نوري الجراح: قراءة في رواية بقايا الوشم

«… ولعل واحدة من الخصال الجيدة لهذا العمل أنه يلتقط روح الجيل الجديد، ونبضاته الخفية ليقدمها في صور تصورات وأشواق إلى مستقبل، بروح فيها من الإيجابية أكثر مما فيها من السلبية التي تتسبب بها له قسوة الراهن والشكوك العميقة بنبله»

رواية بقايا الوشم للكاتب الروائي والقصصي عادل بشتاوي تذكرنا بالروايات التي لا تنصاع إلى المقاييس التي يقترحها نقاد الأدب، ويحاولون فرضها على الكاتب والقاريء في زمن معين… إنها رواية فيها شيء من كل شيء، في الوقت نفسه: الرومانس، والواقع، وشطحات المخيلة، والهواجس الداخلية، والمصادفات الإنسانية بصفتها ضرورات قصوى. إنها تتوافر على تشخيص بارع البساطة لذلك التعقيد الذي تنطوي عليه حياة الإنسان، من خلال سلوك أبطال الرواية ومصائرهم.

ثمة رسائل عدة سعت الرواية إلى إيصالها إلى قارئها منها ما يتعلق بالمرأة ويشغل حيّزاً أساسياً من اهتمام الرواية واهتمام كاتبها الذي يرى إلى المرأة بصفتها قوة هائلة وقدرة، مهما لجمت، تجد السبيل في النهاية إلى التعبير عن نفسها بجلاء. ويتضح ذلك من سياق الأحداث وسلوك الشخصيات النسائية في الظروف والأحوال المختلفة التي يزجّها بها الكاتب والتي تستدعي مبادرات من نوع جريء لا قبل به لنفوس ضعيفة. صحيح أن الكاتب ينقل إلينا في الوقت نفسه صوراً وحالات من التردد الذي يصيب الشخصيات في تداعياتها الخاصة، لكن ذلك من قبيل أمرين أولاً صناعة التوتّر الفني، وثانياً صناعة الإغراء الروائي عبر تشخيص الحالات الإنسانية تشخيصاً أقرب إلى حقيقتها المنطوية دائماً علي شيء من التناقض. أوليس هذا هو الإنسان في النهاية قوياً وضعيفاً معاً جريئاً وجباناً، نبيلاً وصعلوكا؟

مكانة المرأة

ولو استطردنا فإن المرأة ومكانتها في المجتمع تشغل الحيّز الأوسع والأهم من الرواية، أكثر من ذلك إن مستويات السرد في «بقايا الوشم» تجعل من المؤنث موئل كل شيء وغايته ومسعاه، وتحيل العمل الروائي إلى أرض جديدة تتيح للمرأة حضوراً آخر مختلفاً عما يظهر عليه، عادة، في الرواية العربية. إنها، بطريقة ما، امرأة مقموعة تجد نفسها في وضع لا مناص معه من أن تعبّر عن نفسها، وبالتالي لا مناص معه من أن تتغير. وسوف نجد في المقتطف التالي بعضاً مما دونه المؤلف على لسان علياء إحدى شخصيات الرواية وفيه ما يعزز ملاحظتنا هذه: «اسمع عن مشاكل العالم الثالث احياناً وأتذكّر ما حدث لي ولعروب فأقول لنفسي: تعرفين يا علياء! أكبر دين مستحق على العالم الثالث ليس للبنك الدولي ولا لصندوق النقد الدولي ولا لنادي باريس ولا لنادي لندن ولا لكل بنوك الدنيا؛ اكبرها مستحق للمرأة في تلك الدول الظالمة التي تزيد ظلم نفسها بظلم المرأة فيها (…) عندما اسمع عن باصات خصصت للنساء مقاعدها الخلفية فقط؛ عندما ارى أزواجاً يخرجون زوجاتهم من تكسيات متوقفة في الشوارع العامة وينهالون عليهن ضرباً أمام الناس أشعر بيأس من هذا العالم؛ أشعر انني أريد ان اقاوم بكل الطرق». لقد أهدى الكاتب روايته إلى بطلة الرواية عروب وقد فعل هذا ليهديها من خلالها ـ كما عبّر مرةً ـ إلى المرأة العربية.

من القضايا التي تطرحها الرواية ما يرتبط بالتطور العلمي وتطور علاقات الإجتماع الإنساني. وتبحث الرواية في تطور وعي الكائن الإنساني من خلال علاقته بالأقانيم الكبرى الصانعة للوجود الإنساني كالحياة والموت والسعادة والبؤس والقدر والإختيار، والكاتب يفصح في هذا السياق عن نظرة ترى إلى الكائن بصفته صانعاً لقدره، أو على الأقل غير مستسلم له. والصراع في الرواية يعبر عن نفسه بصورة طرفي تناقض من خلال أربع شخصيات خصوصاً، اثنتان ايجابيتان واثنتان سلبيتان: عروب ووسام، من جهة وعلياء وهشام من جهة ثانية. وقد رسم الكاتب الملامح الخاصة للشخصيات بحيث تستجيب لفكرته عن التناقض والصراع من دون تمييز جنسي فالسلبية لديه ليست أنثوية كما اعتادت أن ترسمها أقلام الكتاب، لكنها خصلة مشتركة بين المرأة والرجل تتصل بالشرط الإنساني أكثر منها علّة أصلية في أساس وجود الكائن.

سوف نجد أن الرواية تتقاطع، بطريقة ما، مع روايات وضعت بالعربية والانكليزية لكتاب وكاتبات من العالم العربي: «عصفور من الشرق» توفيق الحكيم، «موسم الهجرة إلى الشمال» الطيب صالح، و«في عين الشمس» لأهداف سويف (بالانكليزية) وفي ذلك يزجُّ الكاتب عمله الروائي في منطقة تحد جمالي وفكري من نوع محدد يبقى البحث فيه من عمل الناقد وليس من عمل القراء غير المحترفين للرواية أمثالي.

بين شرق وغرب

لعل بعض أفضل التجارب الخاصة للكاتب وأكثرها نحتاً للأفكار والخلاصات والمعاني قد أخذ طريقه إلى الرواية، من دون أن يعني ذلك أن الكاتب يتكيء على سيرته الشخصية، إلا أنه يستثمر ببراعة معارفه ومعلوماته التي استقالها من تنقله بين البلدان وإقامته في مدن الشرق والغرب بهذا المعنى، وكما يعبّر الكاتب فإن النجاح والاخفاق ليسا مهمين دائماً؛ وإن كان يرى أن من المهم للإنسان أن يتحرك بخفة النمر لاقتناص الفرص التي يضعها القدر في طريقه.

ويبدو الكاتب قادراً على تنويع تقنياته السرديّة تتوافق والنقلات القائمة في الرواية بما تنهض عليه من مناخات وحلات تعزز من الترابط الخفي بين أفكار الشخصيات وسلوكياتها ودوافعها وبين أفكاره هو ودوافعه. إنه يقدم لنا عملاً يتجاهل تاريخاً كاملاً من الحذلقة الفنية ليعيد للرواية الإنطباعية ذات النسيج الواقعي والمنحى الجمالي الرومانسي في بعض ملامحها، القدرة على استيعاب هموم عصرية ومشاغلة آنية تبدأ بقضايا الفرد من حب وسفر وبحث واكتشاف وألم ولا تنتهي عند تقنيات العلم من كومبيوتر وانترنيت وفضائيات بكل ما تنتجه من صور تتراوح بين الحي والمجرد، وصول إلي سياسات الدول والصراعات الكبرى التي تحكم الوجود الإنساني اليوم. وبالتالي فإن أهم ما تثيره هذه الرواية هو مفهوم الأدب، وموقع النوع الأدبي من النظرية الأدبية، وإمكانات النوع الأدبي، أكان قصة، أو رواية أو مسرحية في التأسيس لقيم جمالية جديدة لا تكون غريبة على القارئ العربي.

إن القالب الروائي الذي كتب به عادل بشتاوي روايته هو في الدرجة الأولى ذاك الذي انتجته فكرة الرواية، ومن ثم مغامرة كتابتها في الدرجة الثانية. وإن كنت لا أملك القدرة على الوقوف عند مفاصل معينة من الرواية كما يفعل النقاد، إلا أنني أنوه بتلك السلاسة التي تنساب معها اللغة الروائية بينما هي ترسم سلوك شخصيات عربية تجد نفسها أثناء سفر لها إلى الغرب في مغامرة وجودية تأخذها إلى أعماق ذواتها، وتضعها، للمرة الأولى ربما، في مواجهة أسئلة كبيرة لم يسبق لها أن واجهتها بينما كانت في بلادها. كأن الخارج/الغرب هو مرآة لـ الأنا في مواجهة الآخر. ومناسبة كبرى لامتحان الذات وأشيائها. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الغرب في هذه الرواية لا يشكل عقدة لشخصياتها بمقدار ما يبدو تحدياً إجتماعياً وعلمياً وأخلاقياً ممكناً، ومسرحاً خصباً لمقارنة تعتمد القدرات المتشابهة في الإستعداد الإنساني مرجعاً لها، أكثر مما تعتمد الإختلافات الأيديولوجية، من دون أن يعني ذلك أن الكاتب يتجاوز الرواسب التاريخية المعقدة بين الشرق والغرب. إنه لو صحّ الظن يؤثر تجاوزها على اعتبارها عثرة أبدية في وجه العلاقات الإنسانية، أقله الفردية بين الشرق والغرب.

جديد الرواية: روح جديدة

إن جديد هذه الرواية هو القديم نفسه ولكن من زوايا نظر مختلفة. وفي كل الحالات نحن بإزاء عمل فني حي ذي إيقاع سريع ومستويات التخاطب فيه متعددة، في حين يبدو الانتقال من السرد الى الحوار مفاجئاً تماماً أحياناً، وهذا يساعد على تجنب الإملال في رواية ضخمة نسبياً. كذلك فإن الرواية تكشف عن ثقافة الروائي وإيثاراته حيناً، وحيناً عن المشافهة العربية التي عادة ما تعتمد الشعر لدى الفئات الإجتماعية المنتمية إلى الطبقة الوسطى خصوصاً. إلى جانب حشد المؤلف لعدد كبير من العناصر والمكونات الفنية ذات الصلة بالتراث العربي من أفكار وأقوال وشخصيات ومواقف التي ترسم صورة خلفية للشخصيات وحضارتها. وإذا كانت الرواية تنهض على قصة حب تجدد قصة حب أخرى فاشلة، وتمنحها القدرة على أن تتجاوز ذلك الفشل الأول، فإن ذلك لا يعدو أن يكون مجرد خيط حكائي أول، إنه أشبه ما يكون بالذريعة القصصية الأولى في حكاية شهرزاد التي تنسج القصّ لكي تمدد الزمن وتمدد الزمن لتطيل عمرها كذلك يفعل بشتاوي مقتدياً بجدته شهرزاد. إنه يستعمل خيط حكاية الحب لينسج عملاً يقوم على عدد أكبر من المستويات التعبيرية التي تمكن العمل من طرح قضايا فكرية وحضارية عميقة، والمساهمة في تناول مشكلات إنسانية معقدة.

ولعل واحدة من الخصال الجيدة لهذا العمل أنه يلتقط روح الجيل الجديد، ونبضاته الخفية ليقدمها في صور تصورات وأشواق إلى مستقبل، بروح فيها من الإيجابية أكثر مما فيها من السلبية التي تتسبب بها له قسوة الراهن والشكوك العميقة بنبله.

من هنا فإن الكاتب يقدم الفروق الحضارية والنفسية بين عروب وآرلين، مثلاً، بصفتها فروقاً يمكن تجاوزها، ناهيك عن أن أنها لا تحول بين لقائهما. وهي في بعض الحالات مجرد فروق في الشرط الإنساني وحسب. هذا بعض ما أراد الكاتب إيصاله من رسائل بصياغتك التقابل بين هاتين الشخصيتين اللتين يمكن سحب ميكانزمات التقابل، بينهما، كما عبّر لي الكاتب مرّة، على كل شيء متقابل ومتناقض عندما قال «وضعت الموت قبالة الحياة، والحب قبالة الكره، والابنة قبالة الام، والابن قبالة الاب، والشرق قبالة الغرب، والحلم قبالة الواقع، محاولاً الاجابة عن السؤال حول من أكون، ومن هو الآخر، وماذا يحدث عندما نتبادل المواقع؟»

أخيراً في وسعنا القول أن هذه الرواية تصلح أن تكون مدخلاً لتشخيص علاقات جديدة، ووعي جديد ويتمثل هذا في ما يميز تصرفات أجيال جديدة تبني تجربتها المختلفة من الامال المحبطة للأجيال السابقة. والكاتب يقدم الجيل الجديد اكثر انطلاقاً مما كان عليه الجيل السابق. ليس في كل شيء بطبيعة الحال، وإنما في بعض ما تفصح عنه تجاربه. إنه تحديداً أكثر تحرراً من القضايا التي تثقل الجيل السابق، أو على الأقل له نظرة أخرى لها تبدو مريحة بعض الشيء. لكن الكاتب في الوقت نفسه لا يبدو مستعداً في أي حال للدخول في مفاضلة بين الأزمنة والأجيال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.