عندما تتنفس ذكرى صلاح حزيّن من خرم إبرة الزمن

وكتب صلاح: “هذه المعرفة بالكومبيوتر واسراره (في رواية بقايا الوشم) ليست سمة عصر مختلف فقط بل هي سمة مكان مختلف ايضاً، فإن كان وسام ابن مجتمع التكنولوجيا والكومبيوتر فإن خليل والد عروب هو الابن الشرعي لمجتمع التقاليد البالية والشكوك والريبة وعدم الثقة بالنفس وعدم التسامح حتى مع اقرب المقربين اليه – الزوجة والابنة. لذا فهو حالما يعرف ان زوجته علياء وابنته عروب قضتا ليلة في لندن حتى يبدأ رحلة من الشك تتبعها رحلة من البحث الدؤوب من اجل اكتشاف ما يمكن ان يكون قد حدث مع زوجته وابنته في العاصمة البعيدة، ويثمر دأبه في هذا الاتجاه. ويصل خليل فعلا الى اكتشاف اقامة زوجته في شقة هشام فيتحول الى وحش كاسر يملأه الغضب وتستحوذ عليه الرغبة في الانتقام فيبدأ عملية مريعة من الاذلال والاهانة لزوجته والطعن في شرف ابنته التي لم يستوعب ذهنه المتخلف ارتباطها بعلاقة حب مع شاب غريب ويصر على اجراء اختبار للتأكد من عذريتها مع ما يعنيه ذلك من اهانة لانوثتها واغتصاب لكرامتها واعتداء صارخ على بكارتها بالمعنى النفسي للكلمة فضلا عن الاعتداء على بكارتها الحقيقية. وامام هذا العدوان السافر على شخصية ابنته ينتقل الى الاعتداء الجسدي عليها حتى تنهار عروب من جراء ضرب والدها المبرح لها وتكاد تفقد نظرها.”

هذه كله في متن الرواية لكن كان لصلاح رأي في نهايتها: “لكن مسار الرواية وقد شارفت على الانتهاء يعود ليأخذ منحى تصالحيا يعوزه المبرر الفني القوي بعد ذروة من العنف والقسوة البدنية والنفسية التي تستبد بخليل وتضعه على حدود طلاقه لعلياء، ويسفر هذا المنحى التصالحي عن تحول لا مقدمات له في شخصية خليل فيعيد زوجته اليه ويبارك زواج ابنته من وسام ابن غريمه القديم هشام الذي يعود الى حزنه المقيم بفقد علياء مرة ثانية بعدما كان فقدها قبل ربع قرن، وبعدما كان فقد زوجته قبل اشهر، وتنتهي قصة الحب الجديدة لوسام وعروب بالنجاح مخلفة قصة الحب القديمة بقايا وشم في قلبي هشام وعلياء.”

صلاح حزين (يسار)

 

هذا موقف أخلاقي مفهوم لأن صلاح تعامل مع أصدقائه ومعارفة ومع الحياة بأخلاقيّة. حدوده الاخلاقية معروفة لا يمكن تجاوزها. أن يقول رجل مثل خليل (في الرواية) في لحظة غضب أنه يريد أن يكشف عذرية ابنته بنفسه هو أن يتخطى حاجزاً أخلاقياً لا يمكن السماح به أو السكوت عنه. لكن،

يجب أن يُعطى الناس فرصة أخرى حتى في يوم الحساب. الخياران ليسا الجنة أو النار فحسب، هناك خيار ثالث – هو حالة من يقف على سور بين الجنة والنار، لا مكان له في الجنة، ولا مكان له في النار. الروائي عادل بشتاوي لم يُعد خليل إلى علياء (إلى الجنة) لكنّه فتح باباً انغلق بينهما لأنه لم يستطع الانتقام من زوجته علياء فانتقم من ابنتها من دون أن يعي تماماً أنها ابنته أيضاً. انتصار البنت (عروب) في النهاية كان انتصاراً لأمها وهزيمة له قبلها خليل مرغماً. في معادلة صعبة للغاية، إثنان (علياء وعروب) من ثلاثة كان عليهما أن يتغيّرا. لا حاجة لهما بالتغيّر لأنهما على حق، فتغيّر هو. هذه هي الحالة الثالثة التي انتهت بها الرواية. هُزم واعترف بهزيمته وبدأ يتغيّر بسرعة فتجاوز النار، لكنه واقف على السور.

لكي يغفر الانسان عليه أن ينسى، لكي ينسى عليه أن يتذكّر. أحياناً يسدّ التذكّر باب الغفران بعنف، وأحياناً يحدث العكس.

معظم الناس ينظرون إلى الحياة من الزاوية التي يقفون عندها لذا يرون الأشياء كما تراها أعينهم. الروائي لا يستطيع النظر إلى الحياة من زاويته. عليه أن ينتقل إلى الزاوية الأخرى وينظر من جديد، ثم إلى زاوية ثالثة ورابعة وربما تطلّب السرد النظر من زوايا نظر شخوصه الرئيسية جميعاً. من السهل إنهاء الرواية بجمع علياء وهشام مرة أخرى بعدما اجتمع ابنه وسام وابنتها عروب ودفع خليل في الهاوية. إذا دفع الروائي المذنب في اتجاه هاوية بلا قرار وأجبره على النظر الى القعر، فلماذا يريد أن يرميه في الهاوية؟ كثيرون يتغيرون بعد الوقوف على مشارف الهاوية.

يجب أن يعطى الناس فرصة، ولو كانت في الوقوف على السور. العدل لا ينتصر دائماً، ولا الظلم، هناك دائماً حالة ثالثة. بقايا الوشم، إذاً، هي رواية الحالة الثالثة.

صلاح استجلب في سرده الغربة: «الغربة عند عادل بشتاوي ليست سوى صورة اخرى للوطن. انه يستحضر الوطن ولكن ذلك لا يتم من خلال حنين اليه بقدر ما يكون من خلال المواءمة بين الوطن والمغترب، من خلال الاستعانة بالحياة في احدهما على فقد الثاني.»

الغربة ليست صورة أخرى للوطن. الغربة هي الوطن. هذه حالة ثالثة يعرفها معظم الفلسطينيين، حالة الوقوف على السور بين الوطن والغربة. الغربة ليست محطة انتظار؛ الغربة هي المحطة. بوابات الوطن عند معظم الفلسطينيين مغلقة، لكن إلى حين. ستنفتح البوابات جميعاً مرة ثانية. عندما تنفتح، وهي ستنفتح، من سيعود؟

الوطن بالنسبة للملايين ليست الغرف والحارات والشوارع؛ هو للملايين حيث يقيم الود ويعيش الآخرون المهمون في حياتهم. شباب كثيرون وبنات كثيرات وآباء وأمهات وطنهم حيث الزوجة أو الزوج والاطفال. بالنسبة لمحظوظين قلة، ربما كان حيث صديق أو أصدقاء.

إذا لم يكن لإنسان انتماء إلى من يحبهم ويحبونه فهو غريب متغرب لاعن وملعون أنى كان.

إذا صارت الغربة الوطن الحقيقي فماذا يصبح الوطن؟

عمان بالنسبة لي كانت محطة.

عندما كان صلاح فيها صارت الوطن الآخر.

صلاح ليس في عمان.

لهذا تتنفس ذكرى صلاح حزيّن من خرم إبرة الزمن على بوابة عمّان بعدما محطة عادت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *