محمد علوط: قراءة في رواية بقايا الوشم

بقايا الوشم ليست مجرد رواية، بل رحلة أوديسية في الزمن تحكي قصة جيلين (الآباء والأبناء) على امتداد 554 صفحة تذكّرنا بنموذج الروايات العملاقة مثل مدن الملح لعبدالرحمن منيف وأولاد حارتنا لنجيب محفوظ وأطياف الظهيرة لبهوش ياسين من المغرب.

سفر محموم في الذاكرة، ومراودة استبطانية لذوات موزعة ما بين الماضي والحاضر، ولعبة القدر في تصاريفه حين يحيي قصة حب أخفقت وطوتها عاديات الزمن، لتُستعاد من جديد في حياة جيل آخر. هي إذن رواية مركّبة تكشف كيف بإمكان الانسان ان يستسلم للقدر في آن ويعانده في آن آخر.

يمكن القول في البداية ان الموضوع الرئيسي للرواية يتمحور حول قصة حب ذات حبكة تقليدية رومانسية، والى حدود هذه النقطة بالذات فلا يمكن ان نقول بأن الرواية تقدم شيئاً جديداً ـ سوى ـ وهنا الإثارة ان الكاتب عادل بشتاوي يمتلك من صنعة الرواية، ما سمح له ان يجعل من هذه القصة البسيطة (قصة حب) سنداً وواجهة لخلفية حكائية تخييلية شديدة العمق، عميقة البعد الانساني، ذات كثافة معرفية فلسفية، وشاعرية حسيّة مفرطة، وجمالية قصوى في التعبير، وتركيب متخيّل مُضاعف يفتح النص الروائي على مسافات تأويلية رحبة تستقطب صراع الأجيال وإخفاقات الآباء وطموح الأبناء وصراع الذاكرة ومعاندة القدر وإشكالية الحب في زمن الكومبيوتر.

أربع شخصيات رئيسية، رجلان وامرأتان، من الجيل الماضي هنشام وعليان يجسّدان قصة الإخفاق في ظرف تاريخي واجتماعي تحكمه موانع وروادع وخيبات أمل، ومن الجيل الحاضر وسام وعروب، وسام إبن هشام من امرأة اخرى، وعروب إبنة علياء من رجل آخر، انها الحياة حين تتقاطع في مجريات القدر اللامتعينة. ثم يكون اللقاء من جديد بين آباء الماضي، وتكون فرصة اللقاء أمام الأبناء لتُستعاد الحكاية مضاعفة ومزدوجة مرآوية ومعكوسة ولتبرز ان القدر الإنساني يستعيد بدوره تاريخه بصورة لانهائية في دوامة الحياة التي لا تتوقف أبداً.

الحبكة المركّبة

ما يمنح رواية بقايا الوشم عمقها التخييلي هو هذه الحبكة المركّبة بكل ما تحمله من إثارة وتشويق، المتخيل الحكائي الذي تصطنعه الرواية نجد أنفسنا إزاء عمل أدبي يطرح من جديدأقوى موضوعة (تيمة) يمكن للرواية ان تطرحها وهي موضوعةالمضاعف كما طرحتها من قبل روايات مثل البحث عن وليد مسعود وسراب عفان لجبرا ابراهيم جبرا، وأرواح هندسية لسليم بركات، والمرايا لنجيب محفوظ، والضوء الهارب لمحمد برادة وأوراق لعبد الله العروي وغيرها من الروايات.

ماذا نعني بموضوعة “المضاعف” او Le Double؟ انها ببساطة صورة الذات في مقابل صورة الآخر. الآخر الذي ليس بالضرورة هو الغرب دائماً كما جسّدته الروايات العربية التي تناولت صراع الشرق والغرب مثل المرأة والوردة لمحمد زفزاف او قنديل أم هشام ليحيى حقّي او موسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح، او ثلاثية ابراهيم الفقيه وغيرها من النصوص الحكائية.

بل نقصد الآخر في مختلف تجلياته وبخصوص هذه المسألة فـإن رواية بقايا الوشم، لعادل بشتاوي تنطوي على معالجة ثنائية لمفهوم المضاعف ولصورة الآخر. فهي تتناول الآخر من خلال محور أول (شرق/ شرق) يمثّله جيل الآباء مقابل جيل الأبناء ضمن ثنائيات: علياء/ عروب وهشام/ وسام. كما تتناول الآخر من خلال محور ثان (شرق/ غرب) تستحفر فيه الذوات العربية المذكورة واخرى لم نأت على ذكرها مقابل ذوات غربية مثل آرلين وجاكي.

ويمكن توسيع مجال متخيل المضاعف في الرواية لنجده يستقطب التقابل بين ثنائيات عديدة الماضي مقابل الحاضر مع اختلاف في القيم والرموز والسياقات الدلالية، وهنا المضاعفة تصير ذات بعد زمني، وهناك المضاعفة على مستوى الذاكرة التي تسمح بتصادم تجارب من الماضي، بكل ما تحمله من قيم شعرية وحمولة نفسية ووجدانية عاطفية مع تجارب من الحاضر مغايرة. واخيراً هناك المضاعفة على مستوى ثقافي ـ اجتماعي ـ سياسي وتتعلق بصورة المجتمع العربي التوفيقي الموزع بين نزعة محافظة موروثة ونزعة حداثية معطوبة والمجتمع الغربي الاوروبي بنسق قيمه الخاصة والتي تبدو منسجمة ومنتظمة في سياقاتها. اعتقد انه من خلال محور موضوعة المضاعف أو تفاعلات ودينامية صورة الآخر، يمكن تأويل متخيل هذه الرواية بصيغة معرفية وفلسفية قوية تسمح بتنضيد هذا العمل الأدبي ضمن أفق للتلقي يتفاعل مع الواقع الاجتماعي العربي الراهن بكل أسئلته وقلقه وتجاذباته الحياتية.

ولكي نبرز جيداً جانباً من تشخيص الرواية لموضوعة المضاعف نحيل القارئ الى فصلين وهما الفصل الثامن والتاسع. فالأول يعكس ثنائية لتقابل مرآوي بين عروب وآرلين، بين المرأة الشرقية والمرأة الغربيـة والثاني يعكس على النقيض من ذلك الصراع الذي تعيشه المرأة العربية داخلياً من خلال صورة واقعية تجسّدها عروب وصورة متخيلة من اللاشعور الجماعي تمثلها صورة شهرزاد من خلال النص الشهير لألف ليلة وليلة.

هذا المثال كاف لوحده ليجعلنا نتحسّس بالملموس قدرة الكاتب على مطارحة ثنائية الكائن ومضاعفاته، وغايته في ذلك ان يوصلنا تخييلياً الى إدراك عنف الصراع الذي تعيشه الشخصيات من داخل تركيبتها النفسية والثقافية، ومن خلال الصداع الذي تحياه بين الواقع والرغبات الحلمية، وبين القيم المتنابذة المتغايرة والمتحولة.

تأثيث الحبكة

مكوّنات رئيسيـة اعتمدها الكابت لتأثيث الحبكة الروائية لتزداد كثافة نفسية وشعورية مؤثرة وهي الاعتماد على تقنية الاستيهام وتقنية الحلم وتقنية الاستبطان، ذلك ان الرواية اذا كانت تمتلك هذا الإمتداد على مستوى الفضاء الروائي التخييلي، فإنما يعود ذلك الى هذا التأثيت بالذت، حيث تنغمر الذوات في مسالك حلمية واستيهامية واستبطانية تملأ حيزاً كبيراً من الرواية، وتتحول الى مادة أساسية لتجعلنا نكتشف الشخوص الروائية من الداخل. ومقابل ذلك فإن الكاتب، لأجل ان يسمح لنا بمعرفة خارجية ومكتملة ودينامية للشخوص والعلائق التي تصل بينها، فإنه التجأ الى مكوّنين أساسسين وهما اعتماد المحكي الاسترجاعي الذاكراتي واعتماد البنية التعبيرية الحوارية. ونجد أن كلاً من الاسترجاع والحوار يصيران وفق إيقاع متكافئ.

ورغم طول الرواية نصّياً، فإنها لا تسقط القارئ في فخ الملل، نظراً لهذه الخصوبة التنويعية حيث تتداخل الذاكرة بالحوار والحلم والاستبطان والاستيهام وفق إيقاع ترسي حركيته الحبكة الإطار المنجزة لكلية العمل الروائي.

تنتهي الرواية بالتأكيد على تجاوز جيل الحاضر للإخفاق، نهاية لانتصار الحلم على الواقع، متفائلة ومسكونة بتمجيد الإرادة البشرية ضد عنف القدر وإكراهات الحياة. إخفاقات الماضي تتحول في الحاضر الى انتصارات للذوات المقهورة على العجز الساكن والرابض في أعماقها. انتصار مضاعف كما هو كل شيء في الرواية مضاعف ومزدوج.

لكن هذا الانتصار للذات الانسانية لا تقودنا نحوه الرواية بسهولة مفرطة، فالإمتداد الرومانسي الحالم للرواية لا يكفّ عن الاصطدام بقوة الواقع وعنفه الصاخب ورجّاته القوية المؤلمة. وتجعلنا الرواية نستوعب ان الانتصارات التي يمكن ان يحققها الانسان على مستوى الواقع انما تبدأ من الانتصار على العجز والهزيمة التي تسكن دواخل النفوس من أجل بلوغ التحرر الفعلي الخالي من الارتكاسات وردود الأفعال الخائبة.

مقاسات غير مألوفة

وفي الوقت الذي تستحضر فيه الرواية التراث المعرفي العربي كثقافة رسمية وكثقافة شعبية او كمتخيل أدبي تراثي، تستحضر أيضاً ثقافة مغايرة معقلنة ومبرمجة مثل حياة الكومبيوتر الآلي. هاهنا نجد ان قصة الحب في الرواية وفق صورة لا تخلو من اللعب والسخرية تأخذ مقاسات غير مألوفة في النصوص الروائية العربية. هل يمكن برمجة الحب كما نضع أي برنامج في المعلوميات او الأرشفة الإدارية؟ ان الجواب يرتدّ بكل حمولته المعرفية لإثارة صراع القلب والعقل وفق تجسيد حكائي يحاول استيطان مكامن القوة، واذا ما كانت تكمن في الطبيعة الإنسانية الحيوية والحميمية أم في الآلة بكل برودة أنظمتها الجافة والصارمة والهندسية. هذا التفاعل بين الحب والكومبيوتر من أمتع الجوانب في الرواية. فعادل بشتاوي من خلال عمله هذا يقرّ بأن الانسان له جوهر خالص، سواء أكان يستمد رموز حبه وعشقه من خلال تفاعله مع الحكايات الشعبية لألف ليلة وليلة او من خلال تفاعله مع أفلام الصورة المتحركة التي يبتكرها الكومبيوتر، الانسان هو الانسان، يظل الجوهري الماهوي حيّاً خالصاً، ويتلاشى العرضي العابر في متاهات الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.