مقابلة مجلة “العالم” مع الروائي والكاتب عادل بشتاوي

أجرى اللقاء: الدكتور نبيل ياسين
◄ الشكل الجيد ليس وصفة سحرية للمحتوى الجيد
◄ الكتابة والقيادة والعبادة من مهن الوحدة
◄ الإقرار بأهمية التلفزيون والسينما إقرار بأهمية الرواية
◄ أنا روائي فلسطيني لكنني لا أكتب روايات فلسطيني
عادل بشتاوي روائي وكاتب فلسطيني نشر عدداً من المجموعات القصصية والروايات والأبحاث منذ مطلع الثمانينات منها خمس مجموعات قصصية هي: لا تقتلوا الكناري (1982)، موسم الرعب (دمشق – 1983)، زائر من عالم غريب (بيروت – 1985)، ثورة أهل البحر (دمشق – 1986)، العاشقة، (دمشق – 1987). وأصدر الكاتب رواية قصيرة هي: وسنصرخ حتى الفجر (دمشق -1984)، ودراسة تاريخية هي: الأندلسيون المواركة – دراسة في تاريخ الاندلسيين بعد سقوط غرناطة صدرت منها ثلاث طبعات الأولى في القاهرة عام 1983 والثانية والثالثة في دمشق عامي 1988/1985، ويعمل الآن على انجاز طبعة ثالثة موسّعة ومزيدة تتضمن فصلاً خاصاً عن الحروب الصليبية الغربية. في مطلع العام الماضي صدرت للكاتب عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان رواية بقايا الوشم، ثم اصدرت الدار نفسها بداية العام الجاري رواية زمن الموت والورود وتمرّ الرواية الثالثة (حدائق اليأس) في مراحلها الأخيرة تمهيداً لنشرها المتوقع في نهاية العام الجاري أو مطلع المقبل.
ولد عادل بشتاوي في الناصرة (فلسطين) عام 1945، وعاش وعمل في لبنان وسورية ودبي وأبو ظبي ولندن. تخرج الكاتب من جامعة دمشق حيث درس الأدب الانكليزي وعمل في وسائل الاعلام العربية والدولية. شغل منصب مدير التحرير المركزي في وكالة أنباء الامارات، وهو من مؤسسي صحيفتي “الشرق الأوسط” و”الحياة” التي لا يزال يعمل فيها بوظيفة رئيس قسم الاقتصاد وتقنية المعلومات، وساهم في اعداد وأخراج عدد من الافلام الوثائقية في سورية والامارات منها فيلم مدته خمس ساعات هو: “المسلمون على طريق الحرير”.
مجلة العالم التقت الكاتب في لندن وبدأت حوارها معه بسؤال عن جوهر الكتابة: هل هو تعبير عن ذات فردية أم جماعية؟
التملص من هذا السؤال الشائك يكمن في القول إن الكتابة تعبير فردي وجماعي في الوقت نفسه. فردي أو ذاتي لأن الكتابة تعرض الخصوصية من الزاوية التي يتطلع منها الكاتب إلى كل ما حوله، وتعرض المشاعر والأفراح والأحزان والحالات الإنسانية الاخرى في الصورة التي يتصوّرها الكاتب، لكن الكاتب لا يستطيع أن يتجاهل ما حوله لذا لا بدّ أن يمتدّ من الذات الفردية إلى الذات الجماعية. واعتقد أن الكتابة والقيادة والعبادة من مهن الوحدة إلا أن الكاتب يمثّل شريحة معينة من المجتمع المحلي الذي يعيش فيه وبالتالي مجتمعه الاقليمي (خصوصاً بالنسبة إلينا كعرب) وأيضاً الإنساني الأشمل. لذا لا بد أن يكون في الطروحات التي يقدمها شيء من الجماعية لأنه ليس عالماً قائماً بذاته ما لم يرد أن يكتب لنفسه فقط. وكما تعرف الفردية والجماعية متدرجة ومتقلبة في عمقها وامتدادها، فأنا مثلاً كتبت في بداية حياتي الأدبية قصصاً عن فلسطين حاولت فيها أن أعبّر عن قضية جماعية لكنني كتبت أيضاً قصصاً ذاتية مع أنني لا أعتقد أنني كنت مسرفاً في الذاتية. في رواية “زمن الموت والورود” كتبت قصة حب لكن الخلفية كانت عن الحرب الاهلية اللبنانية ومذبحة صبرا وشاتيلا لذا هناك موضوع خصوصي يطل على موضوع عام. الإنسان في النهاية يريد أن يُشبع حاجات بطنه وفرجه وعقله وروحه، لذا مشاكله الاساسية محدودة جداً وإعادة تسليط الضوء عليها، أو على بعضها، نظرة من الداخل (الفردي) إلى الخارج (الجماعي). ولا اعتقد أننا نتحدث هنا عن إسقاطات كتابية بل عن محاولة تشريح لحال أو حالات نفسانية معروفة علّ الآخرين يجدون فيها مشاركة أو تعاطفاً. المهم، في رأيي، ألا يظهر الكاتب كأنه غير معني بالصراعات القومية أو التيارات الاجتماعية لكن عليه أن يتجنب التقريرية لأنها لن ترضي حتى أشدّ المؤيدين لتناول القضايا الوطنية والقومية.
زمن الرواية – هل هذا هو زمن الثقافة اليوم؟
ما لم يحدث شيء خارق لا اتوقعه خلال السنوات العشر المقبلة فإن الاجابة هي نعم!. لا يمكن أن نقرّ بأهمية التلفزيون والسينما من دون أن نقرّ بأهمية الرواية التي تشكل مادة أولية حاسمة لتغذية التلفزيون والسينما. أنجح الأفلام والمسلسلات السينمائية والتلفزيونية التي نعرفها اعتمدت الروايات الكبيرة. السينما تركت تأثيراً مهماً في الأدب وجاء التلفزيون فعمّق هذا التأثير في معظم الأشكال الروائية المعروفة. اعتقد ان النهاية الطبيعية للرواية اليوم هي السينما والتلفزيون، والرواية التي تجعل القارىء يرى ويسمع ويحس هي الرواية الأكثر مناسبة هذه الأيام لأنها ستكون بذلك امتداداً لعصر يريد فيه القارىء أن يرى ويسمع. الأهمية الهائلة التي تمثّلها السينما والانتشار الهائل للتلفزيون عززا الطلب على الرواية على حساب القصة القصيرة والشعر. هذا الوضع ينطبق على الغرب أكثر من انطباقه على منطقة مثل الشرق الأوسط إلا ان المنطقة في الطريق ويكفي استعراض قائمة منشورات الدور العربية التي تُعنى بالرواية للتأكد من هذه الحقيقة. هناك عدد من الناشرين المهمين في الوطن العربي لا يزالون يستبعدون نشر الروايات لأسباب عدّة، واعتقد أن على هؤلاء أن يراجعوا مواقفهم بسرعة. الحالات الإنسانية تتجه إلى التعقيد في عصر العولمة المعقد، والرواية الجيدة، في اعتقادي، هي الإطار الوحيد الذي يستطيع معالجة هذا التعقيد في صورة مجدية لكن هذا لا يعني أن الثقافة ستقوم حصراً على الرواية.
هل تعتقد ان الشكل هو الذي يقدم الرواية ام المضمون؟ بمعنى هل لا يزال الشكل الكلاسيكي للسرد سائداً في عصر البحث عن اشكال روائية؟
الشكل الجيد ليس وصفة سحرية للمحتوى الجيد. هناك مرونة ضمنية في القوالب الأدبية لا أدري لماذا لا ينتبه إليها الناس دائماً. قارئي في مطلع الألفية الثالثة ليس قارىء الهمذاني وليس قارئ ثاكري أو جين اوستن وليس حتى قارىء المنفلوطي أو نجيب محفوظ. التلفزيون والسينما بدّلا كثيراً أمزجة الناس وتوقعاتهم ومن يتجاهل هذا التبدّل سيدفع الثمن غالياً. ليس في العالم كله كاتب يجرؤ اليوم ان يصف عصا معينة في ثلاثين أو أربعين صفحة – لن يقرأه أحد. أيضاً الجمل التي تغطي خمسين أو ستين صفحة بلا تنفس غير مقبولة. أنا يهمني أن يقرأ القارىء ما اكتبه لكن يجب أن أعي جيداً أن القارىء يعطيني أهم ما عنده – الوقت، لذا أريد أن أقدم له شيئاً في مقابل هذا الوقت، وأقل ما يمكن أن يقدمه الكاتب هو تجنيب القارئ السقوط في فخ الملل أو القراءة بدافع الواجب. أنا كاتب لذا أقرأ ما يكتبه الآخرون بمتعة أحياناً واضطرار أحياناً أخرى وربما وجدت نفسي مجبراً، لكن لا استطيع أن أطلب من القارىء فعل الشيء نفسه. في النهاية القارىء العادي سيقول إن هذا العمل أعجبه وهذا العمل لم يعجبه استناداً إلى المضمون وليس الشكل. الناقد هو الوحيد الذي يمكن ان يتحدث عن تقنية الكتابة أو شكلها. هل يستخدم الكاتب السرد أم الحوار أم يمزج هذا وذاك لتقديم عمل معقول؟ ليس مهماً. عندما أريد تصوير حالة انسانية معينة فإنني انتقي الشكل الذي يناسب هذه الحالة وأحياناً أجد نفسي اختار شكلاً أو آخر من دون وعي. إذا كان سرداً فلا بأس وإذا كان حواراً فلا بأس وإذا كان مناجاة تجمع الاثنين فلا بأس أيضاً. في روايتي بقايا الوشم وزمن الموت والورود فصول كلها سرد أو كلها حوار (تقريباً)، إلا أنني لا أريد ان أقرأ عملاً كله سرد ولا عملاً كله حوار ما لم يكن مسرحية. أريد ان تتحكم معالجة الحالة الانسانية بالقالب وليس العكس. أما التخشّب التأطيري فلم يعد له مكان في عالم اليوم.
الرواية الفلسطينية او ذات الموضوع الفلسطيني، اين موقعها في الرواية العربية؟
سأعتذر لأنني سأبدأ في الحديث عن نفسي لأقول أنا روائي فلسطيني كتبت عن شخصيات فلسطينية لكنني لم اكتب روايات فلسطينية. هناك روايات يمكن القول إنها فلسطينية كتبها لبنانيون (بوابة الشمس مثلاً للروائي الياس خوري). أين موقع رواية مثل بقايا الوشم أو زمن الموت والورود في الرواية العربية؟ لا أعرف. هل هذا مهم؟ لا!. أنا كتبت عن عروب (بطلة رواية بقايا الوشم) ورنا (بطلة رواية زمن الموت والورود)، وما كتبته يتسم ببعد محلي (دمشقي في الحالة الاولى ولبناني/فلسطيني في الحالة الثانية) لكن له بعد إنساني قوي أيضاً (هذا ما اعتقده على الأقل). أميل حبيبي كتب أشكالاً روائية مهمة جداً ومحبوبة جداً لكنني لا اعتبرها روايات. غسان كنفاني كتب قصصاً جيدة لها مواقع أدبية مهمة في الستينات والسبعينات إلى جانب أعمال أدبية عربية اخرى كتبتها ليلى البعلبكي وغادة السمان لكن من المؤسف جداً أن الوقت الذي اتيح له أديباً لم يكن كافيا وإلا لكان انتقل إلى أفق أوسع من العالمية. إذا شئت التصنيف فأفضل ان يكون بين كاتب الأرض المحتلة وكاتب الشتات الفلسطيني لأنهما لا ينظران إلى القضية في مرآة واحدة. أميل حبيبي، في اعتقادي، صاحب نفس أطول من زميله في الشتات لذا يبدو أكثر سرداً وربما أكثر توازناً في طروحاته. قسم كبير من الآخرين كتب استجابة لحالات نضالية وكان إبداعه ثوروياً في إطار الشعر أو مليئاً بالصور الشعرية. أوسلو (بصرف النظر عن نتائجها) غيّرت أشياء كثيرة وأطلقت الكتاب الفلسطينيين من القيد الثوروي وصار في امكانهم توسيع أفقهم من دون انتقاد كبير. اطلعت على روايات ملفتة في الأرض المحتلة منذ 1948 والضفة الغربية، لذا أريد أن اعطي هؤلاء ثلاث أو أربع سنوات لعلهم يخرجون بشيء مختلف تماماً عما عهدناه، ولعله يصبح في الامكان عندها تسهيل موضعة الرواية الفلسطينية في الأدبين العربي والعالمي.
هل هناك صلة بين الرواية والصحافة والاقتصاد والتقنية؟ هل تسند المعارف الاخرى المعرفة بعالم الرواية؟
إذا أردتَ أن تكون الرواية أوسع أفقاً فافترض أن المعارف الاخرى يمكن ان تثري العمل الروائي والاعمال الأدبية الاخرى لكن فقط إذا اقتضى النص ذلك ولم تُقحم فيه إقحاماً. انترنت في رواية “بقايا الوشم” لم تأت مجاناً لأنها جزء من حياة وسام الذي يعيش في الغرب، وقرأت استحساناً لوجودها في عدد من العروض عن الرواية. معظم القرارات التي نتوصل إليها في كل شيء تقريباً له خلفية اقتصادية لذا اعتقد أن تجاهل هذه الخلفية يجعل العمل الأدبي ناقصاً. الكتابة ممكنة بلا معرفة اقتصادية أو كومبيوترية والبرهان هو الأعمال الهائلة التي نشرها أصحابها في القرون السابقة لكن توافر هذه المعرفة اليوم يمكن أن يعطي العمل الأدبي بعداً جديداً. الكومبيوتر يمكن ان يكون امتداداً لقلم الكاتب، واعتدت عليه إلى درجة أجد معها ضيقاً في الكتابة باليد. التحرير واعادة التحرير أسهل بكثير بوجود الكومبيوتر إلا أن استخدامه يقدّم مزايا اقتصادية كبيرة. أنا اعطي الناشر الرواية جاهزة للتصوير فأوفّر عليه كل نفقات الصف والتدقيق وأمكّنه من طباعة الرواية في وقت قصير نسبياً. معرفتي بالكومبيوتر وانترنت تساعدني على الترويج أيضاً. لدي موقع في انترنت منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 هو:
http://www.bishtawi.com
أتلقى من خلاله استفسارات كثيرة خصوصاً من قراء عرب في اوروبا والاميركتين. واعتقد أن هذا الاتجاه سيزداد اهمية مع الزمن، ولن يكون عمل الكاتب سهلاً إن لم يدعم إبداعه بهذه المعارف المفيدة.
الصورة: موقع عادل بشتاوي أحيل إلى التقاعد بعج 19 سنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.