فاطمة المحسن: قراءة في رواية بقايا الوشم

يحدث ان يلتقي الاحبة القدامى صدفة على رصيف ضائع من أرصفة العالم، ويحدث ان يتحقق هذا اللقاء على هيئة حلم يقظة غير قابل للتصديق، ويحدث ان تضطرهم الظروف الى البقاء في مكان واحد لمواجهة ماضي غرامهم، ولكن هذه الاحداث ان جمعت في رواية واحدة سنستطيع اعتبارها رواية رومانسية تشبه الاغاني العاطفية.
الكاتب الفلسطيني عادل بشتاوي يضع كل هذه الاعتبارات في ذهنه، وهو يكتب اول عمل روائي بعد اصداره ست مجاميع قصصية ورواية قصيرة، فيشرك قارءه في تخيل مناسب لمدخل روائي فيه قليل من الفانتازيا التي تلبست اهاب الجد: ارمل عربي شارف على الخمسين، لا زهور في انيته، ولا دفء في موقده، يعيش في مدينة موحشة مثل لندن. وفي الليلة التي تسبق ليلة رأس السنة حيث يسير وحيداً يستعيد ذكريات زوجته الانكليزية التي توفيت، يلتقي حبيبته التي فقدها قبل عشرين سنة في دمشق، ضائعة مسلوبة الارادة، تحتاج الى بطل ينقذها من ورطتها، فيأويها وتقع ابنتها التي تشبهها في حب ابنه الذي يشبهه.
سنقدم افتراضاً حول الخاصية التي تشكل ارضية هذا اللقاء الدراماتيكي، وهذا الافتراض يقوم على اعتبار حكاية الحب شيفرة تصل ثنائيات كثيرة في الرواية: ماضي البطل بحاضره، فكرة الغربة – التوطن، الحضارة – التخلف، الرجل – المرأة، الغرب – العرب الى ما اليه من الثنائيات. ولكن قول الرواية في الأساس يبدو وكأنه يتتبع عنصرين مركزيين تتشكل حولهما كل تداعيات الرواية الذهنية وهما المحبة ونقيضها، الحب المستحيل والآخر الممكن الذي لم يتحقق بفعل صدفة تسير الكون او بفعل القسوة والغش اللذين يحكمان عالمنا، حينها سيستوي المدخل الروائي، اكثر معقولية وقبولاً.
بيد ان الأهم في الرواية ليس الحبكة ولا اشارتها التي تبثها مبلغة برأي او مشورة بل ما يمكن ان يسمى المستوى الافقي لهذا العمل، او ما يسميه النقاد تحديداً المستوى المقالي، حيث يؤدي الحوار دوراً فاعلاًِ في خلق مناخات غنية بالصور الشفافة، مناخات تفيض عن حاجة التسلية التي تصنعها مشاهد الغرام المفترضة.
هذه الرواية تتقدم الى القارئ بسهولة ويسر، مشيعة جواً من الحميمية والمتابعة الممتعة لمصائر ابطالها ومشاعرهم، متقصية أبعاد الاحساس بالكلام، ليس على المستوى الادبي، بل بما لوظيفته التشخيصية من قدرة على معرفة نزوعات النفس وامتداداتها السوسيولوجية. المشاعر التي تنعكس متكسرة في تموج اندفاعاتها ونكوصها، ليونتها وتخشبها، تلك التي تنتظمها صراعات روحية بدت محصورة بين جدران اربعة وأيام معدودة وقصة عاطفية، ولكنها تغتني بتنوعها الكلامي، ذلك لأنها تظهر، ومن خلال الحوار على وجه التحديد، الفروقات الطفيفة ولكن المؤثرة بين امزجة الاجيال وطبيعة الحياة المعاصرة التي تصل مسافات العالم ببعضها. هناك الكثير من الحوارات والاحداث التي يمكن اختصارها لتصبح الرواية اكثر تماسكاً، غير انها لا تبدو مملة الا في مواقع قليلة، مع ان حجم العمل يتجاوز الـ 555 صفحة من القطع المتوسط.
الروائي الممسرح
يكاد يطغى الحوار في هذه الرواية على السرد، فصوت السارد يصف ويعلق في اجزاء محدودة هي اقرب الى المنلوغ. ولعل صياغة الحوار من المهمات الصعبة في الحالة الروائية، غير ان المؤلف في هذا العمل استطاع ان يتجاوز صوت الشخص الثالث بعد الفصل الأول ليدع لأبطاله فرصة التعبير عن انفسهم، ويتركز جهد المؤلف وعلى وجه الخصوص في الفصول التي تبلغ فيها الرواية ذروتها، بالعناية النوعية بالحوار، فمعظم ابطاله على درجة من اللباقة والقدرة على تقديم ذواتهم الى القارئ بسهولة واسترسال.
ولا نستطيع والحالة هذه، ان نقول ان استغراق المؤلف في هذه الصيغة من العمل يقرب الرواية من المسرحية، ولكننا نجد اتجاها نحو مسرحة الحالة بأكملها في المسرى العام للعمل: هناك تبادل في الادوار بين الشخصيات يوحي بتركيب مسرحي ضمن الوحدات الوظيفية للرواية. فالعاطفة التي تجرف الفتى والفتاة تبدو كما لو انها فعل تطهيري مسرحي يقوم به الفتيان تعويضاً عن خسارة الكبار. يخطو الأب في مسرح الرواية خطوة ليحل في نزعات ابنه، وتحارب الأم بكراهيتها الزوج بعد ان قسا على ابنته، متلبسة الافعال التي لم تقو على ممارستها في السابق ازاء المجتمع والزوج الذي قسا عليها. ان تواجه الشخصيات بما فيها شخصية الزوج الذي يمثل نموذج الرجل المنشغل بمكاسبه لا يمضي الى النهاية في تناظرات الاضداد، غير ان فكرة التوازنات احدى اهم ميزات العمل، وهي فكرة تمسرح المواجهات بين الأبطال، فالمكاشفة بواسطة الكلام تصل بالشخصيات في حالات كثيرة، الى اعتراف لا يطلبه منهم المقابل او الخصم، ولكن تتطلبه منهم الحالة الدرامية، وهي في جانب منها تبدو كما لو انها فعل تكفير مسرحي: تنفصل الشخصية عن دورها الاصلي لتثير اضطراباً لدى القارئ الذي يتخيلها تؤدي دوراً جديداً غير دورها الأول، وفي هذه الانتقالة ترقب ذاتها مع قارئها على منصة وليس في مشهد الحياة العادي.
حدث هذا الشيء مرتين مع الزوج الذي انقلب سلوكه مع ابنته وزوجته في حركتين مسرحيتين دخل فيهما في حالة تغريب لدوره الأول، كذلك مر البطل منذ المشاهد الروائية الأولى بفعل استباق كان فيه يرقب ما يتوقع ان يكون، لا ما هو عليه في مسار الافعال العادية. اختبارات فكرة المعاناة والتحمل، التضحية والتكفير التي تصنع جدلية المأساة، تصل اليها الرواية بواسطة التغريب في مفصل معين تختلط فيه الحقيقة بالوهم. فالكومبيوتر او الانترنت فكرة خدمت سياق الرواية او سياق ثيمتها في مفصل ثنائية الحياة العصرية والقديمة، غير ان هذا الاستخدام دخل فيه تمويه بدا فيه متعارضاً مع واقعية الرواية، ولكن المفاصل التغريبية في الرواية مكنت الروائي من التصرف ضمن مساحة اكثر سعة.
في القول النهائي تبدو الرواية عملاً يكشف معاناة المرأة العربية: ضيق خياراتها في الحياة، ارادتها المكسورة في دائرة المهانة التي تعيشها كل يوم، مهما بلغت من التعليم والذكاء ومهما تفوقت على اندادها من الرجال، وحتى حق اختيار عاطفتها يبدو محكوماً باشتراطات واجبات صُنعت خصيصاً لوأد افراحها. ولم يكن المؤلف بحاجة ان يتذكر وضع المرأة في العالم الثالث وفي منطقتنا العربية، ليبرهن على صحة ما عانته بطلاته، فالبرهان لا يكمن في السر الذي يبحث عنه الأب في غرفة ابنته، اي ليس في تشخيص مفهوم الذنب والخطيئة، بل في ما قدمه من دليل على عقم فكرة الحب في منطقتنا. لأن السعادة لا تستبدل بأفعال مسرحية ينوب فيها الابناء عن الآباء في شأن شديد الخصوصية.
نشر هذا العرض في صحيفة الخليج التي تصدر في الشارقة- الامارات العربية المتحدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.