صلاح حزين: قراءة في رواية بقايا الوشم

«الغربة عند عادل بشتاوي ليست سوى صورة اخرى للوطن انه يستحضر الوطن ولكن ذلك لا يتم من خلال حنين اليه بقدر ما يكون من خلال المواءمة بين الوطن والمغترب، من خلال الاستعانة بالحياة في احدهما على فقد الثاني.»

لا تشذ رواية عادل بشتاوي بقايا الوشم عن باقي روايات الاغتراب في طرحها موضوعة الغربة بوصفها الوجه الآخر لموضوعة الوطن. فرواية الاغتراب لا تكتمل الا باستحضار الوطن الذي تبدأ الغربة بفقده، وفيها يزداد الوطن حضورا بأحداثه وتفاصيله وشخوصه، وتصبح حياة الوطن ظلاً دائم الحضور لحياة الغربة، ففي الغربة ليس هناك ما هو اكثر حضوراً من الوطن.

الغربة من حيث المبدا تقيض الوطن، لكنها ايضا وجهه الاخر، ومن هنا فقد اعتدنا ان نقرأ روايات عن الغربة هي الاكثر احتشاداً بالوطن واحتفاءً بصوره ورموزه واستحضارا لشخوصه واحداثه من خلال حنين طاغ الى تلك المرحلة من العمر التي كان فيها للشخصيات وطن تسكنه قبل ان تأتي مرحلة الغربة التي يكن فيها الوطن تلك الشخصيات.

لكن الغربة عند عادل بشتاوي ليست سوى صورة اخرى للوطن انه يستحضر الوطن ولكن ذلك لا يتم من خلال حنين اليه بقدر ما يكون من خلال المواءمة بين الوطن والمغترب، من خلال الاستعانة بالحياة في احدهما على فقد الثاني. ففي غربته في لندن يتزوج بطل روايته هشام، وفيها تموت الزوجة الأنجليزية وتدفن هناك، ويدفن معها جزء من قلب هشام وذكرياته الحميمة. وهناك ينجب ابنه وسام الذي يكون في زمن الرواية في مقتبل عمره. ومثل والده هشام لا يجد وسام صعوبة في التعامل مع مغتربه، ولا يشير اليه بوصفه كذلك طوال الرواية، بل انه بعد ان يلتقي عروباً ويحبها في لندن يسافر الى عمّان ليتزوجها ثم يأخذها معه عائدا الى مغتربه دون ان يؤرقه شعور بفقد الوطن والابتعاد عنه وكان المغترب هو الموجه الآخر للوطن.

وبهذه المشاعر تجاه المغترب فإن وسام هو الابن الشرعي لابيه هشام باكثر من معنى فهشام الذي وصل مغتربه اللندني في مطلع السبعينات بعد قصة حب فاشلة وقصة نضال سياسي لا يبدو انها كانت اكثر نجاحا، وجد في مغتربه ذاك ما لم يجده في وطنه. وجد الزوجة المحبة ووجد حياة اكثر راحة واستقرارا، ساعده في ذلك انجابه ابنه وسام من زوجته الاوروبية ليصبح له ابن نصف اوروبي يشكل صلة الوصل بمجتمع لم تعزه وسيلة اتصال به اصلاً.

ثم… كان يا مكان

تبدأ الرواية بهشام متتقلا في شوارع لندن الرئيسية والفرعية التي يعرفها جيدا وينقل نظره بين حوانيتها ومحلاتها التجارية التي يكاد يحفظها عن ظهر قلب مستذكراً اياماً مضت كان خلالها يتجول في هذه الشوارع نفسها منتظرا زوجته الراحلة تصعد اليه من محطة مترو الانفاق ليعودا الى بيتهما.

لكن حادثاً يقع امامه وهو في هذه الحال يعيد هشاماً الى زمن آخر ومكان آخر. فمن خلال متابعته حركة الناس في الشارع يشاهد لصاً يحاول سرقة حقيبة امراة تسير وابنتها. وحين يقترب منهما يكتشف ان المرأة ليست سوى علياء، تلك الفتاة التي احبها في دمشق في مطلع السبعينات، غير انه لم يتزوجها فـ”ظفر” بها خليل وتزوجها قبل اكثر من ربع قرن عبر ملابسات نكتشفها من خلال مشاهد وومضات رجوع في الزمن وحوارات بينهما تصخب حيناً وتنساب بهدوء وعذوبة حيناً آخر ولكنها تبقي حزينة في كل الاحيان.

وتضطر علياء ومعها ابنتها عروب بعدما فقدتا كل ما معها من مال واوراق الى ان تقضيا بضعة ايام في شقة هشام في لندن وهناك تختلط حياة الغربة بذكريات الوطن، وذلك عبر مسارين مسار استرجاع هشام وعلياء الملابسات التي احاطت بحبهما الذي افضي به، بسبب ارتباطاته النضالية الفلسطينية، الى السجن، وافضت بها، بسبب قسوة المجتمع، الى الزواج من خليل. اما المسار الثاني فتشكله تلك العلاقة التي تنشأ بين وسام إبن هشام وعروب ابنة علياء وتتطور الى قصة حب جديدة تبدو حيناً كأنها تكرار للقصة القديمة لابويهما لكنها سرعان ما تعود الى حقيقتها قصة جديدة ومختلفة تماماً، فهي قصة تحدث في زمن مختلف وعلى ارض مختلفة.

بقايا الوشم رواية عادل بشتاوي الاولى، بعد خمس مجموعات قصصية ورواية قصيرة، هي قصة وسام وعروب. وعلى الرغم مما يبدو في كثير من الاحيان وكانها تنويع على قصة والديهما هشام وعلياء فانها سرعان ما تعود لتاخذ منحنيات جديدة تنأى بها عن تلك القصة التي حدثت قبل اكثر من ربع قرن وتشهر نفسها قصة جديدة لجيل جديد في زمن جديد وعلى ارض جديدة.

الجديد والقديم

ما يجمع القصة الجديدة بالقديمة روح الشباب وعنفوانه ونزقه وتهوره وجنونه والتى يتبادل الادوار فيها كل من وسام وعروب اليوم تماماً مثلما كان يتبادلها هشام وعلياء قبل ربع قرن. ويجمع القصتين وجود هشام وعلياء العاشقين السابقين اللذين يراقبان قصة حب العاشقين الشابين ورعايتهما لبذرة الحب التي انطلقت بين ولديهما، وحرصهما على الا تنتهي قصة الحب الجديدة الى فشل فيكرر التاريخ نفسه في صورة مأساة. ويجمع القصتين ايضاً وجود خليل فهو زوج علياء الذي ما زالت شكوكه بعلاقة زوجته بهشام حاضرة لم تخفف من وطأتها السنون التي مرت، وهو والد عروب وبصفته هذه فإنه قادر على افشال قصة الحب الجديدة بين وسام وعروب وهو أب، تماما كما كان افشل قصة حب هشام وعلياء وهو زوج قبل اكثر من ربع قرن.

لكن الزمن لا يبدو محايداً أبداً هنا، فالقصة الجديدة تدور احداثها في التسعينات وليس في السبعينات، وان كان صحيحاً ان عروب تحمل روحا رومانسية مثل امها فإنها في الوقت نفسه أكثر جرأة وهي اكثر ثقافة وعلما ومعرفة من امها وهي اكثر احساسا بنفسها روحا وكيانا وجسداً لا تعيبه احتياجاته حتى البيولوجية الخالصة منها. وهي اكثر قوة لذا تتصدى لآرلين صديقة وسام الانجليزية وتجبرها على الانسحاب من حياته. وبالرغم من ذلك فهي ليست مثل عرب المهجر (ص 99).

اما وسام فهو إن بدا حينا تنويعا على شخصية والده هشام فإن له من المزايا ما يجعله يبدو متجاوزاً له، وفي كثير من الاحيان نقيضاً له فهو ليس مغتربا مثل والده، وهو بذلك متحرر من أثقال الماضي وقيوده التي ما زالت تكبّل حركة والده، سواء كانت تلك القيود ذكريات حب فاشل، أو عمل يذهب به الى بلدان عربية في البحرين وقطر والامارات او إخوة واخوات واقارب يذهب لزيارتهم في عمان ودمشق. وسام هنا نصف مغترب، اي انه نصف اوروبي يحتفل بعيد الميلا ويحرص على اضاءة شجرة بهذه المناسبة وهو مولع بالاوبرا وهو في الوقت نفسه لا يجيد العربية تماما فهو لا يعرب ولا يكتب ويفكر بالانكليزية (ص 142).

وفوق ذلك فإن وسام يتعامل مع ارقى منجزات التكنولوجيا في مجال الكومبيوتر، فهو ليس ابن التسعينات فقد بل هو ايضا ابن المجتمع الاوروبي المتقدم اجتماعيا وتكنولوجيا بما لا يقاس عن المجتمعات العربية وحين يلاقي عروباً يكون منغمساً بالعمل في فيلم يحتاج مهاراته في هذه المجال ويتلخص دوره في العمل في برنامج يحرك شفتي الممثلين وفق اصوات حروف العلة. “الصور التي ترينها على الشاشة بلا حياة. لجعل المشاهد يتفاعل معها لا بد من احيائها عن طريق جعلها تتحرك وتتلوى وتتألم كالبشر وتنطق ليس بالكلمات فقط بل بالعاطفة التي تناسب الكلام” (ص 137). بل ان وساماً لا يتردد في استخدام الكومبيوتر في خداع عروب من خلال تركيب صوت على صوته والدخول في حوار هازل معها عبر المحيط.

المجاني والمكمل

هذه المعرفة بالكومبيوتر ودقائقه ليست مجانية في الرواية فهي المكمل لانتماء وسام الى عصره الجديد والى مجتمعه الاوروبي الجديد. هذه الانتماء الذي يبدو جلياً في اكتمال شخصيته واتساق افكارها مع مسلكها وخلوها من العقد المشرقية التي تدخله في ارباكات اساسها عدم الثقة بالنفس والهواجي الموروثة. وهو ما نلاحظه واضحا في شخصية عروب فبالرغم من كونها ابنة عصرها فإنها تبقى ابنة الشرق وليست ابنة الغرب. لذا فإنها كثيرا ما تدخل في حالات من عدم اليقين وتتمنع على ما ترغب فيه وتتصنع عدم الاكتراث بما تتلهف عليه وكلها سمات مشرقية بامتياز.

وهذه المعرفة بالكومبيوتر واسراره ليست سمة عصر مختلف فقط بل هي سمة مكان مختلف ايضاً فإن كان وسام هو ابن مجتمع التكنولوجيا والكومبيوتر فإن خليل والد عروب هو الابن الشرعي لمجتمع التقاليد البالية والشكوك والريبة وعدم الثقة بالنفس وعدم التسامح حتى مع اقرب المقربين اليه – الزوجة والابنة. لذا فهو حالما يعرف ان زوجته علياء وابنته عروب قضتا ليلة في لندن حتى يبدأ رحلة من الشك تتبعها رحلة من البحث الدؤوب من اجل اكتشاف ما يمكن ان يكون قد حدث مع زوجته وابنته في العاصمة البعيدة ويثمر دأبه في هذا الاتجاه.

ويصل خليل فعلا الى اكتشاف اقامة زوجته في شقة هشام فيتحول الى وحش كاسر يملأه الغضب وتستحوذ عليه الرغبة في الانتقام فيبدأ عملية مريعة من الاذلال والاهانة لزوجته والطعن في شرف ابنته التي لم يستوعب ذهنه المتخلف ارتباطها بعلاقة حب مع شاب غريب ويصر على اجراء اختبار للتأكد من عذريتها مع ما يعنيه ذلك من اهانة لانوثتها واغتصاب لكرامتها واعتداء صارخ على بكارتها بالمعني النفسي للكلمة فضلا عن الاعتداء على بكارتها الحقيقية. وامام هذا العدوان السافر على شخصية ابنته ينتقل الى الاعتداء الجسدي عليها حتى تنهار عروب من جراء ضرب والدها المبرح لها وتكاد تفقد نظرها.

ولكن مسار الرواية وقد شارفت على الانتهاء يعود ليأخذ منحى تصالحيا يعوزه المبرر الفني القوي بعد ذروة من العنف والقسوة البدنية والنفسية التي تستبد بخليل وتضعه على حدود طلاقه لعلياء ويسفر هذا المنحى التصالحي عن تحول لا مقدمات له في شخصية خليل فيعيد زوجته اليه ويبارك زواج ابنته من وسام ابن غريمه القديم هشام الذي يعود الى حزنه المقيم بفقد علياء مرة ثانية بعدما كان فقدها قبل ربع قرن، وبعدما كان فقد زوجته قبل اشهر، وتنتهي قصة الحب الجديدة لوسام وعروب بالنجاح مخلفة قصة الحب القديمة بقايا وشم في قلبي هشام وعلياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.