عادل بشتاوي: اشتر الكاتب وخذ الكتاب على البيعة

خوفي الأكبر كمراقب محترف ليس من عدم مجيء الربيع العربي، فهو آت لأسباب طبيعية لا علاقة لها بهمة شباب لم يتمكّن بعضهم بعد من تبيّن الصلة العضوية بين الشبابيّة والحكمة، أو شيوخ لا همة عندهم ولا حكمة ولا شباب ولا حتى عضوية، بل أن يأتي إلينا أكثر هرماً من الخريف على عكازين لا واحدة. السبب رياضيات: لو جمع الجامع امرأة في السبعين وشيخاً في الثمانين وأفرد لهما جناحاً في الشيراتون لمدة خمسة أشهر مع طن من الفياغرا فلن يجيء من الرحم العتيق إصبع ناهيك عن مجيء ربيع الطفولة.

حتى لو استولدا ربيعاً حياتياً بمعجزة قريبة من معجزة ولادة الكون فالأرجح أن عمر هذا الربيع سيكون متوسط عمر المُنتجين الهرمين، أي 70+80 = 150 سنة ÷ 2= 75 سنة. يمكن هنا أن يُقال لو أنهك أدونيس الأمة فوق إنهاكه السابق بخمسة دواوين شعر جديدة، لا سمح الله، فربما استطاع اقناع نفسه أن رضيعاً بعمر 75 عاماً يُعتبر شاباً، لكنه لن يجد له الحليب المناسب.

هي، إن شئت، كمثل وجبة الكفتة التي خرجت على غير ما اشتهى الزوج والأولاد فيما هم جلوس إلى العشاء. الزوج يلوم الزوجة لأنها كانت طبّاخة سيئة، والزوجة تلوم فرّامة اللحم لأنها لم تُخرج اللحم كما ينبغي، والأولاد يلومون الفرن لأنهم لا يريدون خناقة جديدة بين الأم والأب. إذا تمعّن الجميع في السبب الحقيقي فربما وجدوا بعد مشاورات أن المشكلة ليست في طريقة الطبخ ولا في فرّامة اللحم ولا في الفرن بل في اللحم نفسه. اللحم ليس صالحاً ولا يوجد سبيل أمام لحم خريفي لتحويل نفسه إلى لحم ربيعي – هو لحم خريفي عجوز أصلا.

عندما تذهب الزوجة والزوج الأولاد والفرن إلى اللحّام لمساءلته عن سبب بيع لحم لا يصلح للاستهلاك البشري سيقول لهم جميعاً إن هذا هو اللحم الذي تستورده الحكومة، لا يوجد بديل آخر إلا الخراف الحيّة التي هي فوق القدرة الشرائية لمعظم الناس. إذا ذهبت الزوجة والأولاد والفرن واللحّام إلى وزارة التموين للاستفسار عن سبب استيراد لحم لا يصلح للاستهلاك البشري فربما قال لهم الوزير إن السبب ليس اللحم المستورد، فهو يُباع حتى في إيطاليا وفرنسا للكلاب، بل مذاق الأسرة هو الفاسد. ربما كان مخابراتياً بالرضاع فاعتبر المداخلة تدخلاً سافراً في السياسة العليا للدولة وعمالة صهيونية وغربية ستُضرب أيدي مروجيها بسياط من فولاذ. بعد ليلة بلا نهاية سيخرج الجميع من قبو التحقيق بكورالية أخطر من “كارمينا بورانا” يُنشدون فيها للحم تتمنى الملائكة أكله، لكن فشروا.

لكن لنترك المسرحية في حال سبيلها وندرس المسرح: الأب ديكتاتور حتماً لأنه قرر حتى قبل الاستفسار أن زوجته طبّاخة فاشلة وكأنه طباخ ماهر. اللحّام ديكتاتور لأنه قرر أن يبيع الناس لحماً فاسداً شاؤوا أم أبوا. الوزير ديكتاتور لأنه يستورد اللحم الذي يناسب الوزارة لا اللحم الذي يناسب الناس. الرئيس ديكتاتور لأن مساءلة الشعب كله حق شرعي له لا يمكن المساس به لكن مساءلته جريمة بشعة.

وزير التعليم ديكتاتور في وزارته، مدير المدرسة ديكتاتور في مدرسته، المعلم ديكتاتور في صفه والكاتب ديكتاتور لأنه يريد أن يكتب لنفسه لا للناس. الرأي عند كتاب كثيرين لا ينطبق عليه وصف «الرأي» ما لم يكن مدحاً. يعني إذا قال له ناقد: «مع احترامي الشديد للورق المُهدر، هذه يا أخي رواية تافهة»، زعل الكاتب ونرفز ونفش عرفه مثل الديك.

يا سادتي: إذا درس الباحث سر كمال الصناعة الألمانية سيكتشف أن السر هو أن المستهلك الألماني لن يشتري بضاعة دون الكمال، لذا لا يوجد خيار أمام الصانعين سوى إنتاج الكمال. بما أن الألمان من الشعوب التي لا يعجبها العجب، فمن السهل على الصانعين الألمان أن يسوّقوا صناعاتهم في أي دولة أخرى لأنها تحمل دمغة الجودة. إذاً، ليس من الانصاف تحميل الكاتب العربي المسؤولية كلها. مستوى الجودة في بلاد حكمها أتفه العرب أكثر من نصف قرن تافه مثلهم.

حديث بعض الكتّاب عن أزمة في الكِتاب بوشار يريد أن يخدع الناس أن أصله ليس ذرة بل ياسمين عراتلي. هو ذرة، يا بعض السادة الكتّاب، فاخدعوا أنفسكم إن استطبتم البوشار لكن لن تخدعوا الناس. كما أن شعوب العرب تتقدم حكوماتها بمليون ميل على الأقل، كذا القارىء العربي يتقدم كتاباً كثيرين. إذا نظر الشيخ وجهه في المرآة فليس له أن يتوقع أن يرى شاباً، هو شيخ، ما بيده. وعاء الكتابة مثل الثلاجة تستطيع إبقاء اللحم طازجاً فترة لكنها لا تستطيع إن تجعل الشخت هبرة.

القارىء الخليجي لا يشتري كتاباً وكتابين وعشرة في معرض الكتاب. أمامه عربة البنّائين يدفعها بيد وفي اليد الأخرى كيس غاية في الثقل بالكتب التي اشتراها. بعض أكبر مكتبات العالم ليس في لندن وباريس بل في الخليج. إذا استوقف المستوقف هذا الخليجي المثقف واستعرض الكتب سيجد الكثير من الإنتاج الحديث، وهو إنتاج بالفعل بعضه متميز، لكن كتب التراث كثيرة هي الأخرى. بعضها، لو يعلم الناس، أشد خطراً من خطابات جوزيف غوبلز أيام النازية لأن بعض أصحابها أعضاء متمرسون من مجمع الصناعات الدينية الذي اختطف الاسلام واختطف العربيّة.

عجيب أن يسأل السائل شاباً في بيته خمسة كومبيوترات عن شاعره المفضل فيقول له «المتنبي»، عن مؤرخه المفضل فيقول، مثلاً، «اليعقوبي»، عن حكيم الحكمة فيقول، مثلاً، «طَرَفة بن العبد». هؤلاء، يا قوم، متاحف، أينعهم شباباً مات قبل 1050 سنة، معقول؟ عند بعض الناشرين كتب صارت قريبة من العالمية، لكن ساحة هذه الكتب في حيز فالت على هامش القراءة. لو سأل السائل نفسه: ما هو السبب؟ فربما اكتشف أن الناشر ديكتاتور هو الآخر، وكأنَّ اللحّام لا يكفي.

القول الشائع عند معظم الناشرين بعد طبع الكتاب «مات الكاتب»، أي ورثه الناشر حياً. ناشرون كثيرون يريدون أن يبيعوا أكبر عدد من الكتب لكنهم لا يريدون للكاتب أن يشتهر «أكثر من اللازم» لئلا يكبر رأسه ويطالب بمكافآت وجعالات وحقوق في وطن عربي حكومي لا يعترف إلا بالواجبات. النتيجة تطور تاريخي في القول الشائع من «مات الكاتب» إلى «مات الكاتب والكتاب». حزن أهل الكاتب على موته يقابله فرح الناشر لأنه سيبيع أعماله الكاملة ويضيف طبقة أخرى إلى بناية أخرى عمّرها على أقلام كتّاب فقراء.

أسألكم يا سادتي: كم هو عدد الكتّاب العرب الذين يرتزقون من الكتابة الأدبية؟ أنا لا أعرف، إن خُمّنت فربما قلت عدّوا كلمات هذا المقال ثم قسّموا على 100، لكن أعتقد أن النتيجة ستكون مبالغة، على الأرجح. الكاتب يريد أن يعيش، فماذا يفعل؟ يشتغل، مثل الملايين، عند الحكومات، أي في دواوين الديكتاتورية. عنده أولاد ومصاريف فما هو الشعار: «الجوع ولا الركوع» أم «الانبطاح والركوع والخنوع والخضوع ولا الجوع»؟

جنود فرنسا، ولم يكن كلهم فرنسيون، قَتلوا في مظاهرات ومجازر 8 مايو (أيار) 1945 التي شملت معظم أرجاء الجزائر بين ثمانية آلاف و15 ألف شهيد. لنرفع أكفّنا بالرحمة لهم. لكن السؤال: هل في الوطن العربي أكف دعاة يُقبل دعاؤهم بعدد الجزائريين الذين قتلهم الجزائريون في عشر سنوات؟ 100 ألف؟ والقذّافي، قذفه الله في عمق أعماق الجحيم، وأسد أفندي؟ هل مقتل 100 ألف جزائري ثمن مقبول لبقاء الدكتاتورية؟ هل تدمير سورية وقتل أهلها وتشريد شعبها ثمن مقبول لبقاء أسرة واحدة في الحكم؟ معقول أن يكون شعار مواطنين سوريين ولدوا على أرض سورية وطنهم سورية لا يعرفون وبناتهم وأولادهم غيره «الأسد أو نحرق البلد»؟ إذا احترقت سورية، لا سمح الله والثوار، فأين سيكون وطنهم؟ حتى موزامبيق لا تريدهم. ليُردّد أن لكل مثقف في العالم وطنان: وطنه يعيش فيه وسورية. لماذا؟ لأن في سورية 12 ألف موقع أثري إذا التقط عالم الآثار حجراً واحداً من كل موقع أعاد بسهولة بناء قصر الحضارة الانسانية.

العرب، بصراحة، كما كانت الوالدة رحمها الله تقول، لم يدفعوا ثمن الحرية الذي دفعه الأوروبيون. عندي اعتراض شخصي جداً على وصف “مفكر” لأنه يفترض أنه الوحيد الذي يفكّر وباقي الأمة أغبياء لا يفكرون، لكن مجازاً، ««المفكر»» (الاعتراض هنا ثنائي وهو ليس خطأ طباعياً) العربي لم يدفع الثمن الذي دفعه المفكرون الأوروبيون. لا أعرف ««مفكّرا»» توفاه الله، مثل أم كلثوم، ولا يزال العرب يترحّمون على روحه، مثل أم كلثوم.

مواقف كتّاب كثيرين غير مفهومة. إذا توكّل اللافهمان على الله وقرأها خمس مرات وجد نفسه بعد ذلك أقل فهماً مما كان قبل أن يقرأ. الخيار بالمقابلة الباتة. إذا لم يكن الكاتب يريد للعرب ربيعاً فلا شك أنه يريد لهم شتاءً دائماً. إذا لم يكن يريد لهم الديمقراطية فهو يريد لهم الديكتاتورية، إذا لم يكن يريد لهم التحرر فهو يريد لهم سجون الأزل، إذا لم يكن يريد لهم كتاباً متميزاً فهو يريد لهم كتاباً تافهاً مثله. ما هي الخيارات الأخرى التي لا بت فيها ولا قطع ولا وضوح؟ أن تقول الفتاة الصادقة مع نفسها والآخرين: «يمكن عذراء!»

إذا درس الدارس تاريخ صعود ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية سيجده تأخر كثيراً ولم يأت بعد انتهاء الحرب مباشرة. إذا حاول تحديد الأسباب فربما وجد أن خراب ألمانيا في الحرب العالمية الثانية كان رهيباً، لكنه لم يكن دائماً. الخراب الذي تطلّب تجاوزه فناء جيل كامل كان الخراب الذي زرعته النازية في عقول الألمان. يستطيع الجراح أن يُخرج الرصاص وسموم الشظايا من الجسم لكن كيف له أن يُخرج السموم التي زرعتها النازية في عقول ملايين الألمان؟ لذلك خوفي الأكبر كمراقب محترف ليس من عدم مجيء الربيع العربي، فهو آت لأسباب طبيعية لا علاقة لها بالبشر، بل أن يأتي إلينا بقميص عثمان الديمقراطي وملابس داخلية غاية في الديكتاتورية والتخلف والانتان.

««المفكر»» الايراني حميد دباشي نشرت له دار نون كتاباً بعنوان «الربيع العربي – نهاية حقبة ما بعد الاستعمار» استُطيبَ مما فيه القول: “لن يزهر الربيع العربيّ تماماً، ما لم يشمل مراعي إيران الخضراء”.

أهذا كلام يا صديقنا حميد؟ فتيات العرب يطالبن بقبول حقوقهن في القرن الحادي والعشرين أو ردّهم إلى القرن الثامن لأن حقوقهن آنذاك كانت أفضل من حقوقهن اليوم. من قال إن حقبة ما بعد الاستعمار انتهت؟ لم تنته يا عزيزي «المفكر» لأن الأنظمة الديكتاتورية أسوأ من الاستعمار والأمثلة أعلاه وفي سورية وليبيا ومصر واليمن. بما أن مسؤولية منع الأنظمة الخليجية من دفن الربيع العربي تقع على عاتق أهل الخليج أنفسهم فالمسؤولية نفسها تقريباً تقع على عاتق أهل إيران. إلى أن يتحرك الايرانيون لإزالة الحواجز المتوالية التي يقيمها نظامهم هم على الدرب العربي إلى ربيعهم المشروع والطبيعي فمراعي إيران الخضراء للخراف. المشكلة التي لا يريد كثيرون أن يروها على حقيقتها طبيعية: الشتاء لا يستطيع منع قدوم الربيع، وأعتقد أن الشتاء أكثر ديمومة من هذه الأنظمة الخريفية. خسائر العرب في معركة فتح الوطن العربي لنسيم ربيعهم القادم لا ريب لن تكون، مهما عَظُمت، بحجم خسائر الايرانيين. ظهر الأنظمة العربية كلها إلى حائط من ورق. ظهر نظام إيران إلى أكبر قنبلة انفجارية عرفها الشرق الأوسط. ذنوبي كثيرة وأنا متأكد أن الله لن يسمع دعائي، لذا أتمنى أن يبدأ الداعون الدعاء من الآن أن يمنّ على الايرانيين بالقوة والصبر لأن معركتهم القادمة ستكون صعبة للغاةي، وهي قادمة لا ريب.

زميلنا العزيز فادي عزام وجه لملف العدد الآتي من مجلة أوراق بلمحات «صورة الكاتب عن نفسه؛ نحتاج لمراجعات جريئة من كتاب ليكونوا قدوة. حول دورهم السابق، ومدى مسؤوليتهم فيما وصلنا إليه اليوم. وكيف حررتهم الثورة؟»

ستحرر الثورة سورية لا شك ولا ريب ولا جدال لأنها حتمية طبيعية، لكن كيف ستحرر عقل الكاتب من فصام خمسين سنة من الديكتاتورية؟ الدكتور جيكل والمستر هايد في عناوين كوم من المحتوى قرأته بدافع الواجب، وهذه أمثلة: الشتاء الساخن، الصيف البارد، الماء العطشان، الرغيف الجائع، معقول؟ حتى أفلام الكرتون عند والت ديزني لا تُعنون هكذا.

وكنت على مشارف اليأس من استنشاق نسيم الثورة في مدونات الثوار عندما قرأت مدونة أقنعتني أن السوريين بخير لذا ستظل سورية بخير مهما حدث: هو حفل زواج مقاتلة في حلب مع مقاتل زميل بعد قصة حب بين ركام الأبنية التي هدّمها النظام. إذا كُنت المؤرخ الذي وجد بعد بحث عنيد زاوية في هامش التاريخ لإضافة سطرين عن تاريخ نظام الأسد فربما قلتُ إن النظام سقط عندما رفعت تلك الفتاة يدها ليرى المحتفلون بزواجها خاتم العقد بينها وبين زوجها. لو أدارت اصبعها في اتجاه القصر الجمهوري وأفّقته كانت الرسالة انتقلت لوحدها إلى التاريخ من دون الحاجة إلى مؤرخ.

الحب أولاً في كل شيء. إذا بقي الحب في سورية بخير ستبقى الثورة بخير وسيبقى الوطن بخير والعالم كله بخير. الباقي قضية وقت لا أكثر، أعان الله شعب سورية وباقي شعوب هذا الوطن العربي المحتل على الأنظمة و««المفكرين»».

الصورة: Live to Write – Write to Live – WordPress.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.