الواقعية في قصص عادل بشتاوي

الكاتب والرسام محمود شاهين
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
كانت مصادفة عابرة تلك التي أوقعت أحد أعمال الأديب عادل بشتاوي بين يدي، فقد كنت في رحلة استجمام إلى اللاذقية، ولم أصحب معي فيها سوى رواية الزميل غالب هلسا التي كانت قد صدرت حديثاً، أقصد “ثلاثة وجوه لبغداد”، وما أن فرغت من قراءتها حتى رحت أبحث عن شيء أقرأه، فأمواج البحر التي كانت ترتطم بقدمي وتتراجع لم تكن لتشغلني عن القراءة، لكن أين سأعثر على كتاب في هذا الشاطىء الذي لم أر أحداً يحمل كتاباً حوله؟
 
وكانت الفرصة حينما دعاني صديقي إلى العشاء فطلبت منه أن يعيرني شيئاً من مكتبته! اعتذر الصديق بأدب جم، فهو ارتحل حديثاً إلى اللاذقية وظلت مكتبته في دمشق، لكنه استدرك قائلاً: “لدي كتاب واحد فقط لشقيق زوجتي، وربما تجد فيه ما يسليك ولا سيما انه فسطيني!”. تساءلت في دهشة: “فلسطيني!”، قال: نعم! قلت: ماذا يكتب؟ قال: القصة القصيرة! “ما اسمه؟” “عادل بشتاوي” “ألم تسمع به؟!”
هززت رأسي بعد برهة صمت كنت أجمع فيها شتات مخيلتي “للأسف لم أسمع به!” أضفت “للأسف” هذه حتى لا أحرج صديقي الذي ربما يعتز بشقيق زوجته الأديب!
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
الحلقة الأولى
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
كان عنوان الكتاب “لا تقتلوا الكناري” والغلاف التجاري الرديء الذي طبع عليه لا يوحي إلا بالبذاءة! وجه جميل لأمرأة صابئة شارة التسديد لبندقية قناصة! صحيح أن الإنسان قد يشفق لهذا الوجه الجميل المهدد بالموت، لكننا لم نعتد على هذا النوع من الأغلفة حتى على الكتب التجارية ذاتها!
شرعت أقرأ القصص مبتدئاً بالقصة التي حملت عنوان الكتاب، ولا أعرف كيف أنغمس في صفحاته أضحك تاره وأحزن تارة وأغضب تارة أخرى.
وظل عادل ينقلني من قصة إلى قصة إلى أن أتيت على المجموعة كلها، التي ضمت ثلاث عشرة قصة!
أتيت بالمجموعة كي أكتب عنها، لكن صديقاً أخذها كي يقرأها ويكتب عنها، لكنه لم يكتب ولم يُعدها! ونسيت الأمر إلى أن التقيت صديقاً رحت أحدثه عن هذه المجموعة الجميلة، وإذا به يقدم لي ثلاث مجموعات قصصية أخرى لعادل بشتاوي إضافة إلى المجموعة الأولى!
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
مدخل إلى قصص عادل بشتاوي:
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
إذا كان الموت في حياتنا وافر فإنه وافر أيضاً في قصص عادل: الموت ظلماً والموت اضطهاداً، والموت يأساً، والانسحاق حتى العظم لدى غالبية الأبطال، والشعور بالحزن، بالقهر في مجتمعات لا ترحم الفقراء أبداً! مجتمعات يسيطر عليها ويسلبها قوتها ذوو الكروش الكبيرة المنتفخة!
وثمة نوع آخر من قصص عادل. نوع يمتزج فيه الواقع بالخيال الأسطوري المستوحى من التراث، كما في قصة >وسنصرخ حتى الفجر<، ونجد أنفسنا نعيش مع أبطال واقعيين يصارعون قوى غيبية شيطانية ساحرة، تتقمص أشكالاً مختلفة، كما كنا نسمع في حكاياتنا الشعبية.
وقد أطلق عادل على هذا النوع من قصصه اسم أو عنوان “موسم الرعب”! وربما أخفق عادل في بعض القصص الأسطورية وبدت شاذة عن عالمه، لكن معظم القصص الواقعية كانت موفقة جداً كقصة رحلة الموت في مجموعة “موسم الرعب”، فهي جديرة بأن تترجم لأي لغة من لغات العالم! وهي تذكرنا بقصة غسان كنفاني رجال تحت الشمس لكن الأبطال هنا من الباكستانيين. والموت يواجههم بالجملة! فيموتون بالعشرات ولا يصلون إلى الخليج! وسأتوقف عند هذه القصة في حينه.
بالإمكان فصل قصص عادل بشتاوي إلى قسمين، قسم يمكننا أن نطلق عليه القصص الواقعية وقسم يمكننا أن نسميه القصص الأسطورية ولنبدأ الحديث عن كل قسم من هذه القصص على حدة:
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
القصص الواقعية في أدب عادل بشتاوي:
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
ضمت مجموعته الأولى لا تقتلوا الكناري ثلاث عشرة قصة تنتمي إلى الأدب الواقعي كلها، بينما راوحت في المجموعات الأخرى بين الواقعية والفانتازيا الموغلة في الخيال.
في القصة الأولى التي تصدرت الكتاب يطرق عادل أبواب البؤس والاضطهاد في بلد عربي لم يشر الكاتب إليه بشكل محدد وواضح.
فاطمة امرأة فقيرة يعمل زوجها في المدينة. يموت حموها فحماتها في أسبوع واحد! ولا يستطيع الزوج الحضور، ولا يعلم بما جرى، وحتى لو علم فإن صاحب المصنع لن يعطيه إجازة لتقبل عزاء أمه وأبيه! تحتار فاطمة في أمرها، فهي امرأة وحيدة، وأولاد عم زوجها سيصلون قريباً وسيطالبون بالدار والحقل، والمختار وشلته يعتبرونها سبب موت عمها وزوجته، وقريباً سينظر إليها الرجال نظرتهم إلى امرأة سهلة المنال زوجها بعيد في العاصمة وهي وحيدة في دار كبيرة.
وتزداد مخاوفها حين تخبرها صديقتها زينب أن زوجها عزيز ربما تزوج فتاة من فتيات المدينة اللواتي يسلبن العقول! فتطمئن نفسها بأن >عزيز< يحبها، فهو فضلها على ابنة عمه ولن يتزوج غيرها! لكن >زينب< تصر على أن تبحث عنه وتجده بسرعة، فالرجال بلا أمان وإن ادعوا في الليل انهم يحبون زوجاتهم.
خلاصة القول تركب فاطمة سيارة أجرة (تاكسي) وتذهب إلى المدينة للبحث عن عزيز. في الطريق يعرف السائق أن المرأة تجهل المدينة تماماً ولم تشاهدها في حياتها، وما أن ينزل الركاب الدين معه حتى يجنح بالسيارة إلى طريق فرعي. تنتابها المخاوف فهذا الطريق لا يبدو أنه يؤدي إلى المدينة! لكن السائق لم يفعل شيئاً حتى الآن وربما ظلمته!
توقفت السيارة فجأة وادعى اسائق أنها تعطلت، وطلب اليها أن تنزل لمساعدته: “شد ذراعها الأيسر وكتفها الأيمن وأجبرها على الجلوس. صرخت فاطمة حتى قامت الأحجار من قبورها الترابية، لكن السائق شد شعرها إلى الخلف وضعط على كتفها الأيسر حتى التصفت بالتراب، صرخت ثانية فهوى بقبضته على رقبتها فسكنت”.
استعطفته ببناته وأخواته وبالأولياء الصالحين، وهددته بأن زوجها شرطي! وهددته بالمختار وغيره، أعطته الصرة التي كانت تحت ثديها والتي وضعت فيها كل ما تملك لعله يسترها! لكن لم يسترها، فاغتصبها وسلب كل ما تحمله، وتركها ملقاة على جانب الطريق كجيفة: “وكانت تشعر أنها جيفة، وتشعر أن العالم ظالم لئيم، وتشعر بالخجل لأنها أمرأة؛ الخجل لأن السائق اغتصب أنوثتها بلا رحمة”.
لم تكن هذه نهاية أحزان فاطمة فقد تمالكت نفسها وراجت تبحث عن عزيز في المدينة التي وصلتها ليلاً. أخرجت رسالة من تحت ثديها وطلبت إلى امرأة أن ترشدها إلى العنوان المكتوب عليها. وهنا كانت الفاجعة فقد حل الحبر على العرق، وسالت الحروف واختفت الكلمات التي كانت مكتوبة على الظرف.
أطلقت صرخة مدويّة هائلة، وأغرقت الدموع عينيها، وظلت تصبح بالشارع الكبير: “عزيز … عزيز!”
هذا مجرد تلخيص سريع للقصة التي احتلت خمس عشرة صفحة في الكتاب لتصوّر لنا عالماً مغرقاً في قسوته، مغرقاً في ظلمه. عالم القوي فيه يأكل الضعفيف! وهذا ما نجده في القصة الثانية: لا تقتلوا الكناري!
عبيد الرحمن رجل مسحوق ينوء تحت وطأة مشاكل الحياة: حظه العاثر في العمل وحظه مع زوجته أيضاً، فلم يعمل في مكان إلا وطرد منه لأتفه الأسباب! وفي عمله الأخير، كان في المستطاع أن يصبح رئيساً لقسم جمع النفايات في البلدية لولا حظه التعيس الذي جعله السجين رقم 12734 في السجن المركزي!
فقد تغيب يومين عن العمل دون مبرر فطرد. سار في الشارع تحت شمس تكفي حرارتها لإذابة يافوخه العاري، ومخيلته تستحضر الأعمال السابقة التي طرد منها، في شريط حياته البائسة: لو دارت حياته دورة ثانية لرغب أن يكون شاعراً، كانت له في الماضي محاولات شعرية مشجعة.
وظلت الأفكار تنهش مخيلته إلى أن دخل البيت، لا يعرف ماذا يقول لزوجته. وفجأة وجد نفسه يقول لها حينما سألته: “وقع انقلاب عسكري اليوم وأغلق العسكر جميع المحلات والمكاتب!”
– ونزلت الدبابات إلى الشوارع؟
– دبابات كثيرة وجنود أكثر من التراب!
– في هذا الحر القاتل؟
– نعم! ويقولون إنهم استوردوا دبابات مكيفة الهواء!
أدركت زوجته أنه طرد من العمل، فنهضت إليه بكل الكتل التي تراكمت على جسمها نتيجة نهم غير عادي، وقبل أن يبعد وجهه شعر بلطمة على جبينه وخيل إليه أنه يرى شرراً أخضر اللون يحوم وسط الغرفة.. وراحت الزوجة تكيل له اللكمة تلو اللكمة حتى أن الابن شاركها الضرب، وكذلك العم الذي اقترب يريد المشاركة!
حاول عبيد الدفاع عن نفسه بعد أن استفز، فأسقط العم ولطم الزوجة وهرع نحو ابنه، لكن الشرطة هرعت وأخذت الجميع إلى القسم ما عدا العم الذي ذهب إلى المستشفى.
يخرج من القسم متعباً، يستنشق هواء مشبعاً بالرطوبة: “في الصباح كان موظفاً وزوجاً وأباً وصاحب بيت، وهو الآن دون شيء! ود لو أنه يبكي ولكنه لم يستطع”.
في الطريق رأى بعض الرجال منهمكين برفع قوس نصر على مدخل المدينة. حملق في الظلمة فرأى رافعة هائلة تئن تحت ثقل نصب فولاذي كبير. تسلل نحوها بحذر وأخذ يلاحق دوران محركها، ولما اطمأن إلى انشغال العمال، صعد إلى الرافعة وأمسك بمقبض أصفر اللون وحركه إلى الأمام، فاندفعت الرافعة نحو مدخل المدينة، خيل إليه أنه يسمع صياح بعض العمال، ضغط على المقبض فارتجت الآلة قليلاً ثم عادت إلى سرعتها الأولى! وانطلقت تأخذ السيارات في طريقها وتجرف أمامها كل شيء! فتحول سكون المدينة إلى صخب مرعب: أبواق الحافلات وأبواق سيارات الشرطة راحت تنطق منبهة! أما عبيد الرحمن فكان جالساً في مقعده (مقعد القيادة) يوجه الرافعة خلف من رأى فيهم مديره وزوجته وعمه والشرطي وكل الشخصيات المماثلة الأخرى التي عرفها في حياته.
إلى جانب هذا النفس المأساوي نلمس في معظم قصص عادل نفساً ساخراً، سخرية ترغمك على الضحك وسط الحزن والكآبة!
في قصة “وفاة زوجة مخلصة” يلجأ عادل إلى تصوير مشاعر أسرة في اللحظة التي تتمدد فيها جثة الزوجة داخل البيت ليكشف لنا مدى حقارة ووضاعة بعض الناس، وقد مثلهم هنا في شخصية أب الزوج الذي يفكر في مستقبل الأسرة أكثر مما يفكر في دفن الزوجة، حتى أنه أخذ يفكر كيف سيقتصد في مصاريف الدفن!
وفي قصة أبراج الصمت التي تدور أحداثها في بومباي يغرقنا عادل في الضحك فوراً! يقول الدليل الهندي الذي اعترض طريق السائح العربي:
“بونجورنو سنيور، إيتاليانو؟”
“لا.. عربيانو”.
وتتحدث القصة عن مشاكل الحياة الزوجية. هذه الحياة التي تصبح مملة وقاتلة بعد الأشهر الأولى، حتى في حالات الاستجمام والسياحة تبقى هذه المشاكل قائمة، لكن مشاهدات السائح العربي في بومباي بدءاً بحرق جثث الموتى مروراً بالطيور الجارحة التي تنهش جثث آخرين وانتهاء بقطعان المتسولين والأسر التي تنام وتأكل وتعيش على الأرصفة، تجعل مشاكل الحياة الزوجية ليست ذات شأن أمام هذه الحياة!
ويغرق عادل هنا في أفكار فلسفية عن الحياة، عن الفقر والغنى “منذ أن شاهد منظر النيام على الأرصفة لم يشعر بدهشة لوضع مثل هذا، ولكنه شعر بغضب لتقبل تلك الحقيقة. ولكنه يعرف الآن أنهم يقبلون واقعهم لا لأنه جزء من ضريبة الحياة، وإنما لأنه جزء مقبول من قدرهم. بين الغنى الفاحش والفقر الفاحش لم تكن هناك طبقات، لم تكن هناك ضغينة أو حقد وإنما قبول فقط ورضوخ لمسيرة قدر يعتقدون أن من غير الممكن تغيير اتجاهها! أما بالنسبة إليه كسائح فقد كان يرى أن نمط حياتهم شيء لا يمكن فهمه، ولكن يمكن فهم أسباب تقبلهم له”.
ولا أظن أنني قرأت قصة في حياتي فيها هذا التمايز المخيف بين الغنى والفقر، فالهند هذه بلد عجيب حقاً، فتصوروا الفارق الهائل بين من يحرق موتاه بخشب الابنوس الثمين جداً، وبكميات هائلة! وبين من يحرق موتاه ببضعة أرطال من خشب رديء مسوس!
لقد نجح عادل الى حد كبير هنا في توظيف مشاهداته السياحية لخدمة الموضوعة القصصية التي يطرقها، ولم تكن عبئاً عليها، بل كانت جزءاً منها:
“الهنود الذي عاشوا حضارتهم محاولين مصالحة المتضادات عرفوا أيضاً أن الحياة برمتها تكمن في وجود المتناقضين المتصالحين للكل الواحد”.
وهو، أي بطل القصة، سيغادر بومباي، وسيحاول أن يتقبل زوجته كما هي، ليس كما يريدها أن تكون، وإنما كما هي بكل متناقضاتها، >فالانسان وإن كان يمضي كل حياته وهو يحاول أن يجعل الآخرين يحبّون ما يحب ويكرهون ما يكره، إلا أنه أول من يرفض النسخ المشابهة له!
ربما لا نتفق مع عادل حول بعض الأفكار الفلسفية التي تطرحها هذه القصة، لكننا لا نستطيع إلا أن نقول إنها قصة جميلة.
في قصة طفلتان ورجل عودة الى الحياة الزوجية، والمرأة التي لم تعد تحتمل بؤس هذه الحياة ولا سيما في الخليج، فتقرر أخذ طفلتها والهرب من هذا الجحيم، وتركز القصة على معاناة الزوج الداخلية لحظة الوداع الفراق وما بعدها.
وفي قصة لحظة اليقين يدخل عادل إلى عالمه الأصلي، أقصد قلسطين، فالبطل هنا نازج أو لاجىء في دمشق منذ عام 1948، ويظل يحلم بالوطن والعودة إلى أن يتحطم هذا الحلم بعد حرب 1967، ومع ذلك تظل العينان محدقتين إلى سماء الوطن وسهوبه.
وفي قصة لم يبق إلا الوداع نقرأ أجمل نثر شعري حملته قصة عربية لشاب منتحر؛ شاب يئس من الحياة بعد أن فشل في الحب. ونظراً لأن المجال لا يتسع هنا لنشر معظم الفقرات الشاعرية هذه، سأكتفي بإيراد بعض ما هو هام منها:
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
“أحب وطني وفتاتي وأمي وأكره الغربة غير أنّي أتغير كما النهر. سيل من التجارب يشوّه وجه الصغير المختفي خلف وجه الرجل. وطني في الجانب الآخر من الحيقية وفتاتي تفتح ذراعيها فأضمّها غير أن قلبي لا يموء حبا ولا تغرد البلابل ولا يضيء وجه القمر ولا تموج الأشجار ولا تتدفق الأغادير الجافة. وأنا؟ أنا لا أريد أن امسك بالأشياء التي لا أستطيع تملّكها، ولا أريد تلك الأشياء التي تقترب مني من دون رغبتي. وأنا لا أعرف أشياء كثيرة لكنني أعرف أن وراء البدلة والياقة والنظارتين وعلبة التبغ بدوي يعتقد أن أوان الرحيل حان، وعليه الآن أن يطوي الخيمة قبل أن تتثاءب أشعة الشمس وتنتقل إلى مكان آخر”.
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
……….
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
“ألمح وجه الصبية هناك قرب الباب فلا تقوى القدمان على الانتقال خطوة واحدة فأقول: أيها الرفاق! هلا بكيتم معي؟ أنا مثلكم أفتقد الوطن وأمي ووجه من أحب. وأنا، مثلكم، أنظر الى المستقبل وملايين الخيوط الدقيقة تشدّني إلى الماضي. وأنا مثلكم أموت ألف مرة في اليوم فلا تخرج من الصدر أنّة أو بحّة أو حرّة. وأنا مثلكم أختنق من دون أن اسمح لهم أن يروا اختناقي. وأنا مثلكم أخاف أن أقول إنني أحبها فلا تفهم ما قصدت”.
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
………..
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
“أغنّي لك أيها البحر. أغنّي لكل ما هو نضر وجديد وآسر فيك. أغرق مع إغراقتك الأزلية، وأرقص على أمواجك التائهة إلى الأبد لأطفو معك على سطح هذا العالم المضني. أردّد معك همسك العميق، وأحلم بالندى يسقط عطراً صباحياً يجعل الارض ركناً يستأهل العيش”.
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍
… قرابة ثلاث عشرة صفحة من هذا الشعر الحار المتدفق المشحون بالآلام والمعاناة، ويا ليت في مقدوري أن أورد أكثر مما أوردته، ولا يظنن أحد أن كل هذا الشعر قد جاء على حساب فنية القصة، بل كان من صلبها. إننا نقرأ أوراق شاب انتحر للتو حتى أن صديقه يشرع في قراءتها قبل أن يسمع بنبأ الانتحار، وأرجو أن تتاح لنا الفرصة في “فتح” لنشر هذه القصة كاملة.
وفي قصة العجوز والليل يحدثنا عادل عن هموم صاحب المقهى >المسالم< الذي يعمل في الخليج، لكنه لا يظل مسالماً عندما يتسلط عليه أحد مراقبي البلدية ويبدأ في ابتزاز تعبه وعرق جبينه، وليس هذا فحسب، بل إغلاق المقهى لمدة شهر أيضاً! وهنا يضطر الرجل المسالم الى التفكير في القتل.
وفي قصة بائع الشاورما نلمس هموم طالب فلسطيني يدرس في لندن، لكنه يخفق في دراسته فيتحوّل إلى بائع شاورما!
وفي قصة الخور نلتقي بمن هرب من جحيم بيروت الى العمل في الخليج، وقرر استدعاء زوجته وطفله، لكن الطائرة التي جاءا على متنها سقطت! وكأن عادل يريد أن يقول لنا إن الموت في كل مكان ولا مفر منه!
في قصة جدار الليل تختلط المعلومات التاريخية بالخواطر والذكريات عن الحكم العربي لاسبانيا، وتضيع (عبر مشاهدات سائح عربي لغرناطة) الفكرة التي أراد الكاتب ان ينقلها لنا، رغم أنه أورد وأوصل لنا الكثير من الأفكار.
في الحقيقة الثالثة نعيش حزن مواطن مالطي على ابنته المنتحرة، وفي الحصة الأخيرة نتعرف على وسط الجامعات في البلاد العربية، تلك الجامعات التي لا تخلق إلا علاقات مشوّهة وبشراً مشوهين لا يستطيعون البوح بما في دخائلهم لزملائهم ولا سيما إذا كانوا من الجنس الآخر! فنحن هنا أمام شابين لم يستطيعا مصارحة فتاتين عن شعورهما نحوهما رغم مرور أربع سنوات على الزمالة الجامعية، فتحل الخيبة في نهاية السنة ويتحطم الأمل.
اكتفيت بتلميح سريع للقصص الأخيرة لأن المجال لا يتسع. وخلاصة القول إن عادل بدا وكأنه يبحث في قصصه الواقعية عن الجانب الآخر من الشقاء الفلسطيني؛ الشقاء الذي يشمل البشر كافة بغض النظر عن هويتهم وانتمائهم، محتلة أوطانهم أو غير محتلة، وقد أوصل لنا ذلك عبر لغة تراجيدية-كوميدية في بعض الأحيان، لمست فيها نفس انطون تشيخوف، وعبر لغة شاعرية ساحرة مؤثرة أحياناً أخرى لمست فيها نفس طاغور وبدر شاكر السياب.
 ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.