من رواية حدائق اليأس: الفصل الرابع عشر

وضع شفتيه على شفتيها. كانتا متشوقتين مثل شفتيه؛ جافتين مثل شفتيه؛ باردتين مثل شفتيه ففتح فمه وأحاط بشفتيها حتى دفئتا. وضع رأسها في جناح عنقه ومال بجسميهما معاً وضمّها. ضمّها حتى هدأ ارتعاشه ثم ضمّها مرة أخرى حتى عاد إلى الارتعاش ثانية ثم ضمّها فسكنت بين ذراعيه ولم يلبث أن سكن بين ذراعيها فعاد مرة أخرى وألصق صدره بصدرها وضمّها وبكى.

بكى وتمنّى. تمنى لو كانت هناك طريقة فتنتقل روحه إليها أو طريقة غيرها فينتقل موتها إليه وضمّها قريباً من قلبه فاهتزّ صدرها بين ذراعيه. لم يبدُ عليها الارتياح فأعاد جسدها الليّن إلى السرير. أراح رأسها وسط المخدة ومسح جبينها براحتيه. حبا برؤوس أصابعه فوق صدغيها وخديها وجمع أصابعه فوق شفتيها فارتجفت يداه. ردّ شعرها إلى جانبي رأسها ومال بيديه فضفر الشعر وراء اذنيها وسحبهما قريباً من عنقها. نظر إليها بعينين بكيئتين تورّمتا حتى لم تعد جفونه تنغلق عليهما تماماً ورفع كفّها ووضعها تحت خدّه الأيسر وضمّ جناح عنقه عليها. وضع يمناه تحت ظاهر يدها وأغمض عينيه وتمنّى مرة أخرى ما تمنّاه مرة أخرى قبلها ثم تحرّك من دون أن يشعر ورفعها خفيفاً خفيفاً خفيفاً وضمّها خفيفاً خفيفاً خفيفاً وبكى.

«سيحدث شيء»، همس لنفسه وهي بين يديه، «لا بد!» لا بد أن يحدث شيء. لا يمكن أن تذهب بحياتها ثم تعود لتذهب بحياته هو الآخر، لا يمكن. كانت تحب الحياة لذا لا يمكن أن تغمض عينيها على حياتها لأنها ستغمض عينيها على حياته أيضاً لذا لا بدّ. ستودّ في أي لحظة ألا تختفي عن العالم لأن العالم سيختفي معها لذا لا بدّ أن تعود. إن لم يكن لأجلها أو لأجله فلأجل ابنها، لذا لا بدّ أن تعود. لا تستطيع أن تسمح لكل شيء فيها أن يموت لأن كل شيء فيه هو الآخر سيموت معها لذا لا بدّ. لا بد أن تفيق على بكائه. لا بد أن تفتح عينيها في أي لحظة الآن. لا بد أن يمتلأ صدرها فجأة وتميل برأسها فجأة وتتنهد أو تتأوه ثم تفتح عينيها فجأة وتنظر فوقها فتراه فتطمئن فتغمضهما مرة أخرى وترفع يديها إليه وهي مغمضة العينين وتنزل رأسه إليها. لا بد! لا بد أن يحدث هذا. ستنتبه إلى شيء غير عادي وترفع رؤوس اصابعها إلى الدمع الذي يسيل من عينيه إلى رأس أنفه ثم يسقط على شفته العليا ثم ستسأله بقلق لماذا يبكي. «من الفرح؟» ستسأله. «من الفرح طبعاً»، ستقول عنه. ستقول وتتذكر فجأة وتبرق وتسأله إن كان الصغير بخير، ثم ستريد أن تعرف منه ماذا قالت له أمّها بالضبط عندما ابلغها أنها وضعت. «هل ضحكت أم بكت؟»، كانت ستسأله وهي تضحك لحظة وتبكي أخرى، «وبابا؟ ماذا قال؟ وندى؟ آه! ندى تريده لها وحدها من الآن»، كانت ستقول له عندما تفيق فجأة. لا بد أن تفعل كل هذا. لا بد أن تفعل بعضه، لا بدّ. لا بدّ أن تفعل شيئاً. «وعدتني يا رشا! وعدتني! شيئاً واحداً على الأقل يا رشا! شيئاً واحداً فقط».

انتظر مرة أخرى وضمّها مرة أخرى وبكى مرة أخرى. لا يزال التوّرد في خديها لذا المسألة مسألة وقت فقط. يجب أن تجمع ما بقي فيها من قوة بعد رحلة التمزيق التي كانت الوضع. هذا كل شيء – مسألة وقت فقط ستتنفس بعمق بعدها أو ستتأوه خفيفاً أو ستتنهد ثم سيحدث الشيء الذي يتوقعه. لا بد! شفتاها باردتان لذا سيدفّئهما مرة أخرى. سيدفّئهما وسيكون حذراً كي لا يفعل شيئاً فيتغير شكل الابتسامة الدقيقة المرسومة على فمها أو يتغير موقعها. يجب أن تبقى الابتسامة كما هي – ابتسامة من صنعَ شيئاً عظيماً ثم نظر إلى انجازه من بعيد وتساءل لحظة ثم تردد ثم هز رأسه وترك هذه الابتسامة الراضية كي تقول بحركتها الهادئة ما لا يستطيع كل الكلام أن يقوله. «هكذا أردته»، ستنطق الشفتان بابتسامتهما، «هكذا أردته فليبق هكذا حتى يلتئم جرح الشوق في مكان ما؛ في وقت ما وتعود الشفاه إلى الوضع الذي خُلقتْ لأجله». باردتان لا تزالان لذا سيدفّئهما مرة أخرى لكن صدرها لا يزال دافئاً؛ لذا لا بد! لا بد أن تفعل كل ما ينتظر أن تفعله؛ بعضه على الاقل؛ شيئاً واحداً فقط؛ حركة واحدة فقط؛ رفة عين واحدة فقط!

ضمّها مرة أخرى وبكى مرة أخرى. «سيحدث شيء. لن يحدث شيء. ربما»، همست الأصوات المتلاطمة في صدره الذبيح. «التورّد لا يزال على خدّيها لذا سيحدث شيء. عيناها مغمضتان إغماضة أخيرة لذا لن يحدث شيء. ستشتاق إليه في أي لحظة الآن وسيتحرك بها شوقها لذا لا بدّ…بل ربما». سيغازلها أولاً. سيقول لها كم هي جميلة؛ كم هي عذبة؛ كم هي ناعمة؛ كم هي حنونة. سيقول لها أجمل الأيام لم يأت بعد. أجمل الأحلام لم يتحقق بعد. أجمل الازمان لم يهل بعد. أجمل الكلام لم يُكتب بعد. أجمل الحديث لم يُقل بعد. أجمل الألحان لم يُسمع بعد فانتظري معي. سيقول وسيعيد ويذكّر وينتظر. لن يدخل حديقة اليأس لذا لن ييأس ولن يدعها تيأس وسيقول لها كل الاشياء الجميلة التي تريد سماعها وعندها لن تيأس. لم تيأس وهي وحدها على طاولات العمليات ولن تيأس الآن. سيستعيدها من الموت الذي أراد خطفها مرّة. سيفعل أي شيء وسيعود ويتمنى ويأمل. لا بد! لا بد أن يبقى أمل؛ أمل صغير فقط حتى لا تصبح الحياة يأساً كلها؛ لا بد!.

سينتظر إلى أن يحدث هذا الشيء الذي ينتظره. إن جاء ويلكس وقال إنهم يريدون غرفة العمليات سيطلب منه الانتظار مثله إلى أن تكون مستعدة. إن أصر سيأخذها معه. سيحملها بين ذراعيه ويلّف ذراعيها حول عنقه ويأخذها معه. سينتقل بها من مكان إلى آخر إلى أن تنتقل إليه أو ينتقل إليها. سيفعل كل هذا وأكثر منه لذا يجب أن يتركوه ينتظر في سلام لأنه الشيء الوحيد الذي يريد فعله الآن – الانتظار. إن لم يتركوه بسلام لن يعرفوا السلام.

«لن يحدث شيء؛ ربما، لن يحدث شيء»، همس اليأس داخله. سينتظر اليأس مثله وسيأكل شيئاً وهو ينتظر. الانتظار طعام اليأس لذا سيزدرد اليأس طعامه بسكون وسينمو بسرعة وسيريد بعدها أن يخلد إلى حديقته كي يفكر مثلها. سينتظرها قدر ما تشاء له الانتظار إلا أن اليأس يقول له من الآن إنها لم تعد تريد الانتظار… لم تعد تريده أن ينتظرها. لم تقل له ذلك بأي لغة يعرفها لكنّه يشعر أنها تريد الآن أن تكون وحدها.

ودّعته وعادت ودّعته. ودّعت أيامها معه وأيامه معها وخلّت للقدر الأيام التي لن تكون فيها معه ولن يكون فيها معها وتريد الآن أن تخلو بنفسها. يمكن أن يأخذها لكنّها لا تريد الذهاب، وسترجوه بطريقة ما ألا يأخذها. استأنست به في وحدتها القصيرة وملأت عينيها منه ولم يبق شيء سوى الذكرى وتريد لهذه الذكرى أن تظل جميلة – لا انتظار فيها ولا أسى ولا دموع ولا يأس. تعبت من الحياة وتريد أن تستريح الآن في مكان خارج الزمن الذي عرفته في حياتها. هذا كل شيء.

«مقدار ذهاب الدفء من الجسم فقط ابق معي»، كانت همست له، «مقدار اختفاء التورّد من الخدين فقط ابق معي. مقدار نضوب الدمع فقط – دمعك ودمعي، ابق معي. ابق معي ثم قل لي إنك تحبني واذهب بعدها. مثل عمرو أنا أيضاً أشعر أن السماء اطبقت على الأرض وأنّي اتنفس من خرم الإبرة ولم أعد استطيع البقاء. أنت ابق يا حبيبي وعش الحياة التي لم استطع عيشها. سأصلي دائماً كي يخفف الله عنك. سأبكي معك ولك قدر ما استطيع وسأنتظر. سأنتظرك دائماً. الآن… الآن يا حبيبي؛ الآن يا حبيبي سأتركك للدنيا فقل لي عندما أراك مرة أخرى كيف وجدتها».

ستكرر ما تستطيع تكريره همساً ثم ستريد أن تضع جنبها بالسرير وتدير وجهها إلى الحائط وتنظر ما تراجع به من يأتيها. تريد أن تكرر الكلمات التي تعرفها حتى تتقنها وتلفظها بسرعة وثقة عندما يريدون سماعها:

«أنا آتية إليك فلتنكشف السماء ولترتفع الأرض. أنا آتية فافتح لي ذراعيك”، ستقول وذراعاها ترتفعان مع ظهرها. “رغبة فيك ورهبة منك أرتجف أنا لا من الخوف فافتح لي ذراعيك واستعدني لأنني الآن آتية».

لو يستطيع، آه! لو يستطيع. لو يستطيع كان نزع يأسه وتمدّد قربها وضمّها وأوقف دقات قلبه ومضيا معاً إلى المكان الذي ذهب إليه الآخرون قبلهما. لو يستطيع كان مدّد جسمه قربها وضمها وأهال التراب عليهما معاً. كان يريد أن يذهب قبلها لكنها سبقته. «لماذا يا رشا؟» كان يريد أن يستذكر معها هذا المزاح الذي اسمه الحياة ليضحكا معاً قبل أن يذهب لكنّها سبقته. «لماذا يا رشا؟» لو كان خليفة هو الآخر كان منع الناس من دفنها. حتى لو دفنوها من وراء ظهره كان عاد وأخرجها وكان رآها ثانية وخاطبها كما خاطب الخليفة حبابة وشهق شهقة أخيرة ومات ودفن معها. لو كان مثل يزيد كان فعل كما يزيد، لكنّه لا يستطيع لذا سيضمّها كما يزيد وسيرشفها كما يزيد وسيبكي كما يزيد وسيتذكّر كما يزيد أن السرور لا يصفو لأحد يوماً كاملاً واحداً.

غرف بجفنيه ما بقي من دموع في قاع جدول القلب ووضع رؤوس أصابع يمناه على شفتيها. كانتا متشوقتين مثل شفتيه وجافتين مثل شفتيه وباردتين مثل شفتيه ففتح فمه وأحاط بشفتيها حتى دفئتا وضمّها.

«غريبة الأشياء التي تظل في الذاكرة حيّة مثل رائحة الخبز الطازج كأن لا علاقة لها بالعمر»، همس لنفسه وهو يرى تلك الحمرة الخفيفة التي لا تريد أن تختفي من وجنتيها. يأتي دائماً اليوم الذي ينظر فيه المرء إلى الموت في قاع الجرف وعيناه مرفوعتان فتعترضه صور لا يذكر أنه توقف عندها قبل أن ينظر إلى الموت. يرى نفسه صغيراً أمام أمّه صباح العيد وهي تُزرر قميصه. تُلبسه السترة الصغيرة الجديدة وتبعده قليلاً عنها حتى تراه جيداً ثم تحتضنه وتقبل الخد الأيمن فالآخر قبل أن تديره إلى أبيه الذي لا يراه قادماً حتى يصلح جلسته في كرسيه القديم. ينظر إليه متعجباً كم كبر منذ أتاه هكذا في العيد قبله، ويبدأ عدّ قطع معدنية تسقط فوق بعضها في راحة يده وهي ترسل رنيناً ساحراً، ثم يطلب منه فتح يديه ويعدّها ثانية ثم يضيف إليها قطعة أخرى ويُنزل خدّه إليه ويطلب منه ألا يبتعد كثيراً عن البيت.

غريبة تلك الوقفة الأولى أمام بوابة المدرسة وهو يرتدي قميصاً أبيض لا تزال رائحة الكي فيه. حوله صغار مثله يبكون وهم يمدّون أذرعهم المتلهفة الصغيرة إلى أمّهات وقفن بعيداً عنهم وبكين فجأة مثلهم ووضعن اكفّهن على خدودهن وانتظرن وهن يصلّين أن يكبر الصغار فجأة فيمسحون دموعهم ويرفعون ايديهم المضطربة بالتحية ثم يملأون صدرهم هواء جديداً ويعبرون البوابة القريبة إلى بوابة أخرى في حياتهم. بعضهم يئس ودخل البوابة لكن آخرين ظلوا في أماكنهم وزادوا بكاءهم أملاً في أن ترق لهم قلوب أمّهاتهم علّهن يعدنهم إلى الفراش الدافئ الذي انتزعنهم منه في الصباح. لكن الأمّهات لا يلبثن أن يغالبن دموعهن فيعدن إليهم ويُدرنهم إلى البوابة مرة أخرى ويدفعنهم برفق وثبات إلى مرحلة جديدة من حياتهم فتنتقل الخطوات الصغيرة بتردد ثم لا تلبث أن تنجذب وراء الصياح الذي بدأ يعلو من باحة المدرسة.

«غريبة بعدها تلك الخلجة الاولى بعد القبلة الاولى بعد النظرة الاولى»، همس لنفسه وعيناه تغرقان في تقاطيع دقيقة في وجه رشا زال منها الألم وبدت في حلم عميق أغفى مثلها على حلم أعمق منه لا حزن فيه ولا ألم ولا يأس. يراها لحظة من حلم خاطف تعبر خياله كالطيف المسرع الذي يتوقف عندما يصل إليه ويقترب من عينيه وينظر فيهما كأنه يريد أن يتأكّد إن كان لا يزال يذكر. طبعاً يذكر. لا يذكر من ولا كيف ولا متى لكنه يذكر تماماً. لم تكن فيها رغبة لكنّه رأى خديها يحمران فجأة ونظرت إلى الباب بقلق وطلبت منه أن يسرع قبل أن تأتي أمّها. لا يذكر ما حدث بعدها الا انه لم يعد راغباً في اللعب في الطريق مع صغار مثله. كان يجلس على درج بيت الجيران فإذا رآها وقف وتذكر ونظر إليها يذكّرها الا أنها كانت تتجاهله إلى أن تصل إليه فإذا وصلت نظرت إليه بطرف عينها نظرة خفية جداً وابتسمت خفيفاً ورأى خديها يحمران مرة أخرى كما يرى خدي رشا الأخرى يحمران عندما تلتفت فجأة فتراه ينظر إليها وترى الرغبة في عينيه.

«لماذا تنظر إلي هكذا؟»، قالت له مرة بنصف إغماضة كأنها تثنيه وتشجعه في آن.

«كيف أنظر إليك؟»، ردّ ضاحكاً.

«كما لو أنك تريد أن تحملني بعينيك إلى…»، كانت تقول وهي تُميل رأسها في اتجاه غرفة النوم.

«ما ذنبي إن كانت عيناك لا تنظران إليّ إلا لتقولا: احملني إلى…»، ثم أمال رأسه في الاتجاه نفسه.

«حمل فقط؟»

«الحمل خطوة أولى؟»

«وبعدها؟»

«تريدين وصفاً؟»

«صف»، كانت تقول له وهي تُبعد كتب التحضير، «إذا أعجبني الوصف؛ ربما».

«ما رأيك الآن؟»

«لا بأس، لكن الوصف أفضل بكثير».

«صفي أنت إذًا وأنا سأحاول».

لم تكن تريد أن تصف لكنّها نظرت في البعيد وتصوّرت ثم قالت له: «هل خطر في بالك يوماً أن كل ما أريده منك أحياناً أن تضمّني فقط؟»

«أنا مستعد لهذا في أي وقت تريدينه».

«من دون ضريبة الدخول التي تأتي بعدها؟»

«من دون أي شيء».

«لا أظن»، قالت ضاحكة بعدما فردت كتاب حياتهما معاً ولم تجد فيه الصفحة التي تصورتها، «لكن يوماً ما أنا متأكدة. يوماً ما ستأتي إلي وستضمّني ولن تفعل شيئاً آخر. يومها فقط سأعرف أنك تحبّني لأنني رشا وليس لأنني رشا الأنثى».

«لكنني أحبّك دائماً؛ تعرفين هذا».

حرّكت رأسها خفيفاً. «ليس دائماً». رأت نفسها في السرير مرة وعرفت من نظرته إليها أنه يرى في وجهها شحوباً لم يره سابقاً فظهر عليه الضيق.

فكّرت بسبب ضيقه وقالت: «أشعر أنك لا تحبني عندما أكون مريضة كما الآن».

كان سيكذب لكنّها كانت ستعرف فاعترف. «القول إنني لا أحبّك وأنت مريضة كثير، لكنني أشعر بنفور».

«مني؟»

«لا أعرف».

«تصبح عدوانياً أيضاً».

«تعتقدين؟»

«نعم! أقل شيء يثيرك. لماذا؟»

«لا أعرف».

«لأنني لا أستطيع أن أفعل أشياء أفعلها عندما أكون في صحتي؟»

«لا! ليس هذا هو السبب».

«ما هو إذًا؟»

سكت وفكّر كما فكّر في حالات سابقة لكنّه لم يجد جواباً واضحاً. كانت تنتظر أي إجابة فقال: «اعتقد أنني لم أتعلم حتى الآن كيف أتعامل مع مرضك. لم أكن أعرف كيف أتعامل مع أمي أو أبي عندما كانا يمرضان. كنت أترك البيت وأشعر أنني لا أريد أن أفكر بهما وأظل في شعور النفور هذا إلى أن يصحّا».

«تخاف أن أموت»..

دامت سكتته طويلاً وهو يفكّر. «ربما»، قال بعدها، «ربما».

«تشعر أن عليك أن ترفضني حتى لا…؟»

«ربما».

«اطمئن. لن أموت. يومان أو ثلاثة وستراني على قدمي ثانية وسأجعلك تنسى بسرعة».

هز رأسه وتمنّى شفاءها بسرعة.

كانت تريد الانتقال إلى شيء آخر؛ أي شيء إلا أن الفضول استوقفها وأرادت أن تعرف لحظتها. “افترض”، قالت تهدئه مسبقاً بحركات يديها، «افترض أنني مرضت جداً و…؛ ماذا سيحدث؟»

«رشا!»

«لن أموت؛ افتراض فقط».

«لن أدعك تموتين مرضاً».

«كيف؟»، سألته باستغراب، «كيف كنت ستمنع شيئاً مثل هذا؟»

«سأخنقك أول»اً.

تنفست بعمق وابتسمت وأعادت رأسها إلى المخدّة. «طمأنتني هكذا؛ شكراً!»

ضمّها آنذاك كما يضمّها الآن. ضمّ رشا الأنثى وضمّ رشا المرأة والزوجة والرفيقة والأمّ. تعرف الآن أنه يحبّها وتعرف أنه سيظل يحبها مهما كان دورها. كان يتمنّى أن تطول بهما الأيام معاً ليثبت لها أن أجمل الأيام في الطريق لكنّه لن يستطيع أن يعدها، ولن يستطيع أن يتمنى ولن يستطيع حتى أن يحلم.

خفق قلبه بحبها وضاقت روحه فانتبه اليأس من إغفاءة قصيرة وجلس في سريره والتفت حوله وقال له إن رشا ذهبت وذهب الاستقرار معها ولن يحدث شيء بعد الآن. «لن يحدث شيء»، همس له بإصرار، «لن يحدث شيء مهما فعلت.صارت خارج الزمن لذا لن تعود. ان اعتقدتَ غير هذا فأنت لا تعرف ما هو الزمن؛ لا تعرف ما هو الموت».

وضع شفتيه على شفتيها. كانتا متشوقتين مثل شفتيه؛ جافتين مثل شفتيه؛ باردتين مثل شفتيه ففتح فمه وأحاط بشفتيها. أحاط بهما وانتظر لكن شفتيها ظلتا باردتين مثل شفتيه ولم تلبث البرودة أن امتدت إلى قلبه ثم إلى كل جسمه فارتعش. ارتعش فضمّها ثانية وبكى. بكى لكن البكاء صار مؤلماً. كان الغروب جف مثل كل عروقه الأخرى وكان الجدول نضب تماماً وعصر نفسه خواءً مؤلماً.

سمع خطوات بطيئة خلفه لكنّه لم يلتفت. لم يكن ينتظر أحداً سوى الموت ولن يأتيه الموت في حذائين يستطيع سماع وقعهما الثقيل على الفنيل البني القاسي. لو جاءه كما تمنّى لما سمع شيئاً الآن لكنّه لن يأتي ولن يرحم؛ ليس الآن؛ ليس عندما يتمناه المرء؛ ليس عندما يريده؛ ليس عندما يكون فيه الخلاص؛ ليس عندما تموت الحياة لأن الموت نفسه لن يريد هكذا حياة.

لم يلتفت إلى الشخص الذي وقف وراءه غير بعيد عنه.لم يقل شيئاً إلا أن ويلكس انتظر لحظات طويلة أخرى ثم تكلم: «باستثناء تلك الحمرة الداكنة في اذنيها لا يمكن أن تظنها فارقت الحياة»، قال بصوت خفيض متردد كأنه يخاطب نفسه.

نظر عمر إلى وجهها وتساءل من يمكن أن يصدّق أن زوجته ليست نائمة فقط، ثم حرّك رأسه ببطء كما لا بد أن يكون ويلكس حرّك رأسه بعدما نظر إليها ورأى ما رآه.

صمت ويلكس. حسب وقع الكلمات التي يريد قولها وحسب مضاعفاتها. تردد لكنه حرّك رأسه في النهاية وقال: «بعض الناس يعتقد أن الموت واحد لكنّه ليس هكذا. لا أحد يأتي مثل الآخر ولا أحد يذهب مثل الآخر. البعض يذهب وهو غير راغب فتنطق تعابير وجهه بشعوره والبعض يكون اكتفى من كل شيء ولا يريد شيئاً مثل الذهاب بأسرع وقت ممكن. البعض لا ينتبه. يغمض عينيه وهو يحسب أنه سيفتحهما مرة أخرى لكنه -».

صمت ويلكس ثانية ونظر إلى ساعته ثم التفت على حركة وراءه واشار إلى مساعديه بالانتظار.

«قلتَ لها إنك تحبّها»، قال لعمر.

هزّ عمر رأسه ثم أمال ذراع زوجته ونظر إلى كفّها. «نعم»، قال وهو يعيدها إلى جانبها.

«لا أعرف إن كان مفيداً ما سأقوله لكنني اشعر أن عليّ قوله. أشعر كمن يحمل رسالة يجب عليه إيصالها».

لم يقل ويلكس شيئاً فالتفت عمر من فوق كتفه وانتظر.

«تلك الفتاة»، قال وهو يشير إليها، «ذهبت وهي تقول انها تحبك. ظلّت تكرر اسمك حتى غابت عن الوعي».

تردد ويلكس ولم يعد يعرف إن كان ما قاله مناسباً. هز رأسه وأشار إلى الخاتم في بنصر رشا: «تريده؟»

رفع عمر كفّها إلى فمه وحرّك رأسه وخدّه إلى يدها وقال له انه يريد الخاتم أن يبقى معها.

«تعال إذًا»، قال ويلكس وهو يضع يده على كتفه، «ابنك في انتظارك».

رفع عمر كتفه ليبعد يد ويلكس عنه إلا أن ويلكس زاد ضغطه.

«تعال!»، قال له ثانية وهو يخفف الضغط عن كتفه، «هي أيضاً تريد أن تخلو بنفسها الآن، تعال!»

وقف عمر وقال بوقفته المفاجئة انه لن يتركها. نظر إليها ليقول انه لن يتركها مهما حدث. مد يده إليها لتأخذ يده وتشدّ عليها كي لا يتركها لكن يده تجمدّت لحظة ثم هوت.

لم تمد يدها ولم تقل شيئاً إلا انه شعر أن شيئاً فيها يرجوه أن يتركها. لم يعد هناك شيء تريده أن يراه لذا لم تعد هناك ضرورة لشيء.

انحنى فوقها وقبلها. كانت شفتاه أكثر برودة من شفتيها لذا لم يعد يستطيع أن يدفئهما فالتفت بسرعة ونظر أمامه.

تحرك ويلكس فتحرك عمر وراءه. وقف عمر بالباب ونظر إليها من بعيد إلا انه لم يعد يستطيع الاستمرار. كان يريد أن يثب في اتجاهها لكنه دار فجأة ورمى نفسه خارجاً ثم عاد وقبض على حافة الباب ورجف.

انتظر ويلكس حتى توقف ارتجاف عمر. «اذهب إلى ابنك الآن»، قال وهو يضغط على كتفه مرة أخرى، «اذهب إليه، وعندما تنتهي سيقول لك الضابط المناوب في مكتب الادارة ما عليك أن تفعله الآن».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.