عندما يصمت الشاعر تنطق الشخوص والأشياء: قراءة في ديوان الشاعر المالطي أدريان كريما “مسافات وقصائد أخرى”

في الشعر القَبَلي الضيق لا يوجد مكان للإنسانية الرحبة. القصيدة خطاب والمكان خيمة والحضور أهل وأصحاب، والمساحة لمن ينطق بالكلام  لا لغيره ولا لأشياء أخرى. الأشياء صامتة تسمع لكن لا رأي لها. متفرجة هي الحالات الانسانية، والآخرون. جميعهم صامت ينصت لشاعر القصيدة. إذا توقف لحظة فهي للإيعاز للمتفرجين بالتصفيق، وحين ينتهي فتوقفٌ أطول لتصفيق أطول. لا مساءلة بعدها ولا حوار ففي خطابات الشعر القبلي لا يوجد محكم أو مدير جلسة. الشاعر هو المتحدث والمحكم ورئيس الجلسة؛ هو عادة لا يحتمل وجود محكم على المنصة، ولا أكفاً يرفعها الحاضرون يطالبون الشاعر بالتوقف لحظة لأنه شط بعيداً في تمجيد الذات فلاحق القافية وترك الكلام وراءه؛ كومبارس من يسمعون بعض قصائد العرب، لا حق لهم سوى الانصات والتصفيق.

الشاعر المالطي أدريان كريما ليس هكذا.

هو يومئ إلى الأشياء أنْ جاء دورها كي تنطق لأنه يعرف أن لكل منها رأي، ولكل منها تعليق، ولكل من رفع يده يريد المشاركة في الوصف مكان وزمان. في قصيدة إنتاج ذاتي الدم المتسمم يؤدي مهمة غير التي خُلق لأجلها، خلاياه السابحة في العروق “في نشوة التخريب، تتعثر بأرجلها”. في سبعون عاماً من الكدمات الساقان تميلان في الهواء القلق، بين السرير وأنبوب الدم وعداد السم… فيما أنبوب البول يستريح على الفخذ كحبل سري لا يُقطع.

في المتوسط تونسي في باريس لا يعرف من هو ولا من هذا البحر المتوسط الذي لا أين له: “أعرف أني تونسيّ أعيش في باريس، وأن العرَب أصبحوا حقل تجارب، وأن القنابل دوما فوق رؤوسهم.” ربما كانت مالطة، التي هي جزء من البحر، مثل البحر نفسه – لا أين له لذا لا أين لها ولا أين لكل من فيه: “على تقاطع الطريق، يُصارع أحمق مقود سيارة توقّف محركها، وشعبٌ ينتظر خلف باب موظف عام، كي يصبح أمّة” (بأيدينا).

لا توجد في الشعر القَبَلي عروق يجري فيها الدم كما تجري أمواج المتوسط في شريان بحرها العتيق. له صدر وعجز، أي ثديان ومؤخرة، الوشيجة بينهما قافية تشد الصدر والعجز بعزم كلاسين هذه الأيام التي ترسم الخطوط على مؤخرات تبقى بلا تغليف. عندما تكون الفكرة والملاحظة هي القافية لماذا نريد كلمات لا تتشابه إلا في نهاياتها؟ أيهما تري، موسيقى الكلمة أم موسيقى الفكرة والملاحظة؟ النوع الأول يهز الأطراف والمؤخرة، الثاني يوقظ العقل والكيان من سبات شعر قبلي لا يقابل المقابلة. “في المرة القادمة ربما أغمض عيني وأغلق أذني” (بأيدينا)، لكن العقل سيبقى يقظاً ينتظر وقع كلام الإنسانية الوازن لا الكلام الموزون.

البحّار الفينيقي

أدريان كريما (چريما) أب وزوج وشاعر واكاديمي بيده قلم مشهر كالسيف دفاعاً عن المظلومين في العالم خلف المتوسط وعمن هم أكثر ظلما في بحيرته الأزلية. له دراسات نقدية وأكاديمية وفي الشعر ثمانية دواوين منها للأطفال «هذه ليست لعبة» و«السهم المشدود» (2012)، ثم «عازف البوق» (1999)، «تطريز» (2006)، «مأساة الفيل» (2005)، «شفتاك موضّحة» (2013)، «إكليل الجبل ونزوات أخرى» (2015)، أغلبها مترجم إلى الإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية. ديوانه “مسافات وقصائد أخرى” يجمع باقة تضم 116 قصيدة من ديوانين للشاعر هما «تطريز» و«إكليل الجبل ونزوات أخرى» عرّبها وقدم لها الروائي الفلسطيني المقيم في مالطا وليد نبهان، نشرته دار في القاهرة أخيراً.

الواضح بعد قراءة قصائد أدريان كريما أنه لا يعاني من مشكلة الهوية. عندما لا ينتمي شاعر البحر الأبيض المتوسط إلى مواطنيّة بقعة فيه فإنه ينتمي إلى مواطنيّة كل ما فيه وكل من فيه. هي، إذاً، قضية الوجود العام، لا الانتماء الضيق. أدريان، إذاً، شاعر من مالطة لكنه من بحر متوسطي يتوسط العالم. ماؤه من محيطات العالم وموجه أليف على الشواطئ كلها. وعلى هذه الشواطئ يطوف أدريان مثل البحار الفينيقي القديم في البحر المتوسط الأقدم بقارب ملأه بقصائد قايض أصحابها بالإنصات لما يريدون قوله ولما يريدون قوله لكنهم لم يجدوا الكلمات المناسبة للتعبير عنها فتولى عنهم المهمة، ولما شاءوا ألا يقولونه من أشياء أخرى انتبه إليها وهو المراقب المحترف فأضافها إلى القصيدة ناطقة باسم الأشياء التي تريد الانعتاق فيما الصدر المسجونة فيه لا يريد.

هذا الديوان سِجلُ بعض ما رأه وهو يتنقّل من محطة إنسانية إلى أخرى: بربري من الجزائر يريد وطناً لا يريده، تونسي هارب إلى رحابة فرنسا من ضيق الوطن بمن فيه فاكتشف أنها أكثر ضيقاً، فلسطيني بحّار فينيقي قديم هو الآخر استوطن مالطة لأن ماءها المالح يتصل بماء فلسطين الأكثر ملوحة في ذاكرة جسدها مبني من شوق دمه زيت الزيتون… وهكذا، وهكذا كتب بكلام يقطر شفافية وعمقاً ونشوة.

في القصائد فلسطينيون وفلسطينيات يصولون على المحتل ويجولون بأقدام راقصة عندهم كلمة “مقاومة” قاموس والرقص مدافع ميدانية عيار 132 ملم يقاومون اسرائيليين يريدون إلغاء التاريخ الفلسطيني باعتقال الهواء الذي يتنفسونه وزرع الرافضين في الزنازين لا حصاد لزرع مثله سوى البغضاء.

إذا امتلأ قارب أدريان في هذه الرحلة عاد إلى ميناء آخر فيه وطن وأسرة ووجبة بطاطا لا يمكن معها تذوق الفردوس بلا إكليل الجبل، وشاي سينتظر برودته قبل أن يبدأ “الهجوم”. الصورة هنا تستدرج الكلام فيستدرج الكلام الصور إلى مكان آخر. هو فينيقي في موانئ الوطن المتوسطي وفي الوطن فينيقي مواطن يرفع أحياناً برنيطة فوق رأسه: الابتسامة شراع والامتداد في ابتسامة الانثى امتداد شوق النزوة بعد رحلة بحرية بعيدة.

تغيّر الكثير في المتوسط خلال أربعة آلاف عام، لكن ربما لم يتغير شيء. فينيقيون من شرق أفريقيا، وطنهم جزيرة العرب، ووطنهم الآخر ساحل لبنان، ثم المتوسط الذي يتوسط العالمين القديم والحديث. شرايين في المشرق تلحق بخطوط ملاحية أشبه بأنابيب تحت الأرض ممتدة إلى أوروبا. العمق ليس في الوطن الجزيرة، العمق عند أدريان، كما أحسب، اتساع الكل؛ فيه أصدقاء ومعارف معهم يطيب الضحك ومعهم يحل البكاء. هو بكاء صامت، وحزين شفيف، وثقل في القلب تموج فيه ألوان من الأخضر والأحمر والرمادي والأسود الفاحم والدكنة والحزن الذي هو مثل الاسيتيلين باهر الضوء والشفرة يشق بسكون ويقطع فيما القلب يراقب الضوء لاه عما يحدث له.

ويمكن إضافة الكثير إلى ما تقدم لكن الأفضل من الإضافة اتاحة المساحة لبعض قصائد أدريان وتولي القارئ مهمة الحكم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.