حسام الدين محمد: قراءة في رواية بقايا الوشم

رواية «بقايا الوشم» لعادل بشتاوي واحدة من أجمل الروايات العربية التي قرأتها خلال السنوات الأخيرة، بحيث فاجأتني بهذا الكاتب المعتكف، والصائغ الدقيق، والحرفي الماهر، الذي استطاع من خلال روايته هذه أن يحلّ معادلة الإبداع والمتعة معاً. غير أن الرواية ليست ذلك فحسب، فهي تحمل في طيّاتها طبقات عدة تحتاج الكثير من التمحّص لكي لا ينجرّ المرء أمام ما يبدو من سهولتها وبساطتها وîلذة النصîفيها.

تقوم الرواية على جرح قديم مفتوح بين حبيبين افترقا وكل منهما يظن الآخر قد غدر به: هشام الفلسطيني الذي يهاجر بعد ذلك الى لندن، وعلياء السورية التي تتزوج رجلا لا تحبه. ويكون لقاء الصدفة بينهما في لندن مناسبة لانفتاح الحكاية على بعد جديد وهو علاقة حب ناشئة بين ابنة علياء عروب وابن هشام وسام، ومن خلال هذه الثيمة البسيطة يعالج بشتاوي مواضيع معقدة عدة: الماضي والحاضر، الشرق والغرب، الجنس والزواج الخ…

الهوية بالعلاقة مع الحبيب

اعلان بدء الرواية على المستوى الدرامي يتجلى عند معرفة هشام ان المرأة التي سُرقت حقيبتها هي علياء، ومنذ ذلك يبدأ ìالحوارîباتخاذ أكثر من معنى واحد ويتجه نحو أكثر من عمق:

يسأل الشرطي هشام: «من أنت يا سيدي؟» فيجيبه: «من أنا؟»، ثم بعد أن يخفق ذهنه في العثور على إجابة بسرعة كافية يضيف بتردد، ìصديق، صديق قديمî.

ثم بعد ان تعرف علياء هشاما على ابنتها يسأله الشرطي مجددا «هل رأيت شيئا؟»، فيجيب «رأيت كل شيء.»، فتشهق علياء وتقول له بالعربية: «رأيت كل شيء وتركتني؟»

فمن خلال هذين السطرين فحسب يمكن تلخيص الآلام التي ما تزال تتصارع في دواخل هشام وعلياء، فالأخيرة تعتبر ان هشام تركها لمصيرها عندما كانا شابين عاشقين، بينما هشام يبدو مذهولا وحائرا. لقد كان يفكر بزوجته المتوفاة، ويتذكرها بألم، حين يظهر له فجأة الماضي الذي لم ينته بعد ليثبت أن الانسان لا يستطيع الهروب من مستحقات الزمن وتبعاته. وأجوبة هشام، التي لا تبدي حدّة ولا لوماً، كما تفعل علياء منذ اللحظة الأولى، رغم حادثة السرقة التي تعرضت لها، تعكس بلبلته وأثر الحادثات عليه: لقد رأى كل شيء، الحياة والموت، وسقوط الأحباب وابتعادهم، وبينما يظل جرح علياء مفتوحا وحيّا، وتتبدّى كلبؤة مُستثارة وجريحة، فإن هشام يبدو كما المتنبي في قوله: وصرت اذا أصابتني سهام، فهو أقرب إلى الغياب عن معنى ما تسأله علياء عنه، بل إن ذهوله يجعله أحيانا يقوم باساءة فهم مما يؤدي إلى اشكالات بينه وبين محيطه.

يحاول هشام وعلياء، ما أمكن، تجنب الحديث في حكايتهما القديمة، ولكن طرفا ثالثا يبادر دوما لجرهما الى الحلبة، ففي بداية الرواية يكون الشرطي الذي يحقق في قصة نشل الحقيبة هو الذي يبادر ـ دون أن يعلم ـ لفتح الخطوط المغطاة بالغبار، فهو يعقب بعد ان يشرح لعلياء وابنتها ما يجب ان تفعلا «وربما كان في امكان السيد هنا مساعدتكما.»، فيقول هشام «طبعا!».

وكذا تفعل عروب حينما تعقب على قصة سمعتها من أمها وهشام عن زملاء لهما أثناء الجامعة حيث تقول:« وماذا عن الغراميات؟»، ويصف بشتاوي رد الفعل لدى هشام وعلياء على الشكل التالي: «تصنّع هشام البحث عن الطريق الى المخرج فيما اختفت الابتسامة من وجه الأم فجأة وحسبت ان ابنتها تقصدها فقالت: ìأي غراميات؟»

هكذا يفتح بشتاوي المشهد وتتوضح الامكانيات الدرامية لروايته الرائعة.

تقوم رواية ìبقايا الوشمîعلى الجدل، الذي يتظاهر في غير صورة وشكل ومعنى، ولعلّ أهم أشكال هذا الجدل هي علاقة الذكورة/ الأنوثة، التي هي محرّك الرواية، ثم هناك جدل الأفكار: العلم /الابداع، والعفوية/ النظام، والمنطق /العاطفة، والتقدم/ التخلف، الماضي/ المستقبل.

تدور هذه الأفكار بإطار علاقة عروب بوسام، فعروب المندفعة والعاطفية مليئة بالأفكار المبدعة التي تقوم بالتفاعل مع قدرات وسام العلمية. في الفصل الثامن مثلا، يتم الاستطراد من حمل عروب (الوهمي) الى تعلمها لما يعنيه البريد الالكتروني وانترنت، فقد تم تشغيل فكرة الحمل الرمزية لتستوعب حمل عروب، الفتاة العربية، للعلم الحديث، حالما تتوفر لها الفرصة لذلك.

والتفاعل بين قطبي الأنوثة/ الذكورة، في «بقايا الوشم» لا يعني فقط التكامل بين الإرث العربي، في شقّيه، القادم من الوطن، ممثلا بعروب، والمتأسس في الغرب، ممثلا بوسام، بل يعني بشكل من الأشكال حلاّ لمشكلة الذات والآخر، التي كانت تتظاهر في الرواية العربية على شكل مثاقفة جنسية، عادة ما يكون طرفها الذكوري عربيا، وطرفها الأنثوي أوروبية، والتي تتكشّف غالباً عن صراع سافر او كامن. السهم هنا يمضي الى دائرته الحقيقية حيث لا يؤدي الاحتقان الى الصراع بل الى التلاقي والانفراج.

تغيّر الأفكار

أحد مستويات الرواية هو دراسة التغيّر ومن ذلك تغير الأفكار: كيف تتغير؟ هل تغيّرها الظروف؟ هل يغيّرها البشر أنفسهم عندما يقررون ويريدون أن يغيّروا حياتهم وظروفهم؟ ولذلك فان الرواية تعالج مواضيع الأقدار والمآلات. من يحددها وكيف تصاغ. وهذا يظهر مثلا في هذا الحوار بين علياء وهشام:

«هذا قدرنا، أليس كذلك؟» تقول علياء فيرد هشام:

«لا بد! يرتبط اكثر ما يرتبط بالتعاسة كما يبدو، لكننا لا نقصّر أبدا. إن لم تأتِ التعاسة مع القدر جئنا بها بأنفسنا.»

«نحن نصنع تعاستنا؟»

«ليس دائما لكننا نصنعها.»

«كيف يصنع الانسان التعاسة لنفسه؟»

وتدور تتمة الحوار ضمن هذا السياق نفسه، فالبطلان في نقطة لا يستطيعان فيها إلا مساءلة قدرهما ومسؤوليتهما فيه وعنه، ولا يلبث الحوار أن يمشي على سكة أخرى أعلى من أقدار شخصين، غير ان الراوي لا يريد أن يجعل من شخصياته أبواقا للدعاية والبكاء على أطلال التاريخ، فالمسؤولية بالأساس فردية، وحتى الانتصار والهزيمة فرديان، ويكفي انتصار شخص على قدر هزيمته الشخصية للانتصار على كل الهزيمة.

يبدو هشام واعيا لهذا الجدل المعقد بين الفردي والجماعي فهو من ناحية يؤكد على فردية العالم بقوله: «دروس الدنيا كلها لا تساوي لحظة حب حقيقي واحدة.»، ولكن حين تعيد علياء، في هذا الحوار الجميل وشديد الخطورة والدلالة في الرواية، الأمور الى فردانيتها بقولها: ìلم نستطع القيام بشيء؛ لا أنا ولا أنتîيرد هشام الأمور الى جماعيتها قائلا: «لا أنا ولا أنت ولا احد في الدنيا كلها».

لاستقراء امكانيات التغير تقوم الرواية على عدد من الخطوط المتقاطعة، تتكشف خلالها قدرة الأحداث على تبديل المواقع جذريا، فعروب، التي تظهر في بداية الرواية على شكل فتاة جامحة تطلق الكلام على عواهنه ولا تهتم بشيء غير حالها الآنية دون مراعاة لشعور الآخرين، لا أمها، ولا هشام، ولا وسام، فكل همها أن تصل الى امريكا لتحضر عرس خالها، دون رغبة في التفكّر ولو قليلا في الظروف التي صارت إليها، او في كيفية عقلانية لحلها. عروب، التي تظهر في بداية الرواية، فتاة بكّاءة شكّاءة نافرة، بل «قليلة التهذيب»، تكشف مع تصاعد الخط الدرامي والحدثي عن معدن روحي مقاوم ومصرّ، يؤدي إلى حصولها على ما تريد، دون تشوه حساسيتها وعاطفيتها العالية، ولا تستثني من عاطفتها المتوهجة حتى أباها، الذي سامها العذاب وحضّر لها لزيجة بعواقب انتحارية.

تستثار عروب، في بداية الرواية، لمجرد ذكر أبيها، أمام هشام، الذي تعتبره غريبا، بل انها تشعر بالغيرة على أمها والرغبة في حمايتها من هذا الانسان ìالغريبîفحين تطلب علياء النصيحة من هشام تقول عروب: ìوما دخله في هذا؟ أبي!î، لكن الفتاة التقليدية في عروب لا تلبث، بعد وقوعها في غرام وسام، أن تتجاوز في طريقها الحيثيات الاعتيادية والتقليدية للعلاقات، مع الجميع: أمها وأبيها وخالها وهشام ووسام.

يتبدل كذلك حال وسام، الشاب الانكليزي الصفات العربي الأرومة، والذي تشفّه فجأة نار العشق خلال أيام معدودات فيتركز مجرى حياته في هدف الزواج بعروب، ويصبح تحقيقه لهدفه انتصارا على نفسه، و ـ ضمن الهدف العام للرواية ـ على هزيمة أبيه هشام وأم حبيبته علياء، اللذين فشلا في تحقيق لقائهما في الماضي.

واذا كانت خواتم الحكايات تبدّل أحوال أبطالها، على أية حال، فإن التبدّل هنا ليس ابن الحكاية، لا بالمعنى الوعظي ولا بمعنى الصدف المسلّية والخواتم الجميلة، كما أنها ليست في ما نحسب انتقام الراوي من حكايته الشخصية، كما أنها ليست إرادات ورغبات القارىء وقد تجمعت وساعدت الأبطال على تحقيق ما يطمح (ويطمحون) إليه.

هناك شيء «حقيقيّ» في تخييل بشتاوي وحكايته، بمعنى أن على القارىء نفسه أن يتغيّر لتستطيع عروب (التي هي الفتاة العربية عموماً) أن تنتصر على كل ظروفها الآسرة والمانعة لها من انجاز هذه البديهة الأشد صلابة وتحجرا من الصخر: أن تتزوج الفتاة العربية ممن تحب.

لهذا السبب ربما، لا تستطع الكثير من الفتيات العربيات ـ حتى الآن ـ مساعدة عروب؛ أعني: الاقتناع بقدرتها على تحقيق ما حققته في حكايتها، وبالتالي لا يستطعن أن يتماهين معها كثيرا، رغم أنها ـ ويستطيع القارىء أن يحلف على ذلك ـ شخصية ìحقيقيةîمن لحم ودم، بقدر ما هي شخصية مجازية ومن خيال الكاتب، ومرفوعة على أس الرمز ومعانيه المتعددة.

تستطيع عروب، في الرواية، أن تجتاز شرطها، وتقاوم كل الامكانيات لإهدار حياتها، التي ارتبطت، بلحظة واحدة، وللأبد، بفكرة الحب والخيار الشخصي، فكم يا ترى من فتيات عربيات، قادرات على أن يكن عروب، لا طبعة سلبية او ايجابية من علياء؟

غير أن عروب لم تكن بالطبع وحدها، فهناك، اولا، وسام، وهناك، ثانيا، هشام وعلياء، لا بمعنى الأب والأم، بل بمعنى عبرة الحكاية ومآلها. إن فشل هشام وعلياء، في الاقتران، وندمهما على الماضي، هو أحد دوافع وسام وعروب، وهما أيضا هنا، لا بمعنى الشابين العاشقين فحسب، بل بمعنى امكان الماضي الخائب ان يؤدي الى حاضر (ومستقبل) منجز دون خيبة.

وبمناسبة الندم، فإن هذه الرواية يمكن اعتبارها (في بنيتها الجوّانية) رواية ندم. لكنه الندم الذي يحاول الغفران لنفسه. يقول الراوي في بداية الرواية على لسان هشام: «سيأتي سريعا الوقت الذي ستغادران فيه البيت الى المطار وسيرحل الفرح معها لكن قرينه سيبقى فترة قبل ان يخزن نفسه مع اشياء كثيرة مثله في ذاكرة ستكون قديمة مثله. كان يمكن ان تكون ابنته كما كان يمكن ان تكون أمها زوجته لكن هذا لم يحدث. كانت الخسارة فادحة لو لم يجد زوجة مثل زوجته جاءت له بشاب مثل وسام، لكن وجود عروب تعويض آخر».

في «بقايا الوشم»، نتبين أيضا، أن عنصر الخوف يمكن أن ينهدم حالما يبدأ المرء بالتغير او حالما نتجاهل هذا العنصر، فموقف علياء مثلا هو الخوف من معرفة أخيها المقيم في امريكا بأنها في بيت هشام، ولكننا نكتشف، حالما تذهب لهناك أن هذا الجدار قد انهدم فجأة الى درجة أن لا أحد قد انتبه اليه، فأخوها يشاركها محاولة حل مشكلة العاشقين عروب، ابنة أخته، ووسام.

وكذلك الأمر عندما تحس عروب بشعور العشق نحو وسام فتحكي عن ذلك بكل براءة وجرأة أمام أمها التي تقول لها: ìعروب! لا أعرفك خفيفة هكذا؛ ماذا صار لك؟îفتقول ìعاشقة؛ هذا هو السبب؛ عاشقة هذا الأخ القاعد هناك مثل السطل لا يرى ولا يسمع.î، وحين تطلب علياء من ابنتها ان لا تشتم الشاب تجيب: «العشق شتيمة؟»

«الشرق والغرب» أحد خطوط الرواية أيضا قراءة الأسئلة بين العقليتين الغربية والشرقية. هشام، رغم أنه عربي، فإنه لم يعد يفكر كعربي. تقول له علياء عندما يعرض عليها أن تنام وابنتها في بيته: ìأنت لا تعرف ما تقول. ألم أقل لك أنكم لا تفكرون مثلنا؟î، فيجيبها هشام: ìان كان علينا أن نفكر بلا منطق فما هي الفائدة من التفكير مثلكم؟î، وعلياء تقول لعروب التي لا تحب الكذب «إذا اكذبي هذه المرة، ولا تفكّري مثل عرب المهجر يا حبيبتي، يختلفون عنا وعاداتهم غير عاداتنا».

تحس عروب أيضا بأحد جوانب ìالغربيةîفي سلوك الأب وابنه، وهو القدرة على وضع حاجز يمنع الناس من معرفة ما يجري داخل المرء وهو ما يقوم به الأب اولا ثم الابن، ويرد الأمر هكذا في الرواية:« لكنها لم تستطع اختراق عينيه وازعجها حاجز وجدته في ابيه من قبله» (ص ٦٣١)، وكذلك تشير آرلين الانكليزية الى وسام قائلة: «وسام ليس عربيا؛ ليس مئة في المئة» (٦٥١)

وقد تفاجىء برودة هشام، وتعامله ìالانكليزيîشبه الحيادي مع الحدث، القارىء، غير أن هذه البرودة الأولية والترفع يبدوان نوعا من الدفاع العام الذي تبديه ذاكرة مرضوضة ومرتكسة، بل ان البرود يبدو مبررا باعتبار ان هشام لا يريد ان يفرض نفسه على المرأتين، كما أنه لا يتردد في المساعدة ولكنه ينتظر من علياء أن تقوم بطلبها منه.

قد يكون غريبا، بالمناسبة، تبرير الطلاقة التي تتفاهم بها عروب مع وسام بالانكليزية، لكن لقاء وسام الانكليزي اللغة (لكنه يفهم اللغة العربية)، وعروب المتعلمة للانكليزية، يؤدي لحلّ للفكرة ـ السؤال الذي يسأله أمثال هشام: هل سنخسر، نحن العرب، الذين نعيش في بلاد غريبة، مستقبل فكرتنا، المتمثل في ابنائنا؟ هل سينبتّ ماضينا وينقطع، ويكون ابناؤنا محض كائنات جينية ساهمنا في خلقها ولكنها صارت غريبة الوجه واليد واللسان عنا؟ كما أنه حل من الجهة الأخرى لعلاقة الشباب العربي في أوطانهم بالحضارة المتجسّدة في معرفة لغة كالانكليزية.

يستخدم الراوي آرلين في صورة تخييلية باعتبارها شهرزاد ويقدّم بذلك محاكمة للمنطق الشرقي التقليدي للعلاقة بين الرجل والمرأة. آرلين في هذا المشهد بمواجهة زوجها المتخيل شهريار الذي يقول لها ìكيف تجرؤين على مخاطبتنا هكذا؟ أنا سيدك وزوجكîتردعليه زاعقة: You can’t be serious!

أنت زوجي، نعم! لكنك سيد حذائي وتظل سيد حذائي الى أن أقرر أنا أن أجعلك سيدي.î، وتقوم عروب بمناقشة وضعها وتقابله بوضع آرلين قائلة: «هي وآرلين تعرفان حقوققهما، لكن آرلين تأخذ حقها نقدا وهي تأخذه بالتقسيط أو يتحوّل دينا يضاف، من دون علمها، الى ديون متعثرة أخرى في ذاكرة الزوج الواهية، ثم في ذاكرة الأولاد الأوهى فيما بعد».

لكن المقارنة بين الشرق والغرب ليست باتجاه واحد، الايجاب فيه يميل للغرب، والسلب للشرق، فعروب لا آرلين هي التي تفوز بقلب وسام منتصرة فيها على ابنة الغرب، ودون أن تقدم ـ اذا استخدمنا لغة عروب ـ ما اعتاد هو عليه كشاب يعيش في الغرب، فهي حتى عندما تستعد للتجاوب الجسدي مع وسام تجد نفسها تقف عند نقطة لا تستطيع تجاوزها فتقول: «لا! لا! لا! إلى هون وبس! لا أفعل اكثر من هذا لو كان آخر رجل في الدنيا. كيف يا ربي؟ أنا آرلين؟»، فهذا الموقف لا يقدم عروب كمتخاذلة بل كفتاة عربية ذات شخصية حضارية تتعامل مع الجنس بطريقة مختلفة، وهو الأمر الذي يتناقش فيه وسام مع عروب على عدة صفحات 255-219، ثم في الفصل اللاحق.

أعتقد أنني أعلم كم تقصّد الكاتب من اعطاء رمز الفتاة العربية في الاسم «عروب»، ولكن، على قدر معرفتي، فهذا الاسم شديد الغنى جدا ويمكن أن يحمل أكثر بكثير من فكرة الفتاة العربية، فاذا قمنا بتتبع معاني هذا الاسم في الأزمنة القديمة لوجدنا علاقة له بمعنى الخصب، وما زالت قبائل عديدة تستخدم فعل ìعربîبهذا المعنى في اليمن، ولعلّ ذلك يعود لوجود إلهة خصب بهذا الاسم، كما أن الاسم قد يكون، في اعتقادي، هو أصل كلمة اوروبا، الأميرة التي خطفها زوس من بلاد كنعان، وأطلق اسمها على القارة، فمن معاني الاسم إذن ـ بناء على هذا الأساس ـ الغرب: غروب.

تناسخ الأجيال وتصارعها

لكن التاريخ، بحسب الرواية ليس انقطاعات بين ماض وحاضر وليس انفصالا بين شرق وغرب. نصل بذلك إلى ما يمكننا وصفه بالتناسخ أو تكرّر الظروف عند اكثر من جيل في العائلة الواحدة: علياء وهشام يتناسخان في صورة عروب ووسام، والأمر مدروس في الرواية حتى على المستوى الشكلي فاسم عروب يبدأ بحرف العين مثل اسم علياء، وينتهي بحرف الباء الذي يأتي في الترتيب الأبجدي بعد حرف الهمزة الموجود في اسم علياء، ويتفق هشام ووسام بالحرفين الأخيرين ثم تأتي الواو بعد حرف الهاء في الحرفين الأولين (كما أتت الباء في عروب بعد الهمزة في علياء)، وغريب، على المستوى الشكلي، هذا التناظر، الذي يجعل الاختلاف بين الأب والابن في البداية (الحرفين الأولين) وبين الأم والابنة في النهاية (الحرفين الأخيرين)، فكأن الأشكال (الأسماء) أيضا تلعب لعبتها لتصب كلها في مجرى التقاطع الكوني للمعاني (الأشخاص): الذكورة والأنوثة.

ويتظاهر عامل ìالتناسخîعددا كبيرا من المرات، كما تجري المقارنة بين هشام وعلياء مع وسام وعروب بطرق عديدة، كأن تقول علياء عن ابنتها: «لن تقبل، أنا أعرفها؛ عنادها أصلب من الصخر.»، فيقول هشام: أكثر من أمها، وكذلك حين تحكي علياء عن ابنتها قائلة: «سريعة الفوران مثل حبة الاسبرين.» فيقول هشام: «تقصدين مثل امها؟» فتقول: «تقريبا.». وكما عندما يشاهد هشام الفتاة وقد خرجت من الحمام وقد تورد خداها ولمعت عيناها وسطع جبينها ثم «للحظة واحدة خيّل إليه انه يرى عند مهبط درج بيته فتاة أخرى رآها آخر مرة قبل اربع وعشرين سنة واسقط الزمن على الوجه الذي يذكره ضبابا تلاشى فجأة وهو يرى ابنتها امامه فنظر إليها بدهشة»، وفي الفصل نفسه يرد هذا النص: «قال لصورتين تداخلتا فجأة في وجه واحد، كنت سأندم لو لم استطع اقناع امك بالبقاء معنا.»

يستخدم الراوي المنظور بأكثر من اتجاه، لكن المثير للدهشة هو المنظور المقلوب، أي عندما ينظر الشابين الى نفسيهما في والديهما، كما تفعل عروب: «نظرت إليه الا انها كانت تنظر الى ابنه فيه».

هذا التناظر بين الآباء والأبناء يقوم بدور محرّك في الرواية، حيث يجعل الأبناء الآباء يتحمّسون ويعيدون تصميم حياتهم بطريقة جديدة، فحين تقوم علياء في بداية الرواية بتأنيب ابنتها لسهرها مع وسام ولقبولها هدايا ثمينة منه ولأشياء أخرى خطرت في ذهنها ولم تجرؤ على البوح بها تقوم عروب برد ناريّ يضع الأم على حافة القرار: هل تستطيع أن تتهرب من كلماتها، ولا تستطيع فتتجرأ وتقول لعروب: «اهنئي به يا حبيبتي وعيشي الحياة التي تريدينها؛ لن اتدخل مرة ثانية». (ص 125]

مفاتيح الأسرار

تقدّم الرواية للقارىء مفاتيح للدخول في أسرار يقتصد الراوي في الابانة عنها، كما في الصفحة 53 حين تشاهد علياء وعروب ابن هشام، ويرد الأمر على هذا الشكل في الرواية: «دار وسام الى الأم فسقط نور المطعم على وجهه فشهقت خفيفا ونظرت الى ابنتها ولكن عروبا كانت نظرت إليه ورأت ما رأته أمّها ففتحت الاثنتان عيونهما واسعا»، وما ذلك إلا لأن المرأتين تبينتا الشبه الكبير لوسام بأخي عروب، وهو الخيط الدرامي الذي تبقيه الرواية مطوياً، وإن كان يستعاد في نهاية الرواية عندما يسأل أبو عروب زوجته عن حقيقة نسبة إبنه إليه يذكّر هذا المشهد في الرواية بلقطة سينمائية شهيرة من فيلم حدث مرة في امريكا Once Upon a Time in Americaحيث تحاول بطلة الفيلم عبثا اخفاء ابنها عن أنظار حبيبها القديم (مثّل دوره روبيرت دي نيرو)، لأنه سيرى فيه صورة صديقه السابق، الذي خانه وقتل أصدقاءه وأخذ حبيبته فالنظرة الى الولد ستكشف كل خيوط الخيانة: خيانة الصديق والحبيبة.

وهكذا يقوم الراوي بين حين وآخر بكشف ضوء صغير هنا او هناك للقارىء لكي يجمع الصورة ويكوّنها، كما يحصل عندما يكتشف هشام تفاصيل جديدة في حادثة افتراقه عن علياء، فعلياء تشير الى أن تيسير، الذي كان الواسطة بين علياء وهشام أثناء سجنه، قال لها ان هشاما سيخرج بعد سنة لا بعد اسبوعين، فهي تعقب ìحتى لو قال لي انك ستخرج بعد اسبوعين ما كنت صدّقت، كان مجرد احتمال ولم يكن عندي وقت للاحتمالات.îفهذه الاشارة الصغيرة لا تستلفت حتى نظر هشام ولا يدقق في معناها.

الحوار السينمائي

أول التشابهات بين رواية ìبقايا الوشمîوالفن السينمائي هو التركيز فيها على الحوار، وهو العمود الأساسي الذي يرتكز عليه الفيلم السينمائي عادة؛ والحوار في الرواية رشيق وذكي، بل إنه يلعب أحيانا دور السرد ويغطي وظيفته. أما السرد فيقوم، كالسيناريو السينمائي، بالالتفات الى الجوانب التي يحتاج اليها الفيلم عادة بشكل يجعل من رواية ìبقايا الوشمîشبه جاهزة للاخراج السينمائي او التلفزيوني، دون الحاجة الى اضافات كبيرة لكاتب السيناريو.

وخلال النقاش الأول لعلياء وهشام حول حكايتيهما المختلفتين لحدث افتراقهما تقول: ìغريب! أنا سمعت رواية أخرى.îوحين يقول هشام إنه ليست هناك رواية أخرى تجيب علياء: «هناك رواية أخرى. تعرف فيلما اسمه “فاني”؟»

وهكذا يتم عرض فكرة التبادل بين الواقع والخيال، من خلال هذه الاستعانة، التي ليست غير ذات معنى، بقصة فيلم، ويتم ذلك في مكان آخر بحيث يتم التبادل بين عناصر السينما والأدب والواقع (واقع الرواية) كما في هذا الحوار بين هشام وعلياء:

«رأيت فيلماً مصريا قديما خلال زيارة اخيرة الى دبي يريد ان يقول ان الحب الاول وهم كبير.»

«يريد مخالفة الذبياني وهذا صعب.»

«كثيرون يخالفون الذبياني؛ ديك الجن واحد منهم.»

«حمصي،îقالت ضاحكة، ìماذا تتوقع منه؟»

«إذا ليس وهماً؟»

«إن كان وهما لم يكن حبا.»

«اذا لم يكن وهما؟»

«لا!» قالت من دون تردد.

الغدر والسرقة

ما هي قصة هذا النصل الذي لم يغرز في جسد هشام ولكنه يعاود تخيّله واستذكاره (راجع مثلا صفحات 110-34-24) وربطه بحادثة فراقه مع علياء؟

لا يمكن اعتبار حادثة سرقة علياء في الفصل الأول من الرواية بدون دلالات، فما السبب الذي يجعل الروائي يجمع بين شخصين افترقا على احساس كل منهما بغدر الآخر، ليلتقيا في بريطانيا أثناء حادثة سرقة؟ صحيح اننا نعلم ان السارق برازيلي ولكن ألا يمكن لهذا اللقاء، في هذا المكان بالذات أن يحمل دلالة ما؟ هل يمكن التفتيش في ìلا شعور الروايةîلو أمكن نحت اصطلاح كهذا عن حادثة السرقة الكبرى التي أدت بالفلسطيني هشام الى مغادرة بلاده، والعمل في المقاومة، والتعرض للسجن، والافتراق، بالتالي، عن حبيبته؟ وهل يمكن بذلك تحميل علياء امكانيات رمزية، كما يمكن بسهولة أن نفعل مع عروب؟ وقد نستفيد من الدلالات الشكلية التي تركها لنا الروائي، الذي يبدو مشغوفا بأدق التفاصيل، فاسم علياء يحيل الى العلوّ، فاذا كان اسم عروب يحيل للفتاة العربية، فإلام يشير اسم علياء؟

علياء، هي ـ على المستوى الرمزي ـ، الحلم المضيّع، الذي شارك كثيرون في الغدر به ومنع هشام من الوصول إليه. إنه الحلم العالي، الذي كان انجازه يعني الوصول إلى هدف حقيقي في الحياة لا تبديدها في المنافي.

السرقة والاحساس بالغدر (مستعادا على شكل مطواة لص، او بالأحرى شخص مساعد للصّ يختفي خلف زاوية)، تذكّرنا بطريقة ما بما فعلته بريطانيا، التي ساعدت اللص الاسرائيلي، وحملت، عند اللازم، السلاح، لايقاف المسروق (الفلسطيني) من القبض على اللص.

هناك تفصيل مهم آخر، وهو ضياع جوازي سفر علياء وابنتها، فالسارق قام بسرقة رمز الهوية (الجواز)، والذي تتم استعادته بالعلم، عن طريق وسام، الذي استخدم الكومبيوتر لايجاد سلات المهملات في المنطقة التي سرقت فيها الحقيبة.

إن حادثة افتراق هشام عن علياء، ليست اول حادثة غدر يتعرض لها الفلسطيني في هشام، وبالتالي فالنصل بالنسبة إليه، جاهز دائما، لانتظاره على مفترق طريق، وهو ما يجعله، من ناحية، حذراً، ومن الناحية الأخرى، غير حذر بالمرة، لأن انجراحيته النفسية تجعله دائما قابلا للعطب الرومانسي، مجسدا في الوقوع في الحب، مرة تلو المرة، أو في البحث عن الحق والمثال والعدالة الضائعة.

اللغة والصورة الفنية معادلة عادل بشتاوي اللغوية تقدّم شيئا جديدا للرواية العربية فلغة الرواية تقوم بتطويع جميل جدا للفصحى كما أنها تقدّم للقارىء العادي أفقاً للاستمتاع حيث يستخدم أحيانا كلمات غريبة ولكنه يستطيع بشكل جميل أن يجعل القارىء يفهم معناها، بل ويستمتع باستخدامها الذي يتبدى إليه بكرا ونضرا، كاستخدامها لكلمات مثل: زبن، مرز، جمش، كما أن الرواية رغم تركيزها على الحوار فإن السرد فيها ليس نافلا بل شديد الحيوية والضرورة والصورة الفنية فيه ناجحة جدا، وهاك بعض الأمثلة على ذلك: ìتركت علياء الابتسامة على شفتيها لكنها لوّنتها أصفر وقالتî (ص 51)، «فتحت عينا عروب فوق وسام مظلة احتقار ذات الوان فاقعة» (56)، امتدت يده الى مخزن وجوه في دماغه يستخدمها في اجتماعات رسمية ووضع واحدا حجب عنها داخلهî (ص 86).

ولنر كيف يتم تصوير عروب ضمن علاقتها بفكرتها المخترعة عن الحمل من وسام وكيف تتفاعل بشكل جميل معها:« ضغطت على بطنها برفق فتقعرت المخدة تحت يديها فاستغربت ألا تكون شعرت بألم، وألا يكون الضغط أخاف الجنين السابح في ماء ممزوج بكل شيء بما في ذلك بوله الخفيف فهرب منه وركل حائط عالمه العجيب ينبّه أمه الى وجود خطر في الجوار» (ص 169).

وفي الحقيقة فإن الهمّ اللغوي هو أحد الهموم الداخلة في الحكاية نفسها، ففي كثير من الأحيان يتناقش وسام مع عروب على كلمة او يرد ذكر القاموس، فللتفاهم يحتاج الشابان دائما الى هذا القاموس بحيث يغدو احيانا نقطة وصل بينهما (را: ص 302 مثلا).

رواية عادل بشتاوي هذه هي مثال جليّ لقدرة الرواية العربية على اجتراح مكامن ومناطق جديدة في الروح، كما أنها، وهذا جانب لم ندرسه في هذه القراءة للأسف، يمكن أن تقدّم ـ ضمن السلسلة الطويلة من الروايات العربية التي استكشفت موضوع الذات والآخر ـ الإسهام الأول الذي لا تكون فيه الذات ولا الآخر ضمن شروط الاستلاب، او المثاقفة الجنسية ذات الأعراض العصابية والهستيرية. رواية «بقايا الوشم»، باختصار، ستكون معلما رئيساً في الرواية العربية المعاصرة، وهي ستكرّس بذلك كاتبها كواحد من أهم الروائيين العرب المعاصرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.