خطيب بدلة في كتاب جديد: قصص وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سورية: قراءة وعرض عادل بشتاوي

الكتاب: قصص وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سورية
الكاتب: خطيب بدلة
دار النشر: دار نون للنشر
عدد الصفحات: 176
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: 2014

khatteb spread

قراءة وعرض عادل بشتاوي*

أكرمني الله بكوابيس عجيبة ليس في طولها فقط بل في عرضها أيضاً بعضها من النوع الذي تقول فيه النفس للنفس الأخرى “أنت في منام وأضغاث أحلام”، فترد النفس الأخرى على النفس الأولى “بل أنت في حقيقة فاخرج منها إن استطعت”.
ولا فائدة من الزعم أن بعض هذه الكوابيس لقطات بكميرات الذاكرة لفنون التعذيب في سجون النظام وأقبيته الأمنية على أشياء قائمة أو أشياء نائمة، كان عمال محاكم التفتيش سيستعيذون برب المسلمين منها، بعدما صار جل من أقام صفحة على فيسبوك يدعي أنه كان في فائت العصر والأوان سجينا أو معتقلاً أو ملاحقاً أو مشروع سجين أو معتقل أو ملاحق لأن الذهب ليس ثميناً لصفرة لونه بل لندرته، وكذا في شكل أو آخر، حال الثوريين والمتثورنين.
وليس من الكوابيس في شيء أن يقلب المرء من محطة إلى ثانية فلا يجد في دنيا التلفزيون سوى قناة “الدنيا” أو “الآخرة”، بل أن تطلع المحطات كلها بخبر متفق عليه مفاده أن صواعق عجائبية ضربت الأرض في الليل فخرج من القبور إلى القصور صدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد وفرانكو وستالين وسلازار وموسوليني وغيرهم من شياطين الانس من جهة، ودخل العالم من الجهة الأخرى عصراً مظلماً لا نهاية له ولا ربيع.
ويمكن لمن يعاني من هكذا كوابيس اللجوء إلى أطباء نفسانيين لم يتخرجوا من موسكو، ويمكنه أيضاً اللجوء إلى حل أسهل بكثير ساقه الكاتب خطيب بدلة مجاناً في كتابه الجديد في صورة نكتة ها هي:

“يحكى..
بعد وفاته (حافظ الأسد) بأيام، تقدم من القصر الجمهوري رجل تبدو عليه علامات الغفلة والسذاجة والهَبَل. اعترضه الحراس، فقال لهم:
– ابتعدوا من طريقي.. أريد أن أقابل القائد المفدى حافظ الأسد.
ارتابوا في أمره، وكاد أحدهم أن يطلق النار عليه.. ولكن أحدهم أشفق عليه
وقال له:
– يا أخي! أنت لا تسمع الأخبار؟ الرئيس حافظ الأسد مات.
قال: بجد؟
قال الحارس: الله وكيلك مات.
فشكره وانصرف.
بعد يومين أو ثلاثة، عاد الرجل إلى نفس المكان، وطلب مقابلة حافظ الأسد، فقال له أحد الحراس:
– الرئيس حافظ الأسد مات.
في المرة الثالثة اعتقلوه.. اقتادوه إلى أحد فروع الأمن.. ضربوه ضرباً مبرحاً وهم يسألونه عن السر الذي يخبئه، وما حكايته مع الرئيس الراحل. فقال:
– اعطوني الأمان.. أحكي لكم الحقيقة.
قالوا: عليك الأمان.
قال: والله العظيم.. أعرف أنه مات.. ولكنني أطرب وأنتشي وأكاد أسكر حينما أسمع العبارة التي تقول: حافظ الأسد مات!” (ص 100-101).

ومن يعرف الكاتب خطيب بدلة يعرف العمارة الساخرة التي أقامها على صفحات موقعه “كش ملك“، وهي المجلة التي تصف نفسها بأنها “شهرية – سياسية – اجتماعية – نقّادة – ساخرة”، وفيها من حرية التعبير ما لا يماثله في أي دورية أخرى ومن انعتاق اقلام كتّابها ما لا يمكن الحلم بوجوده أيام الحارث (حافظ) أو الوارث (بشار).
وإذا لم تكن الثورة تعني حرية التعبير فماذا هي؟ وما هي حرية التعبير سوى توافق الكلمة مع الحدث ومسخ الحالة الكاذبة بسحر الصدق والحقيقة؟ إذا اقتضى التعبير عن الحالة تغليب النكتة على السيرة فما هي المشكلة؟ خطيب بدلة سرد نكتة موت الأسد في 141 كلمة وسرد سيرة الأسد الكبير نفسه بثلث العدد تقريباً، أي بخمسين كلمة يمكن اعتبارها غاية في الكفاية: “في العاشر من حزيران (يونيو 2000)، توفي حافظ الأسد، بعد ثلاثين سنة من الظلم، والاستبداد، والبطش، وإلغاء الحياة السياسية، ومحق الرأي المعارض، وتطويع الناس، وقهرهم، وإرغامهم على عبادته. مات وفي رقبته أكثر من مئة ألف قتيل من الشعب السوري، عدا الذين صرفوا القسم الأكبر من أعمارهم في سجونه ومعتقلاته” (ص 100-101).
ولا تقتضي حرية التعبير اعطاء الجاني والضحية أو المغتصب والمغتَصبة المساحة نفسها، إلا أن السخرية نصل كلامي حاد يعرف كاتب ساخر مثل خطيب بدلة كيف يوجهه؛ إنها لا تستنجد بالكذب والافتراء والتحقير والاستخفاف لتحقيق الهدف من السخرية، بل بالصدقية التي يمكن النظر إليها من زاويتها الحقيقية لا من الزوايا التي تسوّقها الأنظمة أو أصحاب الأقلام الثقيلة والعقول الخفيفة.
من الحقائق، مثلاً، أن صدام والأسد والقذافي ينتمون إلى مدرسة القتل المجاني الستالينية نفسها. ضحايا صدام خلال السنوات العشرين السوداء التي حكم فيها العراق العظيم يعدّون بمئات الألوف لكنه قال يوم إعدامه إنه “يضحي بنفسه جندياً من أجل العراق وشعبه، وأنه سيلقى ربه بضمير مرتاح” (هنا)
أي ضمير هذا، يا جماعة الخير، وأي تضحية، وأي كذب؟
النهاية سريعة: ثانية واحدة كانت كافية لزوال عصر كامل قهر فيه صدام العراق قهر المغول. نهاية القذافي كانت سريعة هي الأخرى بعد اصطياده في قسطل مجاري (بالوعة ليبية، حقيقة). الأسد زهدت به الدنيا فمات دون طول بال لا مسوّغ له. هذه “مأثرة” لا يُستهان بها. خذوا، مثلاً، الدكتاتور الاسباني فرانكو. هذا الأخ أصر على مقارعة عزرائيل على ساحة فراش الموت أكثر من ثلاث سنوات نُكب خلالها ليس بذبحة صدرية واحدة بل بمذابح جماعية.
إذا كان جيل فرانكو من الاسبان يعاني من النرفزة وضيق الخلق وسرعة الهيجان وازدواجية الشخصية فلعل فرانكو أحد الأسباب، إن لم يكن أهمها. كانوا يفيقون كل يوم فلا يعرفون إن كان في يومهم فرح لموت هذا الدكتاتور الديناصوري العريق، أو زعل لأنه يمكن أن يقوم من فراشه في أي لحظة ويحكمهم ثانية حتى العظم. حتى عندما مات فرانكو ظل اسبان كثيرون في حال انكار آيبرية معروفة لا يصدقون أخبار موته، كما حال صاحبنا في النكتة أعلاه، لذا يُقال إن قراء النشرات المسائية في بعض محطات التلفزيون كانوا يختمون بالقول: “جاءنا الآن نبأ مؤكد بأن الجنرال فرانكو لا يزال ميتاً، ولا يزال مدفوناً في قبره”.
لقد انتهى صدام والأسد والقذافي لكن إرثهم الأسود لم ينته بعد. مثل الإيدز، سموم نصف قرن أو أقل أو أكثر لا تزال في العقول. التخلف الذي أورثوه شعوبهم لا يزال في العقول. الجهل لا يزال في العقول. السلوك القبيح كذلك وشراسة الخلق وضعف المحبة والثقة والأمانة واضطراب التفكير والسماجة وثقل الدم. الأسد الكبير كان دكتاتوراً لكنه لم يمت إلا ومعظم من لهم مناصب، أياً كانت، صاروا مثله: ابنه دكتاتور مثله، رئيس الوزراء دكتاتور مثله لكن في حكومته، الوزير دكتاتور في وزارته، قادة الفرق دكتاتوريون في قطعاتهم، زعماء المخابرات مثلهم، مدير المدرسة دكتاتور في مدرسته، الاستاذ دكتاتور في صفه، الخباز في مخبزه، الأب في بيته والأخ الكبير دكتاتور على إخوته الأصغر واخواته.
إذا كان البعض يتصوّر إن اتباع الوارث بالحارث نهاية انتصار الثورة فإنه لا يريد أن يعرف ما الذي حدث تماماً خلال اربعين عاماً في سوريا، أو في ليبيا أو في العراق وقريباً في مصر. إذا تصوّر المرء ما هي الخطوات التي يجب ان تلحق بانتصار الثورة فيجب أن يعرف أن الانتصار لن يكون أكثر من خطوة واحدة في طريق هرمي طويل. إذا اعتقد البعض أن انتصار الثورة هو نهاية نفق دكتاتورية الاسرة الأسدية فلعلهم لا يعرفون أن في نهاية النفق قطار رهيب يتجه نحوهم بسرعة رهيبة.
خطيب بدلة كاتب ساخر لكن السخرية ليست نوراً يرسله خطيب أو غيره في الاتجاه الذي يريده ويحجب النور عن الاتجاهات المهمة الأخرى. إنه طبيب. إذا أراد الطبيب شفاء المريض عليه أولاً أن يعرف طبيعة الداء؛ عليه أن يشخّصه جيداً. الأسد ذاهب لا محالة لسبب بسيط جداً هو أن الشعوب باقية لا محالة. إذا شاء المرء أن يحدد طريق إزاله هذا النظام عليه أن يحدد الأسباب التي حملت النظام إلى السلطة ثم سمحت له بالاستمرار في السلطة:
يقول خطيب بدلة:

“حُكمت سورية منذ استيلاء الجنرال حافظ الأسد على السلطة يوم «16/11/1970» وحتى تاريخ تحرير هذا الكتاب، من خلال تحالف قوتين جبارتين هما: قوةُ الأجهزة الأمنية التابعة لمجموعة الأسر الحاكمة، وقوة الإعلام.. فالأجهزةُ الأمنية تُرَاقِبُ، وتتنصت، وتَعْتَقِلُ، وتَسْجُنُ إلى آجال غير مسماة، وتُطَارِدُ، وتُشَرِّد، وتُصَفِّي، وتَقْتُل، وتُمَثِّلُ بجثث المواطنين السوريين المعترضين على هذا النهج،.. والأجهزةُ الإعلاميةُ تختلقُ الأكاذيب التي تموه الحقائق، وتَخترع و«تُفَبْرِكُ» أكاذيبَ موازيةً لها، وتحاولُ، من خلال هذه الأكاذيب، إيهامَ الرأي العام، في الداخل والخارج، بأن «النظام» بريء مما حصل، وأن ثمة قوى وَ.. جِهَات أخرى تقصدت ارتكابَ تلك الأفعال، تنفيذاً لمؤامرات و«أجندات» استعمارية خارجية، ورجعية داخلية مرتبطة بالخارج، لكي تسيء للشعب، والقيادة الحكيمة في آن معاً.
ولأجل تحقيق هذه المعادلة التسلطية، القائمة على كذب مكشوف غير مشوب بأية شائبة من صدق، فقد عمدت السلطة «الأمنية/ الإعلامية» إلى التعتيم الإعلامي الشامل، ومنع أي إعلام خارجي حر من دخول البلاد، وحَصَرَتْ عملية السماح بإنشاء مؤسسات إعلامية داخلية خاصة برجال تثق بهم، أغلبُهم مسؤولون متقاعدون، أو أبناءُ ضباط أمنيين سابقين مشهود لهم بالولاء للنظام،.. وحتى المراسلون الذين تعتمدهم الصحف والمحطات التلفزيونية العربية والعالمية فلا يمكن لهم أن يعملوا في سورية إذا لم يكن معهم «o.k» ليس من وزارة الإعلام السورية، وإنما من إدارة المخابرات العامة، أو أية جهة أمنية كبيرة أخرى” (ص 8-9).

إذاً، خطيب بدلة كاتب ساخر لكن سخريته واقعية، وهناك فارق شاسع بين السخرية الواقعية والتهريج. إنه مؤرخ معاين ومعايش، لكن يجب أن نكون واقعيين ونعترف أنه ليس مثل اليعقوبي أو المسعودي، أو حتى الطبري. سيرة الثورة السورية في كتابه “رواية” ليس فيها الاسناد المسند الساند، ولم أجد فيها حديثاً واحدا.
خطيب بدلة مهذب ومتواضع بطبعه وهو لا ينفي: “أحببتُ أن أتقدم للقارىء الكريم باعتذار شديد اللهجة عما يمكن أن يرد في هذه الكتاب من معلومات قد لا تتوفر فيها الدقة المتناهية.. فيؤثر ذلك على مصداقيتي التي أزعم أنني أمضيتُ عمري وأنا أسعى إلى الحفاظ عليها… وإنما هي، في كل الأحوال، رؤية، واجتهاد، ووجهة نظر (ص 9-10).

لكن إن لم يكن التأريخ رواية، فما هو؟ إن لم يكن رؤية، فما هو؟ إن لم يكن اجتهاداً، فما هو؟ إن لم يكن وجهة نظر، فما هو؟ إن لم يكن التاريخ كلاماً بسيطاً، سلساً، سهل الهضم، هدفه اعلام الانسان العادي ومساعدته على اتخاذ القرار، فما قيمته؟
في تاريخ الأمم نوعان من الروايات: روايات كتبها المنتصرون وروايات كتبها المهزومون. وفي تاريخ هذه الأمة المقدسة، باستثناء، نوع واحد من الروايات هو أساساً رواية السلاطين والمتسلطين جمع فيها معظم المؤرخين حطام تفسير المفسرين وكذب النسابين وتأويل المؤولين والاسناد المتسلسل المبين الذي يتطلب التحقق منه ما لا طاقة لأحد به من العالمين.

إذا كان الخيار بين المؤرخ أبو العباس أحمد بن إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي أو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودى فخذوا الاثنين من أجل الله واعطونا محمد خطيب بن عبد العزيز بدلة بن فاطمة وكتابه الجديد الجدير بالاقتناء والقراءة بامتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.