الياس خوري: سوريا في الق

تاريخ النشر الأصلي 01/01/2012 – 16:37

الموقع: الموقع الرسمي لرابطة الكتاب السوريين

 

لا شيء سواكم.

تملأون القلوب والعيون بصيحات الحرية. دمكم يغطي خريطة الوجدان وتموجات الروح.

انها لحظة للتضامن معكم والتماهي بنضالكم ايها السوريات والسوريون، وانتم تصنعون حكاية حريتكم المجبولة بالشجاعة والدم والكرامة.

من درعا، في سهول حوران التي تمتد الى اول القمح واول الحب، صنعتم المعاني التي ترتسم افقاً ليس لبلادكم فقط بل للعرب جميعاً.

تضحياتكم وجراحاتكم وحناجركم وقبضاتكم المرفوعة هي الأمل.

لا شيء سواكم اليوم وغداً.

لا شيء سوى وعدكم بنهاية الذل والاذلال.

معكم وبكم تعود الشام شامة الدنيا ووردة الحرية.

سقطت لغة نظام الاستبداد في سورية، وهي لا تختلف في شيء عن لغة الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي. فجأة فقدت لغة النظام شرعيتها اوقدرتها على الهيمنة وضبط المجتمع. والسبب في ذلك بسيط جداً، انه انهيار الخوف. فهذه الأنظمة بنت سيطرتها على عامل اساسي واحد، هو بناء جدار متراص من الخوف. الأدنى يخاف من الأعلى، وصولا الى الشعب الذي يعيش في مملكة الصمت. الخائف في هذه المعادلة ليس الشعب وحده، بل جميع مراتب آلة الخوف التي تخشى من بعضها البعض، ويتشكل نصابها الداخلي اساساً داخل هذه المعادلة .المخيف خائف هو من الأدنى الى اعلى قمة الهرم التي تعيش هاجس الخوف من كل شيء.

ان اي انكسار في احدى مراتب جدار الخوف تعني ان الجدار بأسره بدأ يتهاوى. لذا رفض النظام تقديم اي تنازل، رغم كلّ الوعود، فالتنازل قد يصيبه بخلخلة داخلية تهدد نظام الخوف في بنيته، ما قد يقود الى انهياره.

الجديد الجذري الذي قدمته الثورات العربية هو انكسار حاجز الخوف من آلة القمع، وهو عامل اقتضى ان يتصدّر جيل جديد لقيادة التغيير الذي يصنعه الناس. جيل متحرر من عقدة الخوف، وقادر على تحطيم رموز السلطة التي ارعبت البلاد اربعة عقود، وقامت عبر آلة قمعية متطورة بكسر كل المحظورات، بهدف تحطيم قدرة المجتمع على المقاومة والصمود.

المثل التونسي كان حاسماً في دلالاته وفي قدرته على الانتشار. فعصف التغيير بمصر، وانكسرت هيبة الديكتاتور الليبي واشتعلت اليمن والبحرين، الى ان وصلت العاصفة الى القلب الشامي، الذي انتفض كي يعلن ان ربيع العرب لا يكون من دون الشام، التي تتوسط العقد الروحي في بلاد العرب.

انكسر الخوف الشعبي في سورية، وواجهت ثورة الكرامة في الشام الرصاص منذ اللحظة الأولى، ووجدت نفسها امام اكثر آلات القمع لؤماً ووحشية وتصميماً على سفك الدم البريء.

‘ ‘ ‘

النقطة الوحيدة التي يمتلكها النظام هي اشعال الفتنة. الصور التي بثها التلفزيون السوري تشير الى نية اغراق الثورة الشعبية بالدم، والدفع الى مواجهة مسلحة عمادها التعبئة الطائفية.

اذا كانت سميرة مسالمة، رئيسة تحرير صحيفة ‘تشرين’، لم تصدّق حكاية العصابات المسلحة التي تقتل المتظاهرين ورجال الشرطة، فطردت من وظيفتها، فكيف يصدّقهم الرأي العام. ما هذه الأكاذيب التي لا تنطلي على احد؟ كل الناس في سورية يعرفون من يملك السلاح ويوجهه الى المتظاهرين.

لكن يجب ان تتعامل الثورة السورية بجدية كبيرة مع هذا النوع من الكلام. حكاية المسلحين لا تعبّر عن الحقيقة، لكنها تعبّر عن الآلية التي يريد النظام ايصال الثورة اليها. اي الى المواجهة المسلحة، التي تسمح له بتكرار مجزرة حماة الوحشية عام 1982.

هذا هو المعنى الوحيد للصور التي بثها التلفزيون السوري، انها استدراج للناس الى فخ السلاح.

يعرف الشعب السوري بتجربته ان هذا الفخ يعني شيئاً واحداً، هو موت الثورة، واعطاء النظام ذريعة لتدمير المدن، وابادة سكانها.

الثورة الديموقراطية العربية هي ثورة سلمية. سلميتها نابعة من طبيعتها الشعبية والديموقراطية، قوة الشعب اقوى من كل سلاح، وهي سلاح التغيير ولا سلاح اليوم سواها.

لذا يذهب السوريون الى المواجهة بأجسادهم، كي يبرهنوا ان الانسان اقوى من اي سلاح، وانه اذا كان هناك من معنى وحيد للسلاح، فهو من اجل حماية الوطن من المحتل الاسرائيلي، ومواجهة الغطرسة الصهيونية.

السلاح شرعي هناك فقط، في الجولان، اما الرصاصات التي توجه الى ابناء الشعب السوري، الذين يرفعون شعار الحرية، فهي ليست سوى سلاح القمع الذي تهاوت شرعيته.

انها ثورة شعبية، سلاحها الأمضى هو سلميتها، قوتها الكبرى تكمن هنا. انها اعلان بأن صفحة الانقلاب العسكري قد طويت، وان فكرة الطليعة المسلحة انتهت. الشعب لا يحتاج سوى الى قبضات ابنائه المرفوعة، معلنا ان العبور الى الديموقراطية لا يكون الا بنضال سلمي ديموقراطي.

‘ ‘ ‘

قبل اندلاع المظاهرات في سورية، ادلى الرئيس السوري بتصريح غرائبي الى صحيفة ‘وول ستريت جورنال’، الأمريكية، ابدى فيه اطمئناناً الى الوضع في بلاده لأن سورية تحتضن المقاومة ضد اسرائيل.

نسي السيد الرئيس ان هذه اللغة تهاوت، فالشعب يعلم ان مقاومة اسرائيل وطرد جيشها المحتل لجزء عزيز من سورية، لا يكون من دون الشعب السوري. كي يقاوم الشعب يجب ان يكون حراً. النضال ضد الاحتلال هو اولاً واخيراً نضال من اجل الحرية. عندما بدأت رياح الحرية تهبّ على مصر، فهمت اسرائيل ان عليها ان تخاف. اسرائيل هي عدوة الشعوب العربية، اما علاقتها بالأنظمة الديكتاتورية فتتراوح ما بين التحالف والتواطؤ.

معركة حرية الشعب السوري، هي في صلب مشروع مقاومة الهيمنة والاحتلال الاسرائيليين. وهي بهذا المعنى تعيد الموضوع الوطني الى نصابه، فالشعب الذي يصنع حريته هو وحده من يحرر الأرض.

‘ ‘ ‘

امتد خيط الدم الذي سُفك لاحرار سورية من الشمال الى الجنوب، كل المدن وكل القرى خرجت للتظاهر والاحتجاج.

عرب وكرد، سوريون وسوريات من مختلف المناطق والطوائف، خرجوا بشعار واحد هو الحرية.

الشعب يستعيد بلاده، وغداً عندما في دمشق وحلب ينكسر سور القمع والمنع، غدا تكون البداية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *