عربي وعضو شرف في رابطة الكتاب السوريين يفوز بالجائزة الأولى للرواية المالطية

«هجرة اللقلق» أخرجت الرواية المالطية من ضيقها المكاني إلى رحابة العالمية

(انظر العدد الخامس لمجلة أوراق، مجلة رابطة الكتاب السوريين)

وليد نبهان:

«أنا» في رواية هجرة اللقلق «هو» المقيم في ذاته الروائية

المرأة المالطية عذبة ورقيقة كالمرأة العربية تماما، وأنا أنشد للمرأة في كتاباتي كلها

 

احتفلت جمهورية مالطا في الخامس من كانون الأول (ديسمبر) 2014 باعلان الروائيين الثلاثة الفائزين في مسابقة الرواية للعام 2013 وفاز بالجائزة الأولى الروائي والقاص وليد نبهان، وهو فلسطيني يحمل الجنسية المالطيّة. شارك في الاحتفال الذي جرى في القصر الرئاسي (الأوبرج)  في العاصمة فاليتا  عدد من كبار المسؤولين يتقدمهم الدكتور جوزيف مُسكات  رئيس الوزراء رئيس حزب العمال المالطي الذي قدم الجوائز للفائزين، ورئيس المجلس الوطني للكتاب الذي أشرف على تنظيم الجائزة واختيار الفائزين.

الروائي والقاص والشاعر وليد نبهان عضو شرف في رابطة الكتاب السوريين، وقد نقل عضو المكتب التنفيذي في الرابطة المؤرخ والروائي عادل بشتاوي باسم الرابطة تهانيه للزميل وليد نبهان بمناسبة فوزه، وتمنى له استمرار الانتاج الابداعي والانتقال إلى العالمية، وكان لهما هذا الحوار:

 

عادل: ما هو الهدف من الكتابة بالنسبة لك؟

وليد: توجد أسباب كثيرة، ربما كان أحدها أنني أريد روايتي الخاصة بي، من منظوري أنا للعالم بأكمله، وأقصد بذلك المنظور الانساني بشكل عام. طبعاً هذا سبب لكن هناك اسباب اخرى ربما كان منها الانسلال من الواقع المحيط وتسجيل ما يحدث حولنا من الزاوية التي ينظر الروائي منها.

عادل: هل نتحدث عن المراقبة؟

وليد: بالضبط، الكتابة هي عملية مراقبة دقيقة لنفسي وللآخرين.

عادل: الواضح أنك تدرّجت في الكتابة من القصة إلى الرواية فهل هذا تطور طبيعي في الكتابة؟

وليد: هي فعلا عملية تدرج وتشبه عملية الاحماء بالنسبة لللاعب. بدأت بالقصة القصيرة لكون فضائها اصغر ويمكن مراقبة أشخاصها وتوجيههم بسهولة. صدر لي مجموعتان، الأولى عام 2009 وكانت بعنوان «عائد إلى البيت»، والثانية عام 2011  بعنوان «صوت من الفخار». بعدها وفجأة اكتشفت أن القصة القصيرة لم تعد تتسع لمتطلبات شخوصي وتطلعاتهم. كما ان الرواية في بعض الحالات ليست سوى مجموعة من القصص القصيرة التي يمكن معالجتها تقنيا لتشكل فصولا في رواية، لكن طبعاً أسلوب كتابة القصة القصيرة يختلف عن كتابة الرواية لذا من الطبيعي أن تختلف المعالجة.

عادل: هل هذه المعالجة ما يصفها البعض أحياناً بأنها معالجة النفس الطويل؟

وليد: يمكن قول ذلك، لكن ما ينطبق على عمل لا ينطبق على عمل آخر. مثلاً، خلال كتابة قصص المجموعة الثانية شعرت أن المساحة المخصصة لبعض القصص لم تكن كافية لاستيعاب ما حاولت التعبير عنه على لسان شخوص تلك القصص، لذلك اضطررت في حالة أو أخرى إلى انهائها تقنيا، لكن الشخوص طاردتني كثيراً بعد ذلك، كأن الاكتمال لم يتحقق في بناء بعض القصص.

عادل: عندما تقول «الاكتمال» فهل هو اكتمال بناء الشخصية أم اكتمال السرد، أم ماذا بالضبط؟

وليد: اعتقد أن مجال التوسّع في بعض قصص المجموعة الثانية كان متاحاً في البناء لا في المساحة، فالوعي بهذا القصور المساحي الكامن أصلاً في القصة القصيرة كان من الدوافع التي قادتني إلى طريق الرواية.

عادل: لكن هل شخوص الرواية أكثر عادة من شخوص القصص القصيرة لأن محيطها أوسع؟

وليد: ليس في الحالات كلها، ولا الزمن شرط أيضاً. مثلاً، تجد روايات من ألف صفحة أو أكثر تدور أحداثها في ليلة واحدة. طبعاً ما ينطبق على قصة لا ينطبق على أخرى. سيجد الكاتب أن بعض القصص قابلة للتعمّق أفقياً وعامودياً، بما يتضمن الاستفاضة السردية أو التعبيرية أو التصويرية، فهذا نوع من الاسترسال لكن الفارق كبير بين الاسترسال الذي يفرضه الكاتب على نفسه، والاسترسال الذي تفرضه طبيعية القصة. المشكلة ليست بسيطة. أحياناً تجد أن مكوّنات بناء عالم روائي متكامل موجودة في وعاء القصة القصيرة. أحياناً تضع نقطة في نهاية قصة قصيرة ما لأنك تشعر أنها اكتملت. في أحايين أخرى هذا الشعور ليس موجوداً، وربما لحق السرد بعض البتر لطبيعة الاختزال في وعاء القصة القصيرة.

عادل: لكن ألا تعتقد أن ضبط السرد مطلوب أيضاً في الرواية لأنها أكبر من القصة لكن صفحاتها محدودة هي الأخرى؟

وليد: الكتابة هي موافقة المكوّنات كلها. مثلاً، في الرواية الأولى التي حملت اسم «هجرة اللقلق» كانت التقنية عفوية إلى حد كبير، بمعنى أن نصف الرواية بضمير المتكلم، أي «أنا»، ونصفها الآخر في الغائب المفرد، أي «هو»، فربما كان هذا التجزيء أحد الأسباب في أن كتابة هذه الرواية لم تكن مضنية تقنيا بل انها تدفقت بعفوية اذهلتني في بعض الاحيان.

عادل: ومن هو «أنا» في الرواية، ومن هو «هو»؟

وليد: «أنا» ربما هو وليد بكامل امتداداته الشخوصية والانسانية. ربما هو شخص آخر. وربما وجد بعض من يعرفني أن «أنا» في الرواية يشبهني الى حد ما.

عادل: وليد المقيم في عمّان ام وليد الغربة؟

وليد: وليد المقيم في الذات. الفلسطيني خارج فلسطين غريب ربما أينما حل، وهذه قصة يجب أن تُروى، وبلغة غير العربية ولقراء لا يجيدونها. ما حاولت تحقيقه في هذه الرواية هو رواية فلسطين لمالطا، ورواية مالطا لفلسطين، ثم مزج الروايتين معاً في وطن روائي أكبر هو الانسان أينما كان.

عادل: وما هي النتيجة؟

وليد: النتيجة هي أن توظيف تقنيتي سرد في رواية واحدة أتاح التعبير بصورة أكثر دقة واكثر حميمية وتفصيلاً. توجد أشياء في عموم أوعية السرد يَحسُن التعبير عنها بضمير الأنا، وأشياء أخرى يَحسُن التعبير عنها بضمير الغائب. أعتقد أن استخدام راويين كان التنقية الأفضل لمثل هذا العمل.

عادل: كيف؟

وليد: الراوي الغائب غائب في المفهوم القواعدي لكنه حاضر في السرد. يستطيع الروائي توظيف هذه التقنية لأن هذه الشخصية أقدر على التعبير بحميمية الصدق والمشاعر. السبب بسيط لأن ضمير الغائب خارج الاحداث فينظر إليها نظرة المراقب عن بعد. النصف الثاني مروي بالمتكلم فهو داخل الأحداث لكنه لا يستطيع أن يرى أعماقها كاملة لأن قدميه غائصتان في التفاصيل.

عادل: هل يمكن القول إن الرواية قسمان: قسم ينظر من الخارج إلى الداخل، وقسم ينظر من الداخل إلى الخارج؟

وليد: ربما، لكن النظرتين هما في إطار العمل الروائي الواحد. ربما لهذا ستجد في الرواية نظرة شديدة الحياد تُروى بعينها الأحداث من الداخل.

عادل: أنت نشأت في عَمّان ودرست وعشت في بريطانيا، فهل لهذين المكانين مكان روائي أم أن المكانيّة محصورة بفلسطين ومالطا؟

وليد: إذا أردت تشبيهاً وقلت إن مالطا جزيرة وتصوّرت فلسطين جزيرة فمحيط الرواية هو العالم. مسرح الرواية في الدرجة الأولى هو العالم العربي عموماً والدول المعروفة بدول «الطوق» بتحديد أقرب لأنها الدول التي استقبلت اللاجئين الفلسطينيين عام 1948، أي مصر وسورية ولبنان والأردن.

عادل: تأريخ؟

وليد: ليس تأريخاً بالمعنى الشائع، لكن الرواية معاصرة ومن الضروري أن تعرض بعض جوانب التاريخ المعاصر لهذه الدول ومنها التقلّبات الجيوسياسية، فهذه إضاءة وجدتها مهمة لفهم انعكاساتها على أحداث الرواية وشخوصها.

عادل: أنت تكتب بالمالطية وهي من اللغات التي توصف باللغات «السامية»، وفيها جذور عربية لكنها تبقى لغة مختلفة، فما هو تقييمك كروائي وقاص لقدراتها التعبيرية، وما هي أوجه المقارنة بالعربية؟

وليد: اللغة المالطية تتضمن كتلة أساسية هامة لا تبتعد كثيراً عن العربية، ومن الباحثين من يعتقد أنها «عربية» في العموم. المقصود بهذا أن محرك اللغة عربي، لكن أطرافها اليوم خليط يتضمن تعبيرات ولفظات بالايطالية والانكليزية والفرنسية. هي إذاً مما يطلق عليه اسم «اللغات السامية»، والعربية فيها عربية قديمة تتضمن البربرية والامازيغية ولغات الساحل المغاربي بحكم التقارب والاتصال، وكذلك الصقلية. إذا استعرضت أسماء الاسر المالطية فربما وجدت أن نصفها تقريباً ذات أصول عربية والنصف الآخر تقريباً أسماء من صقلية. البروفسور ويتينجر ألف كتاباً ضخماً عرض فيه أصول خمسة آلاف اسم مالطي كثيرها عربي، وعنده نظرية كاملة رأى فيها أن المالطيين كانوا عرباً بدّلوا ديانتهم وهذا واضح في قَدَريتهم، ولغة العبادة عندهم في المجمل مشرقية.

عادل: لا استبعد ولا استنكر على الروائي أن يكون شاعراً، مع ذلك الشعر فن مختلف يتطلب معالجة مختلفة، وعندك ديوان في الشعر فهل الشعر عندك من صنف «الاخوانيات» أم أنه لون أساسي في لوحتك الكتابية؟

وليد: صحيح، لي ديوان صدر بعد المجموعتين القصصيتين والرواية. الشعر يتطلب كثافة إحساسية أكثر من السرد الروائي أو القصصي، لكن الشعر، كما القصة والرواية، يتطلب دقة الملاحظة. هناك فرق آخر، ربما،  هو أن الشعر يتطلب اقتصاداً لغوياً وهذا من مقومات الشعر. للرواية أيضاً ايقاع لكن عالمها واسع ومفتوح. الشعر نبض يتطلب حالة نفسانية معينة ومنسوباً عاطفياً ذا نكهة معينة، أو لنقل إنه يتطلب منسوباً تعبيراً أعلى من السرد. هذه من الحالات المعروفة مثل الفرح الغامر أو الحزن الغامر والغضب الشديد، وغير ذلك من الحالات الانسانية المرهفة. نحن هنا نتكلم عن حالة نفسانية وذهنية معينة يتفجر منها جدول الشعر.

عادل: هل يمكن القول إنه سبر للاوعي؟

وليد: اعتقد انه في الشعر يجب الإصغاء جيدا للاوعي.

عادل: أنت استخدمت وصف «يتفجر»، إن كان كذلك فما هو صاعقه؟

وليد: الصاعق أحياناً في الشعر ليس سوى البساطة وقدرة القصيدة على المباغتة والمكاشفة.

عادل: المرأة عند وليد نبهان ما هي؟

وليد: (صمت).

عادل: لماذا الصمت؟

وليد: لأن المرأة كائن محيّر. هي مخلوق لغزي مثل النار، ان اقتربت منها كثيرا احرقتك، وان ابتعدت عنها كثيراً قتلتك البرودة حتى التجمد. التعامل الصحيح مع المرأة ربما كان في اختيار المسافة الصحيحة لكن المسافة الصحيحة لغز في حد ذاته لكونها متحركة ومتغيرة ضمن ايقاعات بيولوجية معقدة. لكي يفهم الرجل المرأة ربما كان عليه مجاراتها على السطح الهلامي لأن المرأة فعلا مخلوق معقد إلى حد ما، ولا شك أن الكائن الانثوي فيزيولوجياً أكثر تعقيداً من الرجل.

عادل: هل التعقيد النفساني امتداد للتعقيد الفيزيولوجي، أم هو غير ذلك؟

وليد: اعتقد أنه امتداد لأن التعقيد الفيزيولوجي يقود إلى التعقيد النفساني. عليك ان تتخيل مثلا ما يمكن ان يفعله الادرينالين بنا. هناك تغول هرموني مرتبط عضويا بالكثير من الإملاءات السيكولوجية. وهو ضرورة «تطورية» من دون ادنى شك. لو لم يحتج الانسان لهذا المركب العضوي كضرورة بقاء لما قام بتطويره. وهذا ينسحب على المنظومة الهرمونية جميها وهي في المرأة ربما اكثر تداخلا وتعقيدا مما نعتقد. الحالة النفسية في رأيي، انثوية كانت ام ذكورية، ليست سوى نتيجة فيزيولوجية ناتجة عن تفاعلات كيميائية غاية في التعقيد مسرحها الدماغ.

عادل: إن لم تكن تنشد للمرأة في ديوانك فلمن؟

وليد: أنا أنشد للمرأة في كتاباتي كلها لا في الشعر وحسب. هي خالقتي ومرضعتي ونصفي الغامض. يحتاج الرجل إلى شاعرية عالية، ان لم يكن ابجدية مبهمة لكي يفهم المرأة، أو لتحقيق شيء من المقاربة الفهمية لأن فهم المرأة متجرداً من الشاعرية عصي على التقبّل.

عادل: ربما قيل أن الاستمتاع بلوحة جميلة لا يشترط أن يعرف الناظر المستمتع ميكانيكية الرسم عند الفنان، ما رأيك؟

وليد: معرفة الميكانيكية ليست ضرورية، وربما كان هذا سر فهم المرأة.

عادل: وهو؟

وليد: كونها عصيّة على الفهم الكلي. إذا استعرنا المجاز في اللوحة فلعله من الممكن القول إن الاغراق في التفاصيل الانثوية ربما أضاع على الناظر رؤية الصورة الأكبر التي تعرضها اللوحة. بالضرورة كل أنثى امرأة لكن ليست كل امرأة بالضرورة أنثى. المشكلة أن الرجل لا ينظر إلى المرأة كما هي بل كما «يحبذ» أن يراها هو. هي، إذاً، نظرة يمكن وصفها بالرومانسية.

عادل: والرجل؟

وليد: لدى الرجل نمطية ذكورية «مخيفة» على المستوى البيولوجي والسيكولوجي، لا سيما في المجتمعات «الأبوية» الاكثر تخلفا. الرجال يريدون أن يروا في المرأة الجمال والرقة والحساسية المرهفة، وهذه ليست نظرة واقعية او حتى عقلانية.

عادل: لديك قارءات كثيرات جيد أنهن لا يعرفن العربية لذا لن يقرأن هذه المحاورة، فهل لك أن تكشف الفرق بين المرأة المالطية والمرأة العربية؟

وليد: لا اعتقد بوجود خلاف جوهري. المرأة هي المرأة في كل زمان ومكان. هناك بعض الاختلافات الثقافية لكن الحديث في العموم عن الكائن نفسه.

عادل: منذ فترة لم أعد اسأل من أحاورهم لماذا لم يتزوجوا ولماذا لم ينجبوا، فإذا أردت التعليق هيا وإلا سأنتقل إلى السؤال التالي.

وليد: لا يوجد سبب «آخر» سوى إنشغالي بالكتابة وخشيتي من سكرات التجمد والإحتراق. أنا نسيت في الكتابة نفسي، ولعلي نسيت المرأة زوجة للسبب نفسه. لكنها حاضرة دوما فهي نصف الوجود الكتابي لدي.

عادل: أليس للمرأة مكان في حياتك الآن؟

وليد: (صمت).

عادل: (صمت).

عادل: العزم على دخول بوابة الرواية، كيف تبلور؟

وليد: هناك فكرة تطارد الكاتب دائماً. وهي فكرة انجاز عمل أدبي سواء كان قصيدة أو قصة قصيرة أو رواية. هذه الفكرة موجودة حتى قبل أن يتعرف الانسان على الكتابة، لكن الانتقال من الفكرة والتجريد إلى البلورة والتأثيث يتطلب الكثير من العزم والاصرار والوقت وقبل ذلك كله، الموهبة. اللغة تتطلب الطَرْق التعبيري المتواصل أو المطوّل، وأقصد بالطرق البحث المضني عن الكلمة المناسبة، فإذا جمع الكاتب كلمتين أصدرتا معاً الصوت التعبيري المُشبع أو الحالة البيانية الاحساسية التي ينشدها الكاتب. أحياناً يؤدي قلب ترتيب كلمتين لا غير إلى اختلاف الميلودي السردي وطريقة إيصال الفكرة. القصيدة تريد أن تنقل شيئاً ما لكن هذا ليس كل شيء، فالمهم أن تُستنطق الكلمتان لا في عمل الايصال نفسه بل في طريقة الايصال لأن الشاعر في النهاية لن يأتي بفكرة من خارج الكون بل من ملاحظاته وحساسيته واستشعاره لترجمة المواقف التي تواجهه حياتياً.

عادل: كم استغرقت كتابة الرواية؟

وليد: نحو أربع سنوات متقطعة كتابياً.

عادل: لك وظيفة دائمة في مختبر أكبر شركة ألبان في مالطا، واختصاص في علم البكتريا، فكيف تجد الوقت للكتابة؟

وليد: الكتابة عندي ليست مجرد هواية. ربما قلت إنها حاجة. مشكلة الوقت مشكلة الكتّاب جميعاً. لكن، إذا اختار الكاتب الاشتغال في الخلق بالكلمة فعليه الاشتغال بخلق الوقت الضروري للكتابة. لا يوجد بديل، الكاتب عليه أن يجلس في النهاية ويكتب فلا من أحد سيؤدي هذه المهمة نيابة عنه. إذا كنتَ كاتباً فعليك أن تكتب. لا يوجد خيار ثالث. إن لم تكتب فأنت لست كاتباً..

عادل: كيف استقبلت مالطا الرواية الأخيرة  “هجرة اللقلق”؟ (L-Eżodu taċ-Ċikonji)

وليد: بعض النقاد رأوا أن روايتي الأخيرة أخرجت الرواية المالطية من حيزها الجزيري الضيق إلى رحابة محيط العالمية. أحد الأسباب أن حدود الرواية مكانياً تمتد إلى فلسطين والعراق ودول الجوار. هذا توسيع لأفق الرواية المالطية لكن المكاننة قائمة في الرواية لأن ماء بحر مالطا هو ماء بحر فلسطين، ومعظم المالطيين في الأصل الألفي من منطقتنا.

عادل: إذاً، فرضت روايتك نوعاً من ضرورات توسيع الأفق الروائي المالطي؟

وليد: ربما «لفتت» انتباه الروائيين المالطيين إلى أهمية مد حدود مالطا الأدبية خارج الجزيرة لأن لها مكان في المنطقة. لا ينطبق على مالطا اليوم وصف «التقوقع» لأن العالم الآن مفتوح بعضه على بعض. هو، إذاً، الضيق السيكولوجي لا الضيق الجغرافي لأن نفسانية أهل الجزر ملوثة بنمطيّة مُسبقة عن الآخر في المكان والانسان، وربما قيل «ريبة».

عادلوما هي الحالة الآن؟

وليد: مالطا تغيرت في السنوات العشرين الماضية بشكل مذهل. الانضمام إلى أوروبا فتح بوابة كبيرة، لكن معروف أن مالطا أرادت دائماً أن يكون لها دور فاعل في قضايا الشرق الأوسط، واعتبرت نفسها في حالات بعينها جسراً طبيعياً بين أوروبا والعالم العربي. السب الآخر تراجع سيطرة الكنيسة بشكل كبير.

عادلهذا طريق الرواية خارج مالطا، فما هو طريق الرواية إلى جائزة الرواية المالطية؟

وليد: طريق روايتي كان طويلاً وشاقاً. عمر هذا الطريق نحو12 سنة كتبت خلالها باللغة المالطية لأنني أعيش في مالطا. هو أول عمل لي بالحجم الكبير تقدم به الناشر للجائزة على مستوى الجمهورية، وتم اختيار هذه الرواية كأفضل عمل روائي للعام 2013. منافسي الآخر كان ألفريد سانت وهو مؤلف كبير ورئيس وزراء سابق ورئيس سابق لحزب العمال الحاكم اليوم وعضو في البرلمان الأوروبي، ويمكن اعتباره من المفكرين الكبار في مالطا.

عادلليس سهلاً إزاحة كاتب كبير مثل سانت، فهل كان الاختيار مفاجأة لك؟

وليد: المفاجأة ربما كانت لأنني قادم من خارج اللغة والجغرافيا، ولست ناطقاً للمالطية بالولادة، ولم اتعلم درسا واحدا عبر مدارسها. أنا تعلمت من الشارع والصحيفة والتلفاز والكتب.. بل تعلمت كثيراً من ألفرد سانت نفسه وشاركت في قراءة بعض أعماله للجمهور، لكن التغيير سنة الحياة، واعتقد أنه سُرَ لفوزي فنحن رفاق في درب الكتابة.

عادلالمحطة الكتابية التالية؟

وليد: رواية جديدة أريد فيها معالجة العلاقة الشائكة لكن بشكل ما حميمة بين الشعبين المالطي والليبي. الليبيون جيران تاريخيون للمالطيين، لكن العلاقة تغيرت في القرون الخمسة الماضية بحكم صراع الأديان والحضارات فاستُبقيت في أذهان القلة صورة نمطية قبيحة عن الليبين وصورة نمطية مقابلة عند الليبيين للمالطيين وتحفظات اخرى كثيرة بعضها كوميدي. المعالجة لن تكون بحثية أو تاريخية وإنما إنسانية درامية تتضمن قصة حب وجريمة قتل، وغير ذلك.

عادلقل للقارىء العربي ما هي مالطا؟

وليد: مالطا تكوين جغرافي من ثلاث جزر عانى أهلها الأمرين من الاستعمار. لن أقول إن جراحها الاستعمارية برأت لكنها تخلصت من معظم فسادها الذي اختلف حدة وعمقاً بين المراحل الاستعمارية سواء كانت مرحلة فرسان الهيكل أو قشتالة أو أراغون أو فرنسا أو بريطانيا. مالطا الحديثة تاريخيا وسياسياً كانت إلى جوار العرب في المواقف الدولية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلس الأمن. الموقف اليوم مساير للموقف الأوروبي، وكان من الممكن أن يكون أفضل من ذلك بكثير لكن اللوم لا تنفرد به مالطا، الدول العربية أيضاً مسؤولة ربما لأسباب نمطية يجب التخلص منها لأن مالطا دولة اوسطية جارة. هي أقرب الدول إلى حضارة العرب وكلامهم، ولهم تداخل اجتماعي واقتصادي وحضور في مصر والجزائر وغيرها، وحالات زواج المالطيات من العرب بالألوف.

عادل: هذا سؤال طرح نفسه بنفسه: صف لنا المرأة المالطية.

وليد: رقيقة هي المرأة المالطية لكنها في الوقت نفسه نافذة. العربيات نافذات أيضاً لكن القانون في مالطا إلى جانب المرأة، وهذا موقف يُحترم. يجب أن يحمي القانون المرأة. المرأة غالباً هي الطرف المُعتدى عليه منذ أزاحها الرجل عن موقعها التاريخي قبل أكثر من خمسة آلاف سنة.

عادل: أين المقارنة؟

وليد: (ضحك). إنسانياً لا يوجد فرق، هي عذبة ورقيقة كالمرأة العربية تماما. نحن نتكلم عن الكائن الحي نفسه، وهو لا يتغير كثيرا من وعاء ثقافي لآخر. لا استطيع القول إن المرأة كانت نصفي الآخر لكن حضورها كان عضويا.

عادل: هل هناك فروق حقيقية مهمة بين الانسان والانسان في إبداع وليد نبهان الكتابي؟

وليد: الانسان واحد، الصفات نفسها، البكاء نفس البكاء والفرح نفسه، والضحك والاشارات كلها لغات عالمية مقروءة لدى الجميع.

عادل: البعض يقول إن الهدف من تخليد الكتابة تخليد الكاتب؟

وليد: لم لا؟ كل ما عليه فعله هو ان ينجز عملا يستحق التخليد

 

بطاقة تعريفية:

الاسم: وليد خليل نبهان

المولد: عمّان 1966

الدراسة والاختصاص: بكالوريوس علوم بيولوجية/ جامعة بريستول (بريطانيا). ماجستير علوم حقوقية في اخلاقيات التدخل في الجينات الوراثية

العمل: مدير قسم علم الاحياء المجهري في شركة   الألبان المحلية

الأعمال المنشورة:

  1. «عائد الى البيت»” وحكايات اخرى لم تحدث. مجموعة قصصية، إصدار نادي الكتاب المالطي،. 2009
  2. «صوت من الفخار». مجموعة قصصية، نادي الكتاب المالطي، 2011
  3. «هجرة اللقلق». رواية. نادي الكتاب المالطي، 2013
  4. «في طريقي اليها». ديوان شعر. نادي الكتاب المالطي، 2014

10351802_10152869819012456_2411799408226817922_n

الدكتور جوزيف موسكات رئيس الوزراء المالطي رئيس حزب العمال يقدم الجائزة الأولى للروائي وليد نبهان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.