الرغيف المُقمّر والرغيف المحروق

يحسب هذا الكاتب المثقل بهرم من السنين وبذكريات ربما كان بعضها أكثر هرميّة وثقلاً أن البلد الذي يظل الأقرب إلى القلب بلد الشيخ زايد الذي عرفه هذا الكاتب سنوات عندما كان مديراً للتحرير المركزي في وكالة أنباء الامارات، وقبلها عندما اشتغل في دبي وكتب فيها مجموعته القصصية الأولى. في الليلة الظلماء يفتقد البدر فكيف يكون الافتقاد عندما يرفع المرء أصابعه ليعد الليالي التي لم تكن ظلاماً كلها ثم يُنزلها اليأس؟ إذاً قولوا معي مرة أخرى رجاء: حسبنا الله ونعم الوكيل ورحمة الله عليك يا عزيزنا الأزلي الشيخ زايد، تركتنا في الظلمة ومضيت.

العتب على قدر المحبة لكن هل هو القدر نفسه إن كان العتب ألماً؟

مؤلم أشد الألم ما يحدث في سورية. مؤلم أشد الألم أن يرى المتابع لأخبار سورية ما بقي من نتف أجساد أطفال وطفلات مزقتها براميل متفجرات أسرة تريد أن تبقى في حكم سورية مهما كان الثمن. هي أسرة واحدة لا يهمها أن تموت كل أسر سورية إن هي بقيت. مؤلم أن يسمع المتابع لأخبار سورية أفواهاً مليئة بالقيء تصيح “الأسد أو نحرق البلد” ثم تكشف الأيام انهم يحرقون البلد فعلاً. في أنظمة القتل مثل النظام السوري عرابها الأكبر ستالين لا يوجد بريء، لا يوجد من لا مسؤولية عليه، لا يوجد حياد. كيف يكون الحياد مبدأ في حال سورية؟ إما أن تكون مع القاتل أو أن تكون مع الضحية؛ إما أن تؤيد الظلم أو أن تؤيد الانصاف. كل من يعمل مع النظام جزء من النظام، وكلهم سيُحاسبون على إحراق سورية وتمزيق أجساد أطفالها. نظام يعتمد على مخابرتي مثل بوتين ومحفل الإسلامية في إيران يجب أن يشعر باليأس من محاولة الاستمرار. كلهم زائلون لأن العالم تغير والوقت عدوهم الأكبر.

في بلد العربي الوحيد الذي صاغ رؤية تنموية واضحة تقوم على الامتياز في كل شيء وصنع منها دبي الجديدة، جاء الألم السوري حربة في الخاصرة فيما ساد التهريج السياسي والاستغفال الأخلاقي اجتماع الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. هو اجتماع طالب بتحرير لواء الاسكندرون واستمرار احتلال سورية؛ اجتماع أيد أهمية استعادة جزر الامارات الثلاث فيما هو يضم وفد نظام هو الأقرب في العالم إلى النظام الذي يحتل الجزر الثلاث.

لنكن صريحين: من يمثّل النظام السوري إجرامه بقدر إجرام النظام نفسه فلأي سبب إذاً، يعطى مُمثل النظام منبراً  لخطاب بالت عليه الثعالب منذ دهور؟

صحيح أن المنبر في فندق البستان في دبي لكن لا نستطيع أن نلوم دبي لأن الفندق في أراضيها. الفندق هو الذي استضاف من دعا ممثل النظام الأسدي في سورية بناء على طلب الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. وبما أن الأستاذ الفاضل الشاعر حبيب الصايغ رئيس الاتحاد فهو من دعا ممثل النظام الأسدي وبارك له احتلال المنصة لكي يذكّر من يسمع أن النظام السوري ليس مجرم حرب وهو موجود  في بلد محترم ولا أحد يريد اعتقاله وتقديمه إلى المحاكمة قريباً.

ما هي بالضبط أهم مسوغات وجود الاتحادات ورابطات الكتاب في كل مكان؟

إذا أقر الأستاذ الصايغ أن أهم المسوغات حماية الكاتب من إجرام الأنظمة المجرمة فربما اتهم بأنه لا يعرف عدد الكتاب والصحافيين السوريين الذين قتلهم النظام في سجونه وأقبية مخابراته. هنا يُستعاد القول: إذا كنت تدري…

لا توجد في قوانين الابداع بند يفرض على المبدع الجيد أن لا يكون إدارياً فاشلاً لكن ربما كان على المبدع الناجح الذي يصبح إدارياً فاشلاً الاختيار بين استمرار النجاح واستمرار الفشل لأن السفينة الغارقة ستغرق بكل ما عليها.

الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب (ماهو الفرق بين الأديب والكاتب؟) اتحاد فاشل لأسباب لا علاقة لها بالكاتب العربي فمعظم الكتاب أصحاب أخلاق يحكمهم ضميرهم ولهم باع نافذ في العالمية. البيئة السياسية العربية بيئة ملوثة لا يمكن أن يُنتظر منها أن تبارك منظمة ليست ملوثة مثلها. لا يوجد امتياز في أي منظمة أعرفها، لا توجد ديمقراطية،  لا توجد حرية رأي، لا يوجد احترام للفكر والابداع، لا توجد قدسيّة للانسان، لكن بما أن الاجتماع كان في دبي فليُضف القول إن لا امتياز فيه ولا احترام لدموع أمهات سورية اللواتي يبكين أطفالهن ليل نهار.

رابطة الكتاب السوريين ليست رابطة ثورية لكنها رابطة تؤيد الثورة السورية لأنها ثورة شعب يريد الحرية. هو حق طبيعي هذه الحرية. لو كان القدر يريد لنا الاستبداد لخرج كل واحد منا من رحم أمه وهو مكبل اليدين. إذا لم يؤيد الكاتب الحرية فهو يؤيد السجون وأقبية المخابرات. إذا لم يؤيد اتحاد للكتاب العرب حق الشعوب العربية في الحرية فهو يريد بقاء أنظمة الظلم وليحترق هو ومن يديره في خجله.

لا يوجد خيار ثالث.

إسلام ابو شكير كتب في القدس العربي مقالة بعنوان “جنازة الكاتب السوري في اجتماعات الكتاب العرب“.

هو مجاز وفي المجاز لماذا هي جنازة الكاتب السوري أيها العزيز؟ ألا يكفي عدد الكتاب السوريين الذين قتلهم النظام الأسدي ولم تقم للبعض جنازات لأن أهلهم لا يعرفون أين دفنوا؟

رابطة الكتاب السوريين لم توجه الدعوة إلى كتبة النظام السوري للمشاركة في اجتماع فندق البستان. من وجه الدعوة هو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب فهي مجازاً جنازة الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. من وافق على الدعوة هو الأمين العام للاتحاد الشاعر حبيب الصايغ، فهي أيضاً مجازاً جنازة  الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.

استاذنا الكبير حبيب الصايغ شاعر مشهود له ربما خلدته الأجيال لا لأنه كان يوماً رئيساً لاتحاد دعا كتبة مجرمين أرسلهم نظام مجرم لكي يحاضروا في حاضرة دبي عن الحرية والتحرير وأخرى من شؤون لا علاقة لها بالنظام السوري.

لا نريد أن نقترح على استاذنا الكبير الاستقالة من هكذا اتحاد فهذا قراره لا مشاركة لأحد فيه لكن لنتذكر أن الفرق بين خروج الرغيف المحروق وخروج الرغيف المقمّر من فرن هو زاد حرارته في فورة غفلة لحظات.

وأحسب أن العد بدأ.

 

بشتاوي روائي ومؤرخ وباحث في لغات عصر الحجر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.