي) مثل قريش الواد وطبربة وسلوقية: شورية، ويلو، الوشرين، العنكرشة، الريشكو، يوينو، جاميلو، سحابو، الستوبري، شلبطون، فازاج، النبديكو، كريمو، مرتيل، بيروانة، الجورشي، البنتوز، شركينة، ماركو، الفرصادو، كرسيتو، بومسيت، نبارو، البرزون، مانية، ابن مارية، ديلو، طرشون خربون، حربون، البروطو، استريكو، نبارو، غبارو، الكوندي، اشكلانط، مورينو، يونو وغير هذه الأسر كثير.
ومن مناطق الأندلسيين الجدد وحواضرهم في شرقية تونس مدينة زغوان التي تقع على بعد 52 كيلومتراً جنوب العاصمة تونس وكانت عامرة أيام الرومان. وتضم زغوان بين 25 و30 ألف نسمة الآن وهي عاصمة لولاية زغوان التي هي اكبر المحافظات الزراعية في البلاد ومصدر منابع المياه التي تمدّ العاصمة.
ونزل الأندلسيون أيضاً بعض المناطق الغربيّة من البلاد مثل عين دراهم القريبة من الحدود مع الجزائر وتُعتبر من المنتجعات التي يقصدها التونسيون. وحلّوا كذلك في المناطق الساحلية الشمالية مثل قلعة الأندلس والعاليّة ورفراف ورأس الجبل وغار الملح، ومدينة بنزرت الساحلية الواقعة شمال غربي العاصمة تونس. وكان للأندلسيين في هذه المدينة المهمة حي خاص اسمه”حي الأندلس“ جمع في ما بعد خليطاً من السكان. وأقام الأندلسيون في مدن وقرى هذه المناطق صناعات تقليدية أندلسية داخل البيوت مثل البلاط المُزجج والملابس والمحفورات الخشبية يقول العارفون انها تشبه ما كانوا يصنعونه في إسبانيا قبل نفيهم.
وللأندلسيين تجمّع مهم في الوطن القبلي المعروف الآن باسم محافظة نابل التي هي لسان بري يمتدّ في البحر شمال شرقي تونس. ومن الحواضر الأندلسية أو التي نزل فيها الأندلسيون مدينة نابل نفسها والحمامات وقرى كثيرة قربهما زرع فيها الأندلسيون منتوجات أصلها من العالم الجديد وحملها الأندلسيون معهم من إسبانيا مثل البندورة والبطاطا وبعض أنواع الفليفلة الخضراء والحمراء والتوابل. كما نزلت جماعات أندلسية كثيرة في العاصمة تونس وضواحيها نذكر من أسماء أسرها: صنديد، العراندي، كونينكة، مناشو، الصوردو، ابن عاشور (ومنهم في الرباط)، موريشكو، مرباح، الحجيج، العمروسي، الوافي، الكعاك، جبيس، السراج، قبادو، الباسطي، بيجار، درسول، نونية، الرحال، السبعي، ابن زكرى، يشبيل، هرميلو،الحجي، الحشائشي، الشريف، مشوش، الطره والي، وأسماء أخرى كثيرة.
ولم يقتصر نشاط الأندلسيين على الزراعة إذ شمل أيضاً التجارة. وبرع الأندلسيون في صناعات تقليدية بعينها ومن ذلك مثلاً صناعة الشاشية (الطرابيش القصيرة) التي كان الأندلسيون يعتمرونها في إسبانيا. ولهذا النشاط سوق خاصة صغيرة هي سوق ”الشاوشين“ في العاصمة تونس قرب جامع الزيتونة.
وكانت تونس في القرنين السابع عشر والثامن عشر من أهم مصدري الطرابيش إلى الدولة العثمانية حتى تعلّم الأوروبيون صنع الطرابيش فصدّروها بكميات كبيرة إلى تركيا مما أحدث كساداً مهماً في البلاد التونسية.
وتحمل تونس وصف”الخضراء“ من أيام الرومان الذين أغرموا بإطلاق صفات الألوان على بعض الأقاليم التي حكموها. ومن أسباب هذه الخضرة وجود قسم كبير من الأراضي التونسية في مستوى قريب من مستوى البحر (تمتد شواطىء تونس مسافة 1300 كيلومتر) مما يسمح برشح الماء، إلا أن الأمطار الغزيرة تهطل على تونس في الشتاء مما يزيدها خضرة. ومع ذلك لا يمكن تصوّر تونس قبل مجيء الأندلسيين، ولا يمكن أيضاً فصل التأثير الذي أحدثه الأندلسيون في تونس عن التأثير التونسي المحلي سواء في الزراعة أو نمط العمارة أو المصنوعات اليدوية أو أنواع الطعام (منها سجق رفيع محشو بلحم الضان اسمه كواريس) والشراب والفنون، ولهذا التأثير أسباب تاريخية واجتماعية عدّة.
وخلال القرن الخامس كانت العاصمة تونس من أكبر المدن المغاربية، وربما وصل عدد سكانها آنذاك إلى أكثر من 100 ألف نسمة، وكانت مدينة ازدهرت فيها التجارة والصناعة والثقافة والتعليم. إلا أن تونس ومعها معظم المدن التونسية الأخرى تعرضت بعد ذلك إلى عدد من النكبات فأودت موجات من الطاعون بحياة الكثيرين، ثم امتد الصدام بين العثمانيين والأوروبيين إلى السواحل المغاربية فبدأ كارلوس الخامس سلسلة من الحملات العسكرية البحرية التي انتهت باحتلال تونس عام 1535.
وبقي الإسبان في البلاد نحو 40 عاماً إلى أن تمكن العثمانيون بقيادة سنان باشا وبمساعدة التونسيين من إخراجهم عام 1574 بعد سلسلة من الاخطاء التي ارتكبها دون خوان النمسوي الذي كان يحلم بموافقة الملك فيليب الثاني على تعيينه ملكاً على تونس.
لكن البلاد كانت اقتربت في عهد دون خوان من الدمار الشامل وحلّ خراب عظيم بأهم مدنها مثل تونس نفسها وصفاقس والقيروان وبنزرت وسوسة (حضرموت الفينيقية).
وفي عهد الداي عثمان ثم في عهد الداي يوسف من بعده بدأ جهد كبير لإعادة الإعمار.
وجاء الأندلسيون تونس في وقت حاسم فصبّوا خبراتهم في الري والزراعة نحو إنهاض الأراضي الزراعية وتوسيعها وتنويع المحاصيل التي باتت تشمل الحمضيات والكرمة والمشمش واللوز وغيرها من الفاكهة التي لا تزال المناطق الساحلية الشرقية الإسبانية تزخر بها.
وساهمت هذه الجهود في تسريع إنعاش الاقتصاد التونسي لذا لم يمض على وصول الأندلسيين إلى تونس أقل من نصف قرن حتى كانت جهود إعادة الإعمار اقتربت من الاكتمال. وعرفت تونس بعد ذلك مرحلة طويلة من الاستقرار السياسي النسبي حتى تملّكتها فرنسا اعتباراً من عام 1881.
واستمر الانتعاش في عهد الفرنسيين لكن جل المستفيدين منه كانوا فرنسيين أو إيطاليين أو من جزيرة مالطا وصقلية واليونان.وظل هذا الوضع قائماً حتى انتزعت تونس الاستقلال في 20 آذار (مارس) 1956 واعلنت الجمهورية بعد ذلك بسنة.
بعض المراجع:
”الدولة العثمانية وقضية الموريسكيين الأندلسيين“، الدكتور عبد الجليل التميمي، (زغوان، تونس 1989).
دراسة فقيه محمد الباحث في المعهد الأعلى للتوثيق في الجامعة التونسية وهي بعنوان ”دين الموريسكيين الأندلسيين وهويتهم ومصادر وثائقهم“.

الصورة:

مصور لمدينة اشبيلية في امن القرن السادس عشر (ويكيبيديا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.