عادل بشتاوي: كتبة آخر الزمن وكُتّاب الزمن الآخر

بعضهم يزعم أن عباقرة معروفين خرجوا إلى العالم متميزين لأنهم خرجوا من أرحام أمهاتهم بعدما جاء وقت الطلق ومضى وبقي الجنين في انتظار الوقت الآخر. آخرون يقولون إن بعض أنواع الحيوان يختار ألا يشارك في صناعة الحياة لأسباب بعضهما معروف والآخر لا يزال تحت المجهر.

لعله ينتظر وقتاً آخر، ربما، كي لا يخرج الجنين إلى العالم يتيماً أو عندما تجود فرصة البقاء والاستمرار.

في حالات الحمل كلها، كما يبدو، الجنين هو الذي يقرر متى يخرج لا الأم أو الأب أو القابلة أو الأنظمة التي تركبها الشياطين.

إذا كان الأمر كما قيل فما حكاية هذا الجنين الجديد في الرحم العربي العتيق لا يريد أن يُولد ولا يريد أن يموت؟

تائه في صحارى النسيان من يشارك الآخرين الاحتفال بأعياد الاستقلال. صحيح أن الفرنسيين والانكليز والايطاليين والأميركيين خرجوا من العراق ومصر وليبيا والشام وغيرها لكن هذه الأوطان لا تزال مُحتلة. كل الذي تغير، كما يبدو، أن الجيوش الأجنبية المحتلة خرجت لكن الأمة لا تزال في انتظار خروج الجيوش الوطنية المحتلة.

تلك كانت حالة تسليم واستلام، كما يبدو. بعض الثكنات التي بناها الجيش الأجنبي المحتل صار ثكنات الجيش الوطني المحتل، ومثلها السجون، ويُقال أيضاً العاهرات، وهن أصناف، يُقال، بعضهن ينشدن الشعر بالفخذين، وعند بعضهن سوالف وحكايات كان مؤلفو ألف ليلة وليلة بكوا لم سمعوا بها وتاقوا إلى طبعة جديدة تخرج إلى العالم على التلفزيونات برعاية الرعاة. إحداهن قالت لو كانت التخوت تنطق بما حملت لانهارت ثلاثة أرباع الأنظمة.

والربع الرابع؟ “منهار أصلاً تحت ثقل أطنان الفياغرا.”

الكابتن البريطاني كان يقول لجيش مشترك من الهنود الهندوس والمسلمين عندما يصل المتظاهرون إلى الحواجز ويرمون الجنود  بالطوب عليهم أن يتلقوا الطوبة بصمت وثبات. مهما استفزهم المتظاهرون عليهم ضبط أعصابهم. إذا لم يضبط الجندي أعصابه وفتح النار لن تبقى بريطانيا في الهند. الكابتن العربي مثله لكن الهدف معكوس، كالعادة. عندما يخرج المتظاهرون إلى الشوارع مرة أخرى سيبدأ القتل.

السبب واضح. المحتلون الأجانب عادوا إلى أوطانهم فأين هي الأوطان التي ستعود إليها الجيوش العربية المحتلة؟

إذا كان الأمر كما قيل فما حكاية هذا الجنين الجديد في الرحم العربي العتيق لا يريد أن يُولد ولا يريد أن يموت؟

لعله ينتظر من يُنشد للحرية والخلاص من الخوف والجوع والقلق. لعله يقول: إن لم ينشد الشاعر للحرية والخلاص من براميل الديناميت والخوف والجوع والقلق فمن ينشد؟ لعله يقول: إن لم ينتقد الكاتب جيوش الاحتلال والظلم والتخويف فمن ينتقد؟ لعله يقول: هذه الأصابع التي يُكتب بها رفعت مشاعل الحرية والحضارة عند أمم وأعادت العقل العربي إلى كهوف كانت يوماً مساكن القرود.

للخبز ثمن وللجوع ثمن وللكلمة ثمن وللصمت ثمن. في مراحل معروفة مرت بها الأمم قبلنا، صار ثمن الخبز أفدح من ثمن الجوع، وثمن الصمت أفدح من ثمن الكلمة. للرصاص هيبة لكن لكلمة الحق هيبة أكبر؛ صوت الشاعر زلزال، قلم الكاتب حربة نافذة، ريشة الرسام الذي لا يريد للظلم الاستمرار صاعقة. إذا شاء الشاعر والكاتب والرسام الخضوع والخنوع فليجد شيئاً مفيداً يشغله غير الشعر والكتابة والرسم.

إن لم يضع أصبعه على جرح هذه الأمة فليضعه في مؤخرته. نصيحتي لهم ألا يكونوا كالسكرتيرة الشقراء – التامبونة على أذنها فيما هي تفتش عن قلم الرصاص.

بعض الكتاب طيروا برقيّة يطالبون فيها بتحرير لواء الاسكندرون.

معقول يا جماعة الخير؟

وطن هذه الأمة محتل من الماء المالح إلى الماء الأكثر ملوحة فما هي أولوية تحرير لواء الاسكندرون في قائمة الأوطان التي تحتلها الجيوش الوطنية؟ هل سألوا أهل اللواء إن كانوا يريدون أن يحكمهم الأسد؟ إن كتب أطفالهم شيئاً على جدار المدرسة لم يعجب خالة الرئيس فهل سينهال على رؤوسهم الديناميت بالبراميل أم بالطنابر؟

والإرهاب؟ هو آفة، لكن من وراء هذه الآفة سوى الآفة الأخرى – الأنظمة العربية المحتلة؟ من يمول الإرهاب؟ من يزرع في العقول الضعيفة اللؤم والكره والعنف سوى عصابة مجمع الصناعات الدينية السياسي الذي ترعاه الأنظمة العربية المحتلة؟

إذاً، ما هي حكاية هذا الجنين الجديد في الرحم العربي العتيق لا يريد أن يُولد ولا يريد أن يموت؟

هل هو في وضع انتظار؟

إذا كان فما الذي ينتظره؟

لو تمعن العاقل في أرضه وسمائه فلعله يكتشف أن كل ما في هذا الكون في حركة لا تتوقف. نحن جزء من هذا الكون مصنوعون من ترابه الفضائي القديم. إذا توقفت الحركة الأزلية لحظة واحدة سينهار الكون.

القصيدة التي ستُخرج هذا الوليد ومعه الملايين من كهوف الصمت والذل والخوف لم تُكتب بعد. المقال الذي سيحرق الأرض تحت الأنظمة العربية المحتلة لم يُكتب بعد. الكتاب الذي سيحمل هذه الأمة المظلومة إلى مستقبل لا ظلم فيه لم يُنشر بعد.

هذه القصيدة، هذا المقال، هذا الكتاب، هذا الوليد، إبداع الزمن الآخر؛ الزمن الآتي.

معظم ما تقرأينه، أيتها الأمة الشهيدة، من أقلام كتبة آخر الزمن؛

كتبة الزمن البائد،

كتبة زمن البؤس،

كتبة زمن الأنظمة العربية المحتلة؛

الكتبة الذين يريدون تحرير لواء الاسكندرون واستمرار احتلال سورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *