إسماعيل زاير: قراءة في رواية زمن الموت والورود

عمل يضرب على جسد الموتى والمهزومين لينهضوا بشهاداتهم وحيرتهم
والمشقات التي كابدوها مع اجيال بكاملها

يبدو “زمن الموت والورود” عنواناً حياديأ للغاية لرواية الكاتب الفلسطيني عادل بشتاوي. عنوان يشير الى فعل الزمن المنجز. ولكن هذه الروح المحايدة كانت لازمة لتجاوز مشقة التذكر أو اعادة تركيب الوقائع التي تتحدث عنها الرواية، وهي وقائع لم تخمد نارها بعد. ثمة غلالة من رماد تغطي جسد الزمن ولكنها لا تحجب أي تفصيل منه.

العمل الذي تزيد صفحاته عن 550 صفحة يزيح تلك الطبقة ويضرب على جسد الموتى والمهزومين لينهضوا بشهاداتهم وحيرتهم والمشقات التي كابدوها مع اجيال بكاملها. ولم يكن يسيراً على بشتاوي ان يعيد الأرواح التي ايقظها الى كهف الموت من دون ان يترك لها ان تتحدث وتعيد ترتيب الوقائع التي افضت الى موت وهزيمة جيل فقد حلمه وحياته معاً في خضم الضراوة المتصلة لعقدي السبعينات والثمانينات.

القارئ الصبور يخرج، من متن الرواية لاعناً ملعوناً، مثلما تخرج شخصيات الأحداث التي نجد فيها اجزاء من جسدنا وذاكرتنا مبعثرة ما بين الماضي والمستقبل. ولعل الصبر ليس ما يعوز بشتاوي، الخارج من مطهر بيروت في اكثر مراحله احتداماً وسخونة.

في احداث اتيح للقاتل والقتيل ان يقول ما لديه عنها، يقودنا بشتاوي عبر روايته الى بوابة النسيان من مدخل خلفي، يقول: “لا شيء يستعجل النسيان مثل التذكر “. (ص 25 ). من بوابة الذكرى يدلف علي، بطل روايته المهزوم، الى بستان النسيان: النسيان بيدنا… لكن ليس كل شيء قابل للتذكر، قابل للنسيان بالأحرى.

ينتمي عمل بشتاوي الى تجربته اكثر من انتمائه الى اسلوب او تيار روائي او قالب للسرد، فالرواية وإن ارتكزت على البوح الشخصي، الا ان زمنها مركب على نحو يضيء الشخصيات وتتداعى فيه سلسلة الفكر لتتحول من جوها وفضائها مادةً ارضيةً تترجم وتدفع الكيانات التي تقف في طريقها.

يتحدث العمل عن تجربة ثوريين نذروا حياتهم للثورة الفلسطينية كقيمة تطهيرية مطلقة، سرعان ما يتبدى بعدها الإنساني الإعتيادي بما فيه من نتوءات ومثالب وتفاصيل تمتد من الشجاعة الباهرة الى الجبن والخيانة والنذالة. وتدور الأحداث في أزمنة تتداخل عبر الشخصيات، التي تشكل تفاصيل فعاليتها الإنسانية المشهد العام، وتدفع الى سطح البحيرة المضطربة بقايا ما افرزته المجازر والإنتهاكات، والخراب الروحي والنفسي الذي جلبته احداث المنطقة على أجيالنا.

شخصية علي، وهي المركزية في الرواية، تعبر الخطوط الحمر الفاصلة بين الالتزام والتمرد، بين الأيمان العميق والهرطقة حيث لم تعد من مرجعية سوى مرجعية الفرد. وتتطرق الرواية على وجه التحديد الى ظروف مجزرة صبرا وشاتيلا، بعد اكثر من عقدين على مجزرة المخيم الفلسطيني الذي دخلته قوات من القتلة بمساعدة الجيش الإسرائيلي اثناء اجتياحها لبنان بداية الثمانينات، وفتكت بسكانه، والمقدمات التي قادت اليها والجروح التي خلفتها في الجسد الفلسطيني.

تتبدى مشكلة علي، مثل أي مثقف وبالدرجة الأولى، في ادراكه المتزايد لهامشيته، وهامشية جيله بكامله. ومع صدمته وغضبه جراء اكتشاف انه اعتاد هامشيته واستكان الى حقيقة ان الهامش اصبح “اكبر وطن في العالم” وأن الهامشية اكثر ايلاماً، واسوأ بما لا يقاس من احباطه وخيبته بفشل تجربته السياسية الشخصية،، وتعني عواقب الهامشية له انه هزم مرتين، مرة امام الموت واخرى امام الشر. في هذه الحالة تبدو خسارة المعركة ضد الموت امراً مجانياً لا مبرر ولا قيمة اخلاقية له.

ويكتسب الإحباط كعنوان للمرحلة مرارة مضاعفة عند القائد الفدائي المتقاعد، لأنه هنا يزحف للأحاطة بالحياة الإنسانية التي تلوثت طهاراتها الأولى اثناء الثورة وبسببها، من داخلها ومن خارجها، وحيث لا يتوقف تسميم مستقبل الذين نجوا من موجتها العاتية. انه يلاحقهم مثل روح شيطانية تتلبس الضحايا وتترصدهم اينما حلوا. ويلعب الإنتقال من زمن الموت الى زمن الورود بمثابة فسح ماكرة بين الامل والوهم، بين اليقين والشك.

ولعلنا لا نكون مخطئين بالقول ان رواية بشتاوي تعد من المحاولات الروائية العربية النادرة التي تتجرأ على تجسيد تجربة احيطت بمحاذير وتابوات متنوعة، عاشها جيل كامل من الثوريين الفلسطينين والشعب اللبناني بوجه عام، خلال الحرب الأهلية وصولاً الى خروج منظمة التحرير من بيروت اثر الإجتياح الأسرائيلي عام 1982. هذه التجربة تستعاد هنا بسياق روائي رفيع بكل ما انطوت عليه من مناقب ومثالب. وينقل بشتاوي مناخات التفجيرات الأمنية وحملة السيارات المفخخة التي تتفجر بين المواطنين العزل، والقصف العشوائي والموت الأكثر عشوائية.

وهو لا يكتفي بنقلنا الى مستوى واحد من تلك التجربة-المدينة، بل انه ينقلنا الى “القاع الثوري”، اذا صح التعبير، حيث تغطي المرارات والفساد علاقة المقاتل بقيادته. غير ان اللغة هي لغة ذلك الزمن بالتحديد وهي تحمل مضامينه وتعبيراته ورطانته، بل سوقيته، كما تحمل افكاره وقيمه الرفيعة.

ويجيء تعثر المعنى الإنساني في ذلك السياق، ترجمة لتعثر الفعل السياسي وتعثر الثورة، و”سطوة الكارثة” حيث يعيش الكائن في كابوس يصبح فيه “النوم جهد، والأستيقاظ جهد اكبر، والإستمرار معجزة”. ص 202.

في الجهة الأخرى من المشهد تتوجد رنا، اللبنانية المسيحية، في الذاكرة أولاً، كفتاة مرغوبة فاتنة، يفوته ان يحبها، ولكن زمناً آخر يعيده اليها. رنا تجد نفسها، كما هو شأن علي، وقد خرجت من دورة الزمن الاولى ملوثةً. الكارثة تصيبهما بنفس القدر الذي اصابه، رغم انهما يعيشانها من مشهدين ومعسكرين متواجهين ومنفصلين. خيارات رنا الحياتية سواء ككائن انساني او كأمراة والتي بدت كانها لا نهاية، تتبدد، وهي عندما تمد يدها الى المستقبل لم تقبض سوى الفراغ.

في الزمن الثاني، ومكان آخر صمتت فيه المدافع والقذائف، مكان بعيد عن ميدان الحروب، يلتقي الإثنان مجدداً. ولكنهما وقد انفتح امامهما افق اجتماعي اكثر دفئاً وعذوبة، يكتشفان ان شياطينهما الداخلية لم تنته من حروبها بعد. ويكتشف الإثنان ان الممر الوحيد الذي يترك للبشر ان يسلكوه هو الممر الى الجحيم عبر الشيطان. ولكن الثمن الذي تدفعه رنا للخروج من سطوة شياطينها يكاد يودي بعلاقتها بعلي الذي لم يعد يحتمل التفريط مجدداً برنا غير أنه يفشل في ان يتوحد معها في “الزمن الثاني”. اما بصدد حيادية النص فيمكننا القول ان اللغة المتقنة البناء، تقع ما بين غواية الصورة الشعرية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتأمل والرموز. وهي تعمل كجسر ينقلنا الى روح العواطف المنفلتة من سجونها المديدة. وهي تقودنا الى المشهد التالي كما تقود الموجة المياه وتسكت شهوتها في الموجة الثانية وبعد صعود صاخب ينتقل السياق متأملاً عميقاً من دون ان يتخلى عن سخونة المعنى.

ومع ان الأفكار والمواقف التاريخية والسياسية تندغم في النسيج العام للرواية بيسر الا انها لا تزال تحتل مساحة كبيرة من النص. ويذكرنا هذا الإنطباع بتجارب روائيين عديدين في الماضي استخدموه كنوع ادبي، كذريعة للتعبير عن أفكار ومواقف تأملية لا تستوعبها الأنواع الأخرى أو لا تستجيب لشروط الناشرين ومناخ القراءة المحلي. ومع ذلك فقد نجح بشتاوي في ان يتيح للقارئ ان يستعذب شروط حب مستحيل لكائنين تفصلهما حرب قدرية الطابع.

ومع تلك العذوبة تلج تخريجات بشتاوي التي تضعنا امام الأسئلة الصعبة للوجود البشري. بل انه يصدمنا اكثر من مرة بإعادتنا الى الأرض ومغادرة كوة أوهامنا الرضية، عن الثورة والأمجاد الملفقة. انها ايضاً رواية عن الإخاء البشري، رغم شروطه العسيرة وثمنه الباهظ.

 

15 ردّ على “إسماعيل زاير: قراءة في رواية زمن الموت والورود”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.