قراءة في كتاب تاريخ الظلم الامريكي وبداية زمن الافول الامبراطوري المديد لعادل بشتاوي

عادل سعيد بشتاوي:بأسلوب أدبي آسر وبلغة عقلانية واضحة يقوم عادل بشتاوي في كتابه هذا باعادة فك وتركيب مفهوم امريكا وتحليل تاريخها في المنطقة العربية والعالم عموما.
أهمية هذا الكتاب نابعة من قدرته علي تفهم مركّب لأواليات السيطرة الامريكية الحقيقية التي يلخّصها وحش ثلاثي الرؤوس: القوة العسكرية، والدولار المحمول علي بحر من النفط، وشركات التسويق العابرة للقارات (هوليوود واخواتها).
خلال هذه الرحلة في هذا الكتاب يؤهلنا الكاتب لمراجعة كشوف حساب في قضايا سياسية شديدة الأهمية، واضعا احداث الماضي والحاضر في منظور جديد مفاجيء، كتحليله للاستغلال العجيب الذي قامت به امريكا لمفاعيل لحرب تشرين الاول (اكتوبر) والحظر النفطي الذي رافقها، ومثل كشفه لأسباب تأجيل الضربة الامريكية لايران عام 2005 بسبب التدهور المفاجيء لحالة شارون الصحية.
ولا يتنازل بشتاوي عن عاداته ككاتب روائي متميز، بحيث يتحوّل الحدث المهمل في هامش التفاصيل الي ما يشبه بؤرة كثيفة تضيء علي تواريخ طويلة (مثل انتباهته الي جندية امريكية قتلت في العراق وكشفه لأصلها الهندي الاحمر وتحليله للمآل الذي صار اليه اصحاب الأرض الأصليون الذين أرغمهم الاستئصال الوحشي علي الانحشار في الجيش الامريكي وصيرورتهم أكبر اقلية عرقية فيه).
واذا اضفنا الي ذلك قدرة عالية علي التنقيب والبحث ضمن مروحة من الكتب والمصادر، ثم الاحالات الكثيرة الي روابط علي شبكة الانترنت فان الكتاب يتحوّل الي رحلة بحث شائقة للقاريء دون اغفال فائدته الكبيرة للباحثين في التاريخ السياسي والاقتصادي للمنطقة العربية وللعالم علي ضوء التدخل الامريكي الهائل.
تتجادل في صناعة الكتاب خبرات الصحافي والباحث والروائي التي تراكمت في المؤلف خلال سنوات العمل الطويلة في هذه الحقول المعرفية الانسانية، ولا نعدم احيانا ارتفاع مدّ هذا الجانب علي ذاك لكن ذلك كلّه يضيف الي متعة القراء وشهيّة النقّاد لدراسة هذه الظاهرة.
من قبيل ذلك حديثه عن عمله الصحافي، كما في اشارته الي زيارة عمل الي كندا والتعاطف الذي لقيته القضية الفلسطينية الي ان طرح فكرة تقرير المصير فوجد حائطا صلبا سببه كامن في حساسية القضية بالنسبة للكنديين لأنها قد تقوّض الأساس الذي بنيت عليه الدولة كلها اذا قبلت حق تقرير المصير لسكان كندا الأصليين من الهنود الحمر.
ومثال آخر علي جمعه بين الانساني والصحافي والبحثي يتمثل في التداعيات التي أثارها حجر أهداه اياه قريب له من الناصرة وقاده تحليله الي كونه يشبه الحجر الذي أصاب فيه داود الفتي جليات العملاق وقلب المعركة ـ آنذاك ـ لصالح جيش داود، حيث ينطلق من هذه المقاربة البسيطة لهدية ذات مغزي الي تحليل لمفهوم النصر والهزيمة وتحليل آثار حرب تموز علي اسرائيل… الخ.
القاريء المعتاد علي اعمال عادل بشتاوي سيلاحظ ايضا الجانب الروائي في الكتاب بدءا من طريقته في رواياته بتقسيم الفصول وافضاء الأول الي التالي وكذلك في المفاجآت التي تحملها طيّات الكتاب التي تتشابه في ذلك مع أسلوب الكتابة الروائية وصولا الي عناوين الفصول التي تخلق بين طرافتها وجدّية المواضيع مفارقة قادحة للذهن، كما في عناوين لفصول واقسام في الكتاب بـ: بلاد ما بين النفطين ، خام العم سام ، دولار العم خام ، الهولوكوست الاحمر الخ…
تاريخ الظلم الامريكي مرجع مهم آخر بعد كتب المؤلف السياسية التاريخية بدءا من كتابه المرجعي عن الاندلسيين المواركة وصولا الي كتابه قبل الاخير تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية .ها هنا بعض فصول الكتاب.
حسام الدين محمد

في التاسع من نيسان (إبريل) 2007 دخل احتلال العراق سنته الخامسة فاكتشفت أمريكا نفسها في وضع عسكري يختلف تماماً عن الوضع الذي تصوّرته عندما بدأت غزو العراق سنة 2001، إذ كان من المفترض طبقاً لخطط البنتاغون أن تكون القوات الأمريكية أكملت انسحابها في مطلع عام 2007 باستثناء نحو 50 ألف جندي ينتشرون في قاعدة كامب فيكتوري في مطار بغداد وقاعدة كامب رينيغيد في كركوك وقاعدة بلد الجوية الضخمة شمال بغداد ونحو عشر قواعد عسكرية وجوية أخري.
وبعد 1500 يوم من الاحتلال، وجدت أمريكا نفسها في وضع سياسي عراقي يختلف تماماً عن الوضع الذي تصورته عندما حرّّكت قواتها من القواعد العسكرية الدائمة والمؤقتة في الكويت لاحتلال عاصمة الخلافة العباسية، إذ كان من المفترض طبقاً لتصورات البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية أن تكون الحكومة العراقية انتقلت إلي مبناها الجديد خارج المنطقة الخضراء، واستكملت بناء الهياكل الدستورية والقانونية التي تضمن استمرار السيطرة الأمريكية نتيجة تطويع العراق وإيداع من يقاوم الاحتلال السجون أو المقابر.
اقتصادياً كان من المفترض أن تكون الحكومة العراقية بدأت تطبيق قانون النفط والغاز العراقي الذي يضمن منح الشركات النفطية الأمريكية والبريطانية عقوداً علي أساس المشاركة في الإنتاج بموجب ترتيب خاص لا تلتزم به حتي أقرب الدول الخليجية إلي أمريكا. وكان يُفترض أن تنفّذ هذه الشركات المرحلة الأولي من رفع ضخ النفط من نحو مليوني برميل يومياً إلي خمسة أو ستة ملايين برميل، والشروع في بناء خط أنابيب لنقل نفط كركوك عبر الأردن إلي حيفا لتغطية الاستهلاك الاسرائيلي وتصدير الفائض إلي الأسواق الأمريكية والأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط. وفي الوقت نفسه كان يُفترض بدء عمليات المسح والتطوير لرفع الإنتاج في مراحل لاحقة إلي نحو 10 ملايين برميل يستطيع العراق ضخها يومياً لمدة يمكن أن تصل إلي 90 عاماً وبقيمة لا تقل عن 15,000 مليار دولار.

عربياً

كان من المفترض أن تكون القوات الإسرائيلية تمكنت من سحق مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان وإزالة جدار الردع المتمثل بنحو 12 ألف صاروخ في ترسانة المقاومة اللبنانية، وضم المنطقة حتي نهر الليطاني في عملية تتزامن مع ضرب القوات الأمريكية حصاراً علي سورية من تركيا في الشمال والعراق من الشرق والأردن من الجنوب.

إقليمياً

كان من المفترض أن تكون أمريكا أحكمت طوقها حول إيران اعتماداً علي قواتها وقواعدها عبر الحدود مع العراق إلي الغرب، ومن خلالها انتشارها العسكري علي الحدود الأفغانية والقواعد الأمريكية في تركيا وباكستان وكازاخستان وأزبكستان وطاجيكستان إضافة إلي قوتها الضاربة الموجودة علي حاملات الطائرات والسفن الحربية في الخليج العربي وبحر عمان. وكان من المفترض بعد ذلك التهديد بشن عمليات عسكرية شاملة ما لم تبدأ إيران بتفكيك المنشآت النووية وتعود إلي حظيرة دول أوبك الأخري فتوقف المطالبة باليورو ثمناً للنفط والغاز، وتصرف النظر عن إنشاء بورصة للطاقة تعتمد العملة الأوروبية في التسعير والعمليات المالية.
وبتحقيق أهم هدفين استراتيجيين لاحتلال العراق هما استمرار سيادة الدولار علي العالم من خلال فرضه دون غيره من العملات علي تجارة الطاقة، والسيطرة علي مصادر الطاقة في منطقة الخليج بما يتيح لأمريكا ضمان أمن الطاقة الخاص بها والتحكم بقرار تصدير النفط، كان من المفترض أن تبدأ أمريكا التركيز علي استراتيجية ثالثة ترمي إلي تدمير القوة الوحيدة في العالم القادرة علي إفناء الولايات المتحدة وهي القوة النووية الروسية. وتتضمن هذه الاستراتيجية نشر شبكات الصواريخ الأمريكية في بولندا وتشيكيا لاعتراض الصواريخ النووية الروسية العابرة للقارات في حال تمكّن روسيا من توجيه ضربة نووية انتقامية رداً علي الضربة الأمريكية الاستباقية.
إن هدف هذا الكتاب ليس عرض معالم الاستراتيجية الأمريكية التي بدأت بغزو العراق إذ لا يوجد أي سر في كل هذا ويستطيع أي باحث التأكد منه في الوثائق الأمريكية والدراسات المتاحة للجمهور، بل عرض مضاعفات إخفاق أمريكا في تحقيق أول بند من بنود الاستراتيجية وهو السيطرة علي العراق مما أدي إلي انهيار الاستراتيجية بكاملها. وسيتبع هذا الانهيار تسريع الأفول الأمريكي الاقتصادي المديد وإعادة هيكلة الاستراتيجية الدولية لتقوم علي تعددية القوي العظمي في العالم فتفقد أمريكا مركز أحادية القطب الذي ادعته لنفسها بالتزكية الذاتية نتيجة زوال الاتحاد السوفييتي وتهبط إلي مرتبة أدني من التي احتلتها عام 1991 فيما ترتفع مرتبة الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا بغض النظر عن النتائج العسكرية النهائية في العراق.

المقاومة وافشال الاستراتيجيتين العسكريتين الأمريكية والاسرائيلية

وفي كلا العراق ولبنان لعب التعامل المحترف مع تقنيات الفقراء العسكرية وتوافر الإرادة القوية والتصميم علي تحقيق النجاح، دوراً مدهشاً في إفشال الاستراتيجيتين العسكريتين الأمريكية والاسرائيلية القائمتين علي كثافة النيران والتقنيات العالية. وإذا اعتبر البروفيسور غابريل كولكو خبير الحروب الدولية الحديثة حرب تموز (يوليو) 2006 أهم حرب في الشرق الأوسط حتي الآن، فإن حرب العراق بمضاعفاتها أهم حرب في عصرنا الحالي ومن أهم حروب التحرر الوطني التي عرفها التاريخ. لذا نحسب أن الرئيس جورج بوش الابن كان متحفظاً جداً عندما حذر بأن الفشل في العراق سيكون كارثة لأمريكا.
وأفرز النجاح الباهر الذي حققته المقاومة في العراق ولبنان مضاعفات حاسمة أهمها تزايد فرص التصدي بكفاءة لأي عمل أميركي محتمل في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وافريقيا وجنوب غربي آسيا. وبما أن القوة العسكرية أهم أدوات حماية الدولار فإن فشلها في الشرق الأوسط سيضعف فاعليتها السابقة في فرض الدولار عملة احتياط رئيسية علي الدول الآسيوية الاقتصادية الكبري والدول الرئيسية المصدرة للنفط وحملها علي شراء الدين العام لتمويل الحرب في العراق وأفغانستان وبنود الانفاق علي حروب الأجيال .
ويخفي التركيز علي المضاعفات العسكرية والسياسية للحرب في العراق المضاعفات النقدية والتمويلية والاقتصادية العامة وتلك المتصلة بالطاقة وبدور حلف الناتو ومضاعفات أخري ستجد أمريكا صعوبة بالغة في تداركها نتيجة إسقاطها نفسها في حفرة عراقية عميقة لا تستطيع البقاء فيها ولا الخروج منها. وفيما ستتمكن أمريكا من المحافظة علي قوتها العسكرية الكبيرة فترة طويلة، فإن قوتها الاقتصادية التي دعمت القوة العسكرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ستواصل الهبوط. وفي سنوات لاحقة ستتكفل الضغوط التمويلية علي الأرجح بتقليص القوة العسكرية نتيجة ضعف قدرتها علي الردع وتراكم أعباء الانتشار العسكري الأمريكي الذي أفقده انتهاء الحرب الباردة جزءاً مهماً من قيمته السابقة، وتزايد موجة الاستياء الشعبي من الوجود العسكري في الفلبين واليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا حيث لعب دوراً مهماً في انهيار حكومة رومانو برودي في شباط (فبراير) 2007.
ويتضح الآن أن احتلال أفغانستان والعراق والمساهمة في غزو الصومال وإشعال حرائق العنف والتوتر والفوضي السياسية التي تقف أمريكا وراءها في فلسطين ولبنان والسودان وعلي أطراف إيران ضمن ما تطلق عليه أمريكا اسم الحرب علي الإرهاب هي مشاهد الفصل الثاني من حرب إرهابية واسعة النطاق بدأت عام 1981 لضمان هيمنة أمريكا علي العالم. وكشف نعوم تشومسكي في كتابه الهيمنة أو البقاء: المسعي الأمريكي للسيطرة علي العالم أن أول ما فعلته حكومة رونالد ريغان ونائبه جورج بوش عام 1981 هو إعلان الحرب علي الإرهاب في أمريكا اللاتينية. لكن الهدف الحقيقي كان وقف تحدي الشعب والكنيسة للأنظمة المتحالفة مع أمريكا. وفوراً تحولت المبادرة الأمريكية إلي حرب إرهابية وإلي حملة للذبح والتعذيب والبربرية ما لبثت أن امتدت إلي مناطق أخري في العالم.
واستكمل بوش الابن ما بدأه بوش الأب عندما تبنت حكومته في ايلول (سبتمبر) 2002 استراتيجية الأمن القومي التي احتفظت بحق اللجوء إلي القوة لإزالة أي تحد حقيقي أو ظاهري للهيمنة الأمريكية الدولية، واعتبرت هذه الاستراتيجية بمثابة إنذار دائم للعالم. وخلال الأشهر القليلة التالية بدا واضحاً أن الولايات المتحدة عازمة علي غزو العراق بغض النظر عن موقف الدول الأخري، وسواء وافق مجلس الأمن علي هذه العملية العسكرية أو لم يوافق. وانقسمت حكومات العالم إلي معسكرين فأيد المعسكر الأول أمريكا في كل ما تشاء فعله، فيما التزم المعسكر الثاني الصمت خوفاً من أمريكا. ويئست الشعوب من تحرك حكوماتها لوقف الغزو فنزلت إلي شوارع لندن وباريس وروما ومدريد وبعض المدن الأمريكية للاحتجاج. ولم يتظاهر العالم يوماً كما تظاهر ضد تلك الحرب، ولم يخرج 30 مليون شخص إلي الشوارع للاحتجاج علي أي حرب أخري، لكن أمريكا مضت في مشروعها غير عابئة وبدأت في التاسع من نيسان (إبريل) 2003 احتلال العراق.
وخلال أكثر من 200 عام خاضت الولايات المتحدة عدداً كبيراً من الحروب كان بعضها من بين الأطول في التاريخ. وكانت الحروب الأولي لضمان بقائها لكن الحروب التالية كانت استجابة لرغبتها في التوسع غرباً في اتجاه أراضي الأمم الهندية الأمريكية، وشمالاً في اتجاه كندا، وجنوباً في اتجاه المكسيك. وتغير الأعداء والأصدقاء بتغير المصالح فحاربت إنكلترا إلي جانب فرنسا وحاربت فرنسا إلي جانب إنكلترا ثم حاربت ألمانيا إلي جانب إنكلترا وفرنسا. وفي نهاية القرن التاسع عشر عبرت الأساطيل الأمريكية البحار الكبيرة واستعمرت الفلبين، ثم غزت الصين قبل الاشتراك في أكبر حربين عرفهما العالم في القرن العشرين هما الحرب العالمية الأولي فالثانية.
وبين عامي 1947 و1991 تفادت أمريكا الصدام المباشر مع الاتحاد السوفييتي لكنها خاضت بعض أهم الحروب التي شهدها العالم خلال تلك الفترة وأهمها الحربان في كوريا وفيتنام. وسلكت موسكو في آخر أيام نفوذها الطريق الذي سلكه خصومها الإمبرياليون فغزت أفغانستان. ولم يخرج الاتحاد السوفييتي بعد عشر سنوات إلا وهو في المرتبة الثانية بين دول العالم، وبات تجمّع الدول التي ساهمت في تعزيز وضعه الدولي عبئاً كبيراً عليه.
وكان حل الاتحاد السوفييتي خياراً روسياً أخلي ساحة التنافس الدولي لأمريكا مؤقتاً لذا بنت الولايات المتحدة المرحلة التالية من استراتيجيتها الدولية علي مبدأ ضمان استمرار الوضع الذي اكتسبته بالتزكية الذاتية. وتطلب استمرار وضع القطب الأوحد في العالم التصدي لأي محاولة من أي قوة في العالم لتغييره بكل الأسلحة في ترسانتها الكبيرة بما فيها الأسلحة النووية.
ودخلت أمريكا السنوات الأولي من القرن الثالث علي تأسيسها فوجدت نفسها في الموضع الذي كانت فيه قبل أكثر من 200 عام عندما كانت تحارب من أجل البقاء لأن استبقاء سيطرتها علي العالم صار شرطاً أساسياً لاستمرار بقائها كقطب أوحد في العالم، ولم يعد الفرق بين البقاء قطباً وحيداً والبقاء العضوي بالأهمية التي اتسم بها قبل 1991. ونحو نهاية القرن العشرين طرأ تطوران اقتصاديان مهمان ترتّبت عليهما مضاعفات طويلة الأمد: الأول هبوط ضخ النفط الأمريكي المحلي بحدة نتيجة الاخفاق في اكتشاف مكامن جديدة، والثاني عزم أوروبا طرح اليورو منافساً للدولار.
ورأت مؤسسة الحزب الجمهوري الأمريكي المتصالحة مع المتمولين الكبار والليكوديين المتنفذين أن استمرار فرض أمريكا علي العالم يقتضي تحقيق هدفين رئيسيين: الأول توجيه ضربة عسكرية ذات رنين وطنين إلي العراق المارق علي الدولار كي تسمعه دول أوبك الأخري والصين وروسيا وغيرها من المنافسين، والثاني تعزيز السيطرة الأمريكية علي قرار تصدير النفط بالانتقال العضوي الكثيف إلي شواطئ أكبر بحيرة نفط في العالم. وأقامت أمريكا علي أرضية نجاح الاحتلال هرم تحقيق عدد كبير من الأهداف أحدها الحلم الأمريكي ـ الإسرائيلي الاستراتيجي بنقل النفط العراقي عبر الأردن إلي حيفا وتصدير ما يفيض عن حاجة إسرائيل (270.000 برميل يومياً) عبر البحر الأبيض المتوسط لتقليص الاعتماد علي مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.
يقول الأمير ريموندو مونتيكيكولي (1609 ـ 1680) الذي ولد شمال الدولة التي نعرفها اليوم باسم إيطاليا: لكي تشن الحرب ستحتاج أولاً إلي المال وثانياً إلي المال وثالثاً إلي المال ، لذا فإن الدولار، الذي تطبعه أمريكا بألوف الأطنان، هو القوة الحقيقية التي تدعم العمل العسكري وتدعم بالتالي التدخل الأمريكي في العالم، وهو البطن الطري في جسد التمساح الامبراطوري. ولا يعني هذا إغفال أهمية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (الأختين البشعتين) وغيرهما من المؤسسات التي أقامتها الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية بهدف فرض سيطرتها الاقتصادية والنقدية علي العالم. لكن علي القارئ الانتباه إلي أن كل هذه الأدوات الرديفة وغيرها تستمد قوتها النهائية من القوة العسكرية والدولار، لذا فإن هاتين القوتين هما الساقان اللتان ترتفع عليهما السيطرة الأمريكية فإن اختلت واحدة اختلت الثانية.
وموّلت أمريكا الحرب العالمية الأولي بخفض الإنفاق العام ورفع نسبة الضرائب علي أصحاب الشريحة العليا إلي 77 بالمئة ثم خلال الحرب العالمية الثانية إلي 94 بالمئة ثم هبطت إلي 70 بالمئة خلال حرب فيتنام. وعلي الرغم من أن نفقات الحرب في العراق تماثل نفقات حرب فيتنام فقد استقر الحد الأعلي للضرائب منذ بدء هذه الحرب علي 35 بالمئة فيما منحت إدارة الرئيس بوش الأغنياء حسومات ضريبية سخية. وأنتج هذا الوضع حالة تمويلية لم تعرفها دولة في التاريخ شرحتها صحيفة كريستيان ساينس مونيتور (16/1/2006) بالقول: كان علي الأمريكيين شراء سندات الادخار وشد الحزام جيداً لتمويل الحرب العالمية الثانية. ورفع الرئيس هاري ترومان الضرائب وخفّض النفقات غير الحربية لتمويل الحرب الكورية. وخلال حرب فيتنام رفعت الولايات المتحدة الضرائب لكن لم يكن ذلك كافياً. ولكي تدفع الولايات المتحدة نفقات الحرب الدائرة في العراق وأفغانستان لجأت إلي بطاقة الائتمان واعتمدت علي الصينيين وغيرهم من مشتري ديونها لتمويل الحرب .
ولا يشكل تمويل الحرب إلا نسبة صغيرة من الدين العام لذا فإن أمريكا في حاجة دائمة إلي الاقتراض. وتسبب لجوء إدارة بوش إلي الاقتراض المفرط بارتفاع ما تحتاجه من الأموال الخارجية نحو خمسة أضعاف فامتصت عام 2006 أكثر من ثلثي مدخرات الدول ذات الفائض المالي مثل بعض دول أوبك والصين واليابان. ولا يبدو أن ارتفاع الدين العام إلي مستويات فلكية حرم الرئيس بوش النوم فانتقل التساؤل عن توقيت سداد الديون إلي التساؤل ما إذا كانت أمريكا تفكّر فعلاً بسدادها، أو الوقوف في المكان الذي وقفت فيه عام 1971 فترفض تسديد ديونها كما سبق ورفضت تحويل الدولارات إلي ذهب.
إن السؤال عن عدم انهيار الدولار الأمريكي نتيجة استمرار الحروب والتدخلات وارتفاع الدين العام إلي حجم أسطوري والعجز الهائل في ميزان المدفوعات واتساع الهوة بين قيمة الصادرات الأمريكية والواردات يشبه السؤال عن سبب عدم ثوران بركان إتنه في صقلية حتي الآن رغم استمرار نفث الدخان وسيلان الحمم. والجواب أن العوامل التي يمكن أن تؤدي إلي ثوران هذا البركان لم تتضافر بعد ولن يعرف الناس أنها تضافرت إلا بعد فوات الأوان. لكن النتيجة يعرفها كل من زار مدينة بومبيي التي طمرها بركان فيسوفيوس عام 79 قبل الميلاد، ومات الناس حيث ناموا أو وقفوا أو استراحوا في البيوت والطرق والحمامات، ولم تقم لها قائمة منذ ذلك التاريخ.
ومنذ انتهي أمل مشاة البحرية (المارينز) بالسيطرة علي الأنبار في ايلول (سبتمبر) 2005 اتضح أن 50 عاماً من العنف والتدخل الأمريكيين في العالم العربي دخلت أيامها الأخيرة. وانتقل التركيز العسكري والاستخباراتي آخر 2006 إلي تأجيج العنف الطائفي في العراق وتعزيز المنطقة الخضراء بما يشمل السيطرة علي المناطق المحيطة بها والبدء بتنفيذ برامج لترحيل ألوف العراقيين الذين خدموا القوات الأمريكية كمستشارين ومترجمين ومخبرين وغير ذلك. ورافق إخفاق القوات الأمريكية في تطويع مناطق غرب العراق وفشل القوات البريطانية في السيطرة علي الجنوب انكشاف الاقتصاد الأمريكي علي مجموعة جديدة من المخاطر. وتسارع التحوّل من الدولار إلي اليورو فبات في مطلع 2007 العملة الأهم في التداول الدولي من جهة القيمة، والعملة الأهم في أسواق السندات الدولية. وسيلعب استمرار هذا الاتجاه دوراً حاسماً في ارتفاع العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي وبروز مصاعب مهمة في استقدام نحو مليارين ونصف المليار دولار يومياً من الخارج في ظل تسجيل معدل الادخار الشخصي عام 2006 نسبة نمو سالبة للمرة الأولي منذ الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين. وستحاكم الدول ذات الفائض أمريكا يوماً لا علي الحروب غير الضرورية التي شنتها علي الشعوب في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، ولا علي إدخال البشرية في حقبة جديدة من القتل والتعذيب وإلغاء حقوق الإنسان التي ضمنتها المعاهدات والأعراف الدولية منذ الحرب العالمية الأولي، بل علي إخفاقها في سداد ديونها الفلكية.

عصر الأزمات

كما نجحت صناعة الترويج الأمريكية في ماديسون أفنيو (شارع وكالات الدعاية والاعلان الأمريكية في نيويورك) أيما نجاح في تحويل أزمة الدولار في بداية السبعينات إلي أزمة النفط وتحويل السخط الدولي علي الأزمة من مسببه الحقيقي (إدارة الرئيس نيكسون) إلي الدول النفطية، فإن التركيز شبه المطلق علي المضاعفات العسكرية لحرب فيتنام أخفي بصورة ذكية أهم المضاعفات النقدية والاقتصادية لتلك الحرب علي الإطلاق وهو قرار عام 1971 بإلغاء النظام النقدي العالمي القائم علي اتفاقات بريتن ودز . وتضمن القرار وقف العمل بمبدأ تحويل الدولارات إلي ذهب نتيجة هبوط احتياط الذهب بسبب ارتفاع نفقات الحرب. ولحق بتعويم سعر صرف الدولار آنذاك اضطراب حركته في أسواق القطع وعزوف الدول الصناعية الكبري عن اقتنائه إلي أن تمخضت المحادثات التي تولاها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية مع عدد من دول أوبك عامي 1973 و1974 عن اتفاق تضمّن موافقة الحكومة الأمريكية علي رفع سعر برميل النفط في مقابل استمرار الاعتماد الحصري علي الدولار عملة للاتجار بالنفط وإيداع قسم كبير من العائدات النفطية في حسابات مصرفية خاصة عُرفت باسم حسابات البترودولار .
وعشية رفع أسعار النفط بنسبة 400 بالمئة كانت الدول الصناعية الغربية وغيرها تحاول التخلص من احتياطها من الدولار المكشوف وإذ بها تنزل إلي أسواق القطع لشراء أكبر كمية ممكنة من الدولارات لدفع فواتير النفط. وأدي اشتداد الطلب علي الدولار إلي دعم وضعه فتحسنت أسعار صرفه في مقابل العملات الرئيسية الأخري، وتجاوز المشاكل الحادة التي كان يواجهها في الوقت الذي بدأت فيه مضاعفات أزمة النفط . وأنتجت هذه الأزمة أزمتين فرعيتين: الأولي الأزمة العالمية التي تمثلت بركود اقتصادي عميق، والثانية اكتشاف الولايات المتحدة أن تعميم الديون الدولارية علي العالم يمكن أن يقدم حلاً دائماً للعملة الأمريكية المكشوفة لأنه يضمن استمرار الدول المستدينة في استبقاء الدولار بل وشراء المزيد منه لخدمة الديون. واستخدمت البنوك الأمريكية والبريطانية الودائع البترودولارية لهذا الغرض فارتفعت أعباء الدول المستدينة مما تسبب في تدهور الموازين التجارية وموازين المدفوعات. وعجزت دول كثيرة عن خدمة ديونها وأعلنت دول مثل المكسيك الإفلاس خلال أزمة ديون أمريكا اللاتينية ، وساد الكساد وفقد عشرات الملايين أعمالهم وتراجعت أحوالهم المعيشية وظلت في حال هبوط إلي سنوات قليلة خلت. وبفضل نفط أوبك اكتشفت أمريكا في سنوات لاحقة طريقة للحصول علي وارداتها من الدول الآسيوية الصناعية مجاناً لقاء الدولارات المكشوفة، فتراكمت لدي اليابان والصين وتايوان وكوريا الجنوبية وغيرها جبال من الدولارات فاستردتها الولايات المتحدة لقاء أوراق مطبوعة أخري هي السندات وأوراق الخزينة. ولا يزال نفط أوبك العربي الأرضية الأصلب التي يقف عليها الدولار، فيما تقف الديون وأذونات الخزينة والسندات علي أرضية أقل صلابة، وتقف طائرات إف ـ 16 وإف ـ 22 متأهبة في القواعد العسكرية في بلاد النفط وما حولها وفي اليابان لإقناع الدول ذات الفائض باستمرار اعتماد الدولار وشراء الديون.
وبما أن مجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي الأمريكي) يستطيع طباعة أي كمية من الدولارات إذا وجد من يقتنيها فإن النتيجة، في ما يتعلق بدور النفط علي الأقل، تدعو إلي الدهشة كما أوضح الخبير المالي الدولي هنري ليو: عندما يُقوّم سعر النفط بالدولارات بقرار حكومي، وعندما تكون العملة عملة غير مغطاة مثل الدولار، فإن الولايات المتحدة تملك في واقع الأمر نفط العالم المقوّم بالدولار مجاناً. وكلما طبعت الحكومة الأمريكية كميات جديدة من العملة الخضراء ارتفعت الأصول التي تملكها (النفط ضمناً). وهكذا نجد أن اتباع سياسة تدعم قوة الدولار يعطي أمريكا فرصة تحقيق فوز مزدوج .
وفي ايلول (سبتمبر) عام 2000 أعلن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أن الدولار عملة أعدائنا ولن يقبل العراق عائدات النفط إلا باليورو. ولم يكن لمجلس الأمن صلاحية تحديد عملة البيع فوافق علي طلب الحكومة العراقية تقاضي العائدات باليورو، ثم وافق في وقت لاحق علي تحويل نحو 10 مليارات دولار في الصندوق الاحتياط الخاص ببرنامج النفط مقابل الغذاء إلي العملة الأوروبية. وكتب المؤلف وليام كلارك الخبير الدولي في نزاعات النفط والعملات في شباط (فبراير) 2003 (أي قبل الغزو) مقالاً يُصنّف التاسع عشر في لائحة تضم 25 مقالاً مهماً تجنّبها إعلام المؤسسات الأمريكي: خطّ صدام نهايته بيده عندما قرر التحول إلي اليورو آخر 2002، ولا مناص الآن من فبركة حرب خليجية أخري في عهد بوش الابن. ولا يمكن وقف هذه الحرب إلا في أقصي الحالات وأشك بقدرة أي شيء علي منع نشوب هذه الحرب باستثناء إطاحة صدام وإحلال نظام طيع محله. وقضي الرئيس الراحل صدام لكن بعدما أرشد الآخرين، بوعي أو بغيره، إلي عقب أمريكا الدولاري فبدأت إيران عام 2003 تقاضي عائداتها باليورو والسعي إلي تسعير النفط والغاز باليورو، ولم تلبث أن لحقتها روسيا وهما أكبر منتجين للغاز الطبيعي في العالم ومن أكبر مصدري النفط، وبدأت دول عدّة تنويع جزء معتبر من احتياطاتها النقدية مثل ماليزيا وفنزويلا.
وكما رفعت أوبك أمريكا إلي عرش العالم الاقتصادي بعدما فرضت الدولار علي الدول، فبيد أوبك والدول الأخري صاحبة الاحتياط الدولاري الكبير تنحية الولايات المتحدة عن عرشها النقدي كما بيّنت الدكتورة سونيا إبرو التي تعتبر من أشهر المعلقين الاقتصاديين في أمريكا: إن تحوّل أوبك من الدولار إلي اليورو في ظل هشاشة الاقتصاد الأمريكي سيؤدي إلي انهيار سريع ومدمر للدولار الأمريكي وسوق وول ستريت (سوق الأسهم) مما يجعل الكساد الكبير عام 1929 بالمقارنة هزة خفيفة تماثل خسارة 50 دولاراً علي طاولة القمار .
وتكشف الدراسة المتأنية لخلفيات غزو العراق وجود قروح نقدية ونفطية أمريكية مؤثرة طمست معظمها الهستريا الاعلانية الأمريكية عن الديمقراطية والحرية والتحرر. ويعود بعض هذه القروح إلي مرحلة التسعينات عندما تحولت الولايات المتحدة من أكبر دائن في العالم إلي أكبر مدين، ومن أكبر مصدر في العالم إلي أكبر مستورد.
ومنذ بداية التسعينات بدأت القاعدة الأمريكية الصناعية بالتقلّص وارتفعت فوق أنقاض مصانع السيارات والمصاهر وورش العمل السوبرماركات ومخازن البضائع الآسيوية وأماكن اللهو والترفيه وبات الاقتصاد في الجزء الأكبر منه اقتصاداً استهلاكياً وخدماتياً يقوم علي الاستدانة الشخصية شبه الدائمة وقدرة ربات البيوت علي التسوّق. ولم تعد أمريكا قادرة علي إنتاج بضائع كثيرة تغري حتي الأمريكيين بشرائها ناهيك عن الصينيين والتايوانيين والكوريين وغيرهم. وما النكبة التي حلت بديترويت، عاصمة صناعة السيارات الأمريكية، إلا مثال واحد علي ما يحدث في أمريكا إذ خسرت المدينة أكثر من نصف سكانها خلال السنوات الثلاثين الماضية نتيجة المنافسة اليابانية والكورية الجنوبية، وصارت البيوت الكبيرة تُباع بالمزاد بآلاف قليلة من الدولارات.
ولا نضعف أهمية أسباب أخري إذا أشرنا إلي أن الهستريا الأمريكية الخاصة بنشاط إيران النووي تضمنت هي الأخري محتوي اقتصادياً ودولارياً فيما بدأت أمريكا وبريطانيا تمهدان لغزو العراق آخر 2002. ورأي محللون كثيرون خارج نطاق إعلام المؤسسات أن كل ما قالته الحكومة الأمريكية عن احتمال تطوير إيران قنبلة نووية مجرد مزاعم تبدو نسخة طبق الأصل عن المزاعم الخاصة بوجود أسلحة الدمار الشامل في العراق. ولم تقدّم الحكومة الأمريكية أي برهان أكيد علي وجود نية لدي إيران لصنع قنبلة نووية، لذا يعتقد كثيرون أنه حتي لو لم تكن هذه الأزمة قائمة فالأرجح أن تجد واشنطن عذراً ما وتطوره بمساعدة الإعلام لتحويله إلي خطر يدب الرعب في قلوب الأمريكيين للموافقة علي تدمير إيران بهدف حقيقي هو تدمير قدرتها علي اتخاذ القرار المستقل عن أمريكا الخاص بالطاقة وبعملة التجارة الخارجية والاحتياط النقدي.
وكما زعم الرئيس الأمريكي بولك عام 1836 أن المكسيكيين سفكوا الدم الأمريكي فوق التراب الأمريكي لتبرير الحرب التوسعية ضد المكسيك، وكما زعم الرئيس جونسون أن البحرية الفيتنامية الشمالية هاجمت السفن الحربية الأمريكية في خليج تونكين (4/8/1964) لبدء قصف تلك الدولة، فإن الجنرالات الأمريكيين في العراق زعموا في شباط (فبراير) 2007 أن إيران مسؤولة عن تهريب أسلحة إلي العراق قتلت 170 جندياً أمريكيا وحليفاً وجرحت 620 آخرين منذ عام 2004 ولا يعني هذا أن أمريكا ستهاجم إيران حتماً لأن أزمتها في العراق صارت عام 2007 فوق ما تحتمله حتي دولة عظمي في حجم أمريكا. ومن الملفت أن يواكب زعم الجنرالات الأمريكيين تهريب الأسلحة الإيرانية إلي العراق المحادثات التي كانت الإدارة الأمريكية تجريها مع كوريا الشمالية التي اعتبرها الرئيس بوش أحد محاور الشر إلي جانب العراق وإيران للاتفاق علي حل للخروج من أزمة السلاح النووي. وفي حين وافقت واشنطن عملياً علي كل ما طلبته كوريا الشمالية، التي يُرجح وجود قنبلة نووية لديها أو أكثر، لقاء تنازلات جد بسيطة، فإن هستريا احتمال نجاح إيران في صنع قنبلة ذرية في يوم من الأيام لم تتوقف للأسباب المعروفة نفسها ولسبب آخر هو أن كوريا الشمالية مستهلك للنفط الثقيل لا يجاور الخليج، فيما إيران منتج كبير للنفط والغاز الطبيعي معاً ويطل بحدوده الممتدة آلاف الكيلومترات علي أكبر بحيرة للنفط في العالم.

ہ عمل عادل سعيد بشتاوي في الصحافة العربية منذ أكثر من 35 عاماً وشغل منصب مدير التحرير المركزي في وكالة أنباء الامارات، وهـو مــن المؤسسين في صحيفتــي الشرق الأوسط والحياة. نشر عدداً من الدراسات والأبحاث التاريخية والروايات والمجموعات القصصية منها تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية ، الأمة الأندلسية الشهيدة ، حدائق اليأس ، زمن الموت والورود ، بقايا الوشم ، الأندلسيون المواركة ، وغيرها.

محمود السيد الدغيم: دراسة تاريخية موثقة عن نكبة المسلمين في الأندلس

دراسة تاريخية موثقة عن نكبة المسلمين في الأندلس : قرن أخير من المواجهات
الكاتب: محمود السيد الدغيم
جريدة الحياة: العدد: 13596 ، الصفحة: 21
تاريخ النشر: 2 صفر 1421 هـ/ 4 حزيران/ يونيو 2000م

الكتاب: الأمة الأندلسية الشهيدة: تاريخ مئة عام من المواجهة والاضطهاد بعد سقوط غرناطة

المؤلف: عادل سعيد بشتاوي

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الأولى، بيروت ٠٠٠٢.

كتب المؤلف تصديراً للكتاب أن هذا الكتاب هو ثمرة ربع قرن من الاهتمام بتاريخ الأندلس، وهو أكثر من تعديل وتعقيب وتطوير لكتاب: »الأندلسيون المواركة» الذي صدرت طبعتُهُ الأولى منذ ٧١ سنة، إنه كتاب جديد خُصِّص لرحلة الأندلسيين بعد سقوط غرناطة الى أبعد مدى اهتدى اليه المؤلف في ما يخصُّ فَهْمَ تطور العلاقات بين الأندلسيين والاسبان في القرن السادس عشر الميلادي مع تسليط الضوء على علاقاتهم في القرن الثامن لفهم أسباب تبدل طبيعة العلاقات الدينية في شبه جزيرة آيبرية. أعقب المؤلف تصدير الكتاب بفهرس محتوياته التي تضمّ مدخلاً تاريخياً، وملاحظات على متن الكتاب وخمسة فصول وملاحق ومصادر وجداول.

يمكننا تصنيف »المدخل التاريخي» في باب فلسفة التاريخ إذ يقرر الكاتب أننا “نحن أبناء الماضي، وإذا كان الماضي هو التاريخ فنحن أبناء التاريخ أيضاً/…؛ صنيعة الماضي الذي هو في وجداننا، وكما يحاول الطفل أن يتعرّف على نفسه من خلال التعرف على أبيه فإن معرفة التاريخ فرسخ مُهم في الطريق الى معرفة أنفسنا، كما ستكون هذه المعرفة مهمة كي يعرفنا الآخرون عندما نصبح جزءاً من التاريخ المجبول بخلطة الأحداث التي كونت حضارات الأسرة البشرية، وقبل أن تصبح معرفة الماضي طريقنا الى معرفة الحاضر. يجب أن نتحقق من أن صورة التاريخ هي صورة الأحداث الحقيقية التي صنعته، وليس المرآة التي نسج بعض المؤرخين على نولها ما قُدِّم لنا في المئة سنة الماضية على أنه التاريخ…”.

ويُبدي الكاتب أسفه لوجود دعاة التأريخ الذين »لا يزالون يبحثون عن منافذ جدلية لاستخدامها جسراً يعبرون عليه الى ساحة الهجوم على الاسلام، وتأجيج الروح الصليبية التي نريد أن نعتقد أننا انتهينا منها«. ويقدم المؤلف وجهة نظره في التاريخ والمؤرخ، والدين والمصالح، ومكانة الأندلس وأهلها بين شعوب الأرض باعتبارهم جسراً حضارياً بين الشرق والغرب، ويبدي رأيه بانهيار الخلافة القُرطبية، والحروب الصليبية الغربية، وصولاً الى القرن الثالث عشر الميلادي »عندما اجتاح القشاتلة والبرتغال والأرغونيون وسط الأندلس«. وبحث في سقوط غرناطة، وبدء اضطهاد الأندلسيين، والتطورات الدولية أثناء سقوطها، وقيام الثورة الأندلسية الكبرى التي استمرت ثلاث سنوات أيام الملك فيليب الثاني الذي أصدر مرسوماً يُخوِّلُ الجنود قتل الأندلسيين وسبي نسائهم ابتداء من ٩١ تشرين الثاني /نوفمبر؛ سنة ٠٧٥١ م.

ودفع الأندلسيون ثمن الحرية من دون أن تتحقق بل وقعت مأساة الأمة الأندلسية، وتمثلت المأساة »بمحاكم الشيطان« وتغريب الأندلسيين، واستيلاء أوروبا على تركاتهم، وبطش البرابرة بالحضارة الأندلسية التي تحولت الى طيف يداعب الخيال. »ووجد الأندلسيون المنفيون وطناً بديلاً في المغرب وتونس ومصر ودمشق والقسطنطينية وعشرات الدول والمدن، لكن آخرين عانوا كثيراً، فيما لقي بعضهم نهايته على يد الإخوة في الدين والقومية كما يؤكد المقري: /فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من المضرة…؛«. وعنوَن المؤرخ الفصل الأول بـ»لماذا سقطت الأندلس» فضمّنه أحوال »آيبرية قبل الفتح» ابتداء من نزول الفينيقيين أجداد القرطاجيين على السواحل الجنوبية منذ سنة ٠٠١١ قبل الميلاد تقريباً وسيطرتهم المطلقة حين بنوا مُدناً أعطوها أسماء مدنهم اللبنانية مثل /قادس، وعدرة، وترشيش، ومالقة؛ ثم أسسوا قرطاجة في تونس سنة ٠٥٨ ق.م، ومنها انطلقوا الى الأندلس فأسسوا /قرطبة واشبيلية، /اسفيلية، وميورقة، ومنورقة، وقرطيّة /برج قرطجنة؛؛.  وبعد الحروب البونية انتصر الرومان على القرطاجيين من سنة ٥٥٢ ق.م. حتى سنة ١٤٢ ق. م.

ولما آلت زعامة القرطاجيين الى هنيبعل سنة ١٢٢ ق.م. قاد حرباً ضد روما انطلاقاً من الأندلس سنة ٨١٢ ق.م ومروراً بجبال البيرنيه ثم جبال الألب، وهزم الرومان قرب روما، ولكنه هزم في معركة زامة سنة ٢٠٢ ق.م. بعدما انضمت آيبرية الى روما منذ سنة ٢١٢ ق.م. ثم أصبحت روما امبراطورية عالمية أخضعت آيبرية لسلطتها بعد مئتي سنة من الحروب، ثم نقل قسطنطين عاصمة امبراطوريته الى بيزنطة سنة ٠٣٣ م. وسماها »قسطنطينوبل« وصارت عاصمة للامبراطورية البيزنطية الشرقية الرومية الأورثوذكسية، وضعفت الامبراطورية الرومانية الغربية بعدما مات الامبراطور ثيوديسيوس سنة ٥٩٣ م.، وغزاها القوط حيث دخلها زعيمهم أدواسر سنة ٦٧٤ م وعزل آخر أباطرتها رومولوس أوغسطوس، وقام الصراع بين القوط والوندال ولكن الامبراطور البيزنطي جوستنيان قضى على الوندال سنة ٤٣٥ م. ثم قضى على القوط سنة ٣٥٥ م. بعدما ضم شبه جزيرة آيبرية الى الامبراطورية البيزنطية سنة ٥٣٥ م. ثم نشأت المملكة القوطية الغربية في آيبرية ٥٧٥ م.، وقرر المجمع المسكوني الثالث اعتماد المذهب الكاثوليكي سنة ٩٨٥ م.، وبدأ الصراع على السلطة منذ سنة ٣٢٦ م. حتى سنة ٨٠٧ م. حيث نصّبوا لزُريق /رودريك؛ ملكاً وخلعوا غيطشة /فيتسيا؛، وساد الاضطراب السياسي والصراع المذهبي شبه جزيرة آيبرية. في فترة الاضطراب الآيبرية كان الدعاة المسلمون يتوسعون شرقاً وغرباً في عهد الخلافة الاسلامية الأموية كامتداد للفتوحات التي عقد رايتها الأولى النبي محمد /صلى الله عليه وسلم؛، وسار على سُنّته الخلفاء الراشدون ثم الأمويون. فوصل المسلمون الأندلس بناء على أمر الخليفة الثالث عثمان بن عفان /رضي الله عنه؛ إذ أمر عبدالله بن أبي سرح بتوجيه جيش الى الأندلس لفتح القسطنطينية التي »تفتح من الغرب« بحسب ما رواه الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله.

وهذه المحاولة الأولى لم يذكرها المؤرخ عادل بشتاوي على رغم أهميتها؛ إذ اعتبر طليعة الفتح حملة طريف بن مالك النخعي سنة ١٩ هـ/٠١٧ م، ثم قاد الغزوة الكبرى طارق بن زياد سنة ٢٩ هـ/ ١١٧ م وخاض المعركة في ٩١ تموز /يوليو؛ ١١٧ م بعد نزوله على البر الاسباني في ٨٢ نيسان /ابريل؛ ١١٧ م وحقق النصر بعد معركة استمرت ثمانية أيام ثم توالت انتصارات المسلمين ودخل الأندلسيون في دين الله أفواجاً. وقامت في الشمال حركات معارضة للمسلمين تزعمها بلايو /بلي، أو بلاي؛ الذي خلفه ابنه /فافيله؛ سنة ٩١١ هـ/ ٧٣٧م. ثم مات بعد سنتين فحلّ محله الفونسو الأول الكاثوليكي فامتدت زعامته حتى سنة ٧٥٧ م وسيطر على »منطقة استرياس وجليقية وليون، ثم خلفه ابنه فرويلة الأول فسار على نهج أبيه« وحينذاك شهدت الأندلس تمرد البربر ضد الاندلسيين والأمويين، ثم ساد التناحر وانتصر البشكنس /الباسك؛ على يوسف بن عبدالرحمن الفهري /٦٤٧ / ٦٥٧م؛ وحينذاك وصل الأندلس صقر قريش عبدالرحمن الداخل الأموي، وغلامه بدر، وقاد الصراع ضد الفونسو الثاني /٣٤٧ / ١٩٧ م؛، وبعد ذلك قاد المسلمين الأمير محمد بن عبدالرحمن /٢٥٨ / ٦٨٨ م؛ ضد الملك آردون الأؤل /٠٥٨ / ٦٦٨ م؛ ثم استغل الفونسو الثالث /٦٦٨ / ٠١٩ م؛ مرحلة الاضطراب التي عصفت بالمسلمين فتقدم الى نهر دويرة. ثم جاء الخليفة عبدالرحمن الثالث الناصر لدين الله فقضى على حركات التمرد الداخلية وامتد حكمه من سنة ٢١٩م. حتى سنة ١٦٩ م، وأعلن الخلافة الاسلامية الأموية في الأندلس سنة ٦١٣ هـ/ ٩٢٩ م وفي عهده ازدهرت الحضارة الاسلامية في الأندلس ووصلت القمة، وخاضت صراعاً مع رُدمير الثاني /٢٣٩ / ٠٥٩ م؛ وأصبحت الخلافة الاسلامية الأندلسية أقوى قوة عسكرية في عهد المستنصر بالله /١٦٩ / ٦٧٩ م؛ وخلفه ابنه هشام الثاني، المؤيد بالله وكان صغير السن فبدأت الانشقاقات وظهر ملوك الطوائف مع مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، وجابهتها قوات قشتالة وآرغون والبرتغال الموحدة التي أخضعت دويلات الطوائف فسقطت سرقسطة سنة ٢١٥ هـ/ ٨١١١ م، وانقضّت البرتغال على الأندلس جنوباً، وساهم الفرنسيون /الفرنجة؛ في سقوط الأندلس ابتداء من معركة تولوز /طلوزة؛ سنة ٧٠١ هـ / ٥٢٧ م، ثم معركة الزلاقة ٦٨٠١ م/ ٩٧٤ هـ، وساهموا في اسقاط سرقسطة، وموقعة العقاب الحاسمة سنة ٢١٢١ م/ ٩٠٦ هـ التي دعمها البابا أنوصان الثالث، وسار على خطاه البابا غريغوريوس التاسع /٧٢٢١ / ١٤٢١م؛ بإضفاء صبغة الحروب الصليبية على حرب الأوروبيين مع مسلمي الأندلس، وكرس فرناندو الثالث قديساً /٧١٢١ / ٢٥٢١م؛. ولما اعتلت ايزابيلا عرش قشتالة سنة ٩٧٨ هـ/ ٤٧٤١ م، واعتلى فرناندو عرش آرغون بارك البابا سيكستوس الرابع /١٧٤١ / ٤٨٤١ م؛ اتفاق فرناندو وايزابيلا على مملكة غرناطة المسلمة كردٍّ انتقاميّ على فتح السلطان العثماني محمد الفاتح لمدينة اسطنبول سنة ٣٥٤١ م، وفتحه »٢١ مملكة و٠٠٢ مدينة في جنوب أوروبا”.

وهكذا مول البابا سيكستوس الحملة /كروثادا؛ ضد الغرناطيين وساهم في تمويلها »اليهود والايطاليون والهولنديون والألمان، وبعد موت فاسيكستوس استكمل البابا أنوصان الثامن /٤٨٤١ / ٢٩٤١ م؛ ما بدأه سلفه، فأحيا الحملة البابوية على غرناطة سنة ٠٩٨ هـ/ ٥٨٤١ م/…؛ وكتب فرناندو الى البابا يبشره بانهاء آخر وجود اسلامي سياسي في شبه جزيرة آيبرية/…؛ في اليوم الثاني من كانون الثاني /يناير؛ سنة ٢٩٤١م«. وتناول المؤلف في الفصل الثاني الثورة الأندلسية الأولى بعد توزُّع الأندلسيين الذي أعقب سقوط غرناطة، وإطلاق البابا اسكندر السادس لقب: الملكين الكاثوليكيين، على فرناندو وايزابيلا سنة ٤٩٤١ م، فضيَّقا الخناق على المسلمين بالتجسس عليهم بواسطة الكاهن خيمينس ومُخبريه مما سبب مقتل بعض مخبريه وأدى الى ثورة حي البيازين الغرناطيين ابتداء من تشرين الثاني /نوفمبر؛ سنة ٩٩٤١ م وامتدت الثورة الى الجبل الأحمر، وكان الرد باصدار ايزابيلا مرسوم تنصير الأندلسيين في ٢١/٢/٢٠٥١ م. ما أدى الى استشهاد وتهجير الكثيرين على أيدي قوات الامبراطورية الاسبانية الكاثوليكية. ثم قامت الثورة الأندلسية الكبرى /أنظر الفصل الثالث ص: ٥٤١؛ بعد أن هاجم الكاثوليك المسلمين في بُلنسية ونصروهم بالقوة /٩١٥١ / ١٢٥١ م؛ وعمت الثورة في تلك الفترة أهل المدن في آرغون، وشهدت غرناطة تنفيذ أحكام محاكم التفتيش بحرق المسلمين سنة ٩٢٥١م، وازداد الصراع الكاثوليكي الاسباني مع الخلافة الاسلامية العثمانية في أوروبا الشرقية وسواحل البحر الأبيض المتوسط وشمال افريقيا فشدد الاسبان على المسلمين الحصار، وتنازل كارلوس عن العرش الاسباني لابنه فيليب سنة ٦٥٥١م فأعلن الحرب على المسلمين وعلى فرنسا وعلى البروتستانت، واعتبر البروتستانت هراطقة وأمر بإحراقهم أيضاً ودعم محاكم التفتيش، واتهم الأندلسيين بالتعاون مع العثمانيين سنة ٥٦٥١، ووقف البابا بيوس ضد التسامح الديني /٤٠٥١ / ٢٧٥١م؛ ودعا الى تحالف اسبانيا والبندقية ضد العثمانيين سنة ١٧٥١ م، وجرّاء ازدياد الضغط على مسلمي الأندلس بدأت شرارة الثورة في ٥٢/٤/٨٦٥١ م في جبل البشرات، ثم دخل الثوار غرناطة بقيادة فراس بن فراس ثم عادوا الى جبل البشرات مقرّ القائد العام للثورة ابن أمية /ابن هميّة؛ الذي سماه الاسبان هرناندو دي بالور. وكلف الملك فيليب أخاه غير الشرعي وابن محظية ابيه النمسوية، دون خوان النمسوي بالقضاء على ثورة المسلمين وبدأت المواجهات الشرسة منذ سنة ٩٦٥١ م وانتهت الثورة في منتصف سنة ١٧٥١ م بعدما استشهد ٠٢ ألف مسلم وجُرح ٠٦ ألفاً، وأُعدم عشرات الآلاف، ومات فيليب الثاني سنة ٨٩٥١ م وخلفه فيليب الثالث وبدأ تفكك الامبراطورية الاسبانية.

تناول الكاتب في الفصل الرابع طبيعة العلاقات الدينية في الأندلس وما أفرزته محاكم التحقيق، وهذا الفصل غني بالاحصاءات لأعداد المسلمين الذين حكمَ عليهم بالموت قتلاً وحرقاً وخنقاً، وأوضح دور البابوية الكاثوليكية في إذكاء نيران فتن الاضطهاد الديني للمسلمين واليهود والمسيحيين غير الكاثوليك واتهامهم بالهرطقة، وإباحة تعذيبهم وقتلهم بالوسائل اللاإنسانية كافة التي ابتكرها الطغاة عبر التاريخ. وجمع صور ما أنتجته محاكم التفتيش من مآسٍ المؤرخ الاسباني خوان انطونيو لورنتي الذي جمع أربعة مجلدات قبل موته سنة ٣٢٨١ م وضمّنها وثائق المحاكم اللاإنسانية بما فيها من قصص الضحايا المحزنة. وذكر أن عدد الأندلسيين والأندلسيات الذين حُرقوا هو ٢١٩،١٣ رجلاً وامرأة وعدد الذين غُرِّموا ٠٥١،١٧٢، فبلغ عدد ضحايا المحاكم ٢٦٣،٣٠٣ أندلسياً وأندلسية، هذا باعتراف لورنتي »الذي شغل منصب الأمين العام لمحكمة التحقيق في مدريد« ونشر كتابه في باريس سنة /٧١٨١ / ٨١٨١ م؛. وتفيد الوثائق أن المحاكم استمرت بحرق المسلمين الأندلسين حتى سنة ٩٦٧١م، وكان إلغاء محاكم التحقيق بأمر من الملك الفرنسي جوزيف الذي نصبه أخوه نابليون بونابرت ملكاً على اسبانيا سنة ٨٠٨١ م بعدما خلع ملكها فرناندو السابع، وقام نابليون باعتقال البابا بيوس السابع وسجنه إذ كانت البابوية مؤيدة لمحاكم التفتيش. لكن الاسبان استعانوا بالانكليز على الفرنسيين فأخرجوهم من اسبانيا سنة ٤١٨١ وأُطلق سراح البابا بيوس السابع. وعاد فرناندو الى الحكم فأعاد تأسيس محاكم التفتيش بموافقة البابا بيوس السابع، فقامت ثورة اسبانية ضده فاستعان بالفرنسيين فدخلوا اسبانيا سنة ٣٢٨١ وأخمدوا الثورة وعطلوا »محاكم التفتيش« إلا أنه حوّلها الى منظمات ارهابية عرفت باسم »عُصَبُ الإيمان« وشنقت معلماً سنة ٦٢٨١ بتهمة الهرطقة. وحُلّت محاكم “عُصب الإيمان” سنة ٥٣٨١ بعد وفاة فرناندو سنة ٣٣٨١. وفي ٩١/٩/٨٩٩١ اعتذر البابا يوحنا بولس الثاني “للبروتستانت عن الأذى الذي لحق بهم في القرن السادس عشر وما بعده على ايدي الكاثوليك…”

وخلص المؤلف الى وصف ما خلفته محاكم التحقيق الاسبانية: بالتركة اللاأخلاقية الثقيلة. عُقِدَ الفصل الخامس تحت عنوان »تغريب الأندلسيين من اسبانيا« وتضمن مأساة الأمة الأندلسية قبل التغريب، وأسباب التغريب لاعتبارات اسبانية، وما صادف ذلك من انتفاضات الأندلسيين المُغربين، ثم عرض مواطن الأندلسيين الجدد بعد التغريب، وذكر أن »هناك حالات كثيرة عن إسبان ظلوا مسلمين حتى القرن التاسع عشر وربما بعده أيضاً…«. وقدم معلومات مفيدة عن المسلمين في المغرب وتونس والجزائر وجنوب فرنسا وكورسيكا وألمانيا وهولندا وسويسرا وولايات السلطنة العثمانية في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية، ومستعمرات اسبانيا في أميركا الجنوبية.

ويمتاز الكتاب بعدد وافر من الرسوم والصور والجداول التاريخية والاصطلاحية، والمصادر والمراجع العربية والأعجمية مما يعطيه أهمية أكاديمية الى جانب تناول وقائع الأحداث بأسلوب ممتع وتحليل ثاقب للأحداث.

نص دراسة الدكتور الدغيم بتنسيق بي دي اف

دراسة تاريخية موثقة عن نكبة المسلمين في الأندلس

المقدمة الكاملة لكتاب تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية

 بسم الله الرحمن الرحيم،
والحمد لمن لا يحمد سواه ولمن بيده الملك والقوة وله العزة والعظمة والجبروت، والصلاة والسلام على نبيّه محمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه والصالحين والمخلصين إلى يوم الدين، واستغفرك الله أنت ربي لا إله إلا أنت فإنه لا يغفر الذنوب سواك، وقو المظلومين وثبّت أقدامهم إنك أنت الغلاب العظيم، وأنت من حرّم الظلم على نفسه فحرّمه على الناس. وبسم الله الرحمن الرحيم ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. صدق الله العظيم، واستغفره، وبعد،

عرض كتاب تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية

 مصطفى عبد الرازق
السبت ٢٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦
روح التخوين كانت هي سلاح الأنظمة فمن كان ينادي بالحرية وحكم القانون يتهم بالعمالة للاستعمار وذهب الاستعمار فصار يتهم بأنه عميل للإمبريالية ولم يعد لهذا الاتهام معنى فصار يتهم بأنه شيوعي وسقطت الشيوعية فصار يتهم بالإرهاب
يقدم هذا الكتاب صورة بالغة المأساوية لأوضاعنا في عالمنا العربي وهو ينطلق من فرضية أن الأمة خلال ستين عاما عاشت جحيم ظلم أذاقتها الأنظمةكل نكهة منه. فمن ظلم باسم الحرب على الإرهاب إلى ظلم باسم الحرب على المتشددين إلى ظلم باسم الدفاع عن الدين، وظلم باسم الوحدة وباسم التقدمية وباسم المحافظة وباسم الوطنية وباسم القومية وباسم الاشتراكية.

قراءة في كتاب تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية

 حسام الدين محمد
الاربعاء ٢١ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦
جميع الانقلابيين في العالم العربي واجهوا أزمة شرعية واعتمدوا على البيعة الخارجية للدول العظمى الغرب لا يريد تدمير الإسلام والصراع اليوم ليس بين الغرب والشرق بل بين الأنظمة الظالمة وشعوبها.
 تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية كتاب عادل بشتاوي الصادر مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر يقدّم خبرات الكاتب الطويلة في مجالات الرواية والقصّ والاعلام والصحافة الاقتصادية والتكنولوجية في مؤلّف فريد من نوعه، فأسلوب الكاتب كثيرا ما يذكّرنا بالكتابة الكلاسيكية القديمة، التي يقمّشها كتّابها بالقصائد والقصص الشخصية والعامة، لكن مواضيعه ومطالعاته تنتمي في توجهها العام الي التحريض السياسي المباشر، غير ان عمقها يمتح من التحليل النقدي الحديث، بما فيه من احصاءات ومعلومات دقيقة.

دراسات أندلسية

الاسلام في اسبانيا والبرتغال – تاريخ سياسي للاندلس
المؤلف: هيو كنيدي.
الناشر دار لونغمان – لندن.
راجعه: أمين توفيق الطيبي *
مؤلف الكتاب هيو كنيدي هو أستاذ التاريخ الاسلامي بجامعة سنت أندروز في اسكتلندا، يقول في مقدمته ان الكتاب يستهدف تقديم عرض للتاريخ السياسي للاندلس، أي تلك الأجزاء من شبه جزيرة ايبرية التي كانت تحت حكم المسلمين ما بين سنة 92هـ/711م (سنة بدء افتتاح الاندلس) وسنة 897هـ/1492م، سنة سقوط مملكة غرناطة، آخر دولة اسلامية مستقلة في الاندلس.

عادل بشتاوي: التركة الأندلسية في تونس

تغريب الأندلسيين
خرجت قشتالة من معركتها العسكرية ضد الأندلسيين بانتصار كبير، لكنها خرجت من معركتها الحضارية والدينية مع الأندلسيين بهزيمة كبيرة. وبعد 100 عام من الاضطهاد والتنصير القسري والنهب المنظّم لم تستطع اسبانيا إقناع الأندلسيين بأن كاثوليكية القشاتلة أفضل من الإسلام، وبأن اللغة القشتالية أكثر تعبيراً من العربية، وبأن لحم الخنزير أفضل من لحم الضأن، وبأن السروال القشتالي أفضل من السروال الأندلسي، وبأن مسح المؤخرة بورقة أفضل من غسلها.

الثورة الأندلسية الكبرى على الأمبراطوريـة الأسبانية

اوضاع الأندلسيين بعد الثورة الأولى
ماتت الملكة إيزابيلا بعد عامين من إصدار مرسوم 1501 الذي اعتبر كل الأندلسيين الذين بقوا في مملكة غرناطة منصّرين رسميّاً. وبدأت السلطات الدينية والمدنية تدريجاً تحويل المساجد إلى كنائس أو هدمها وحظر الصلاة ورفع الأذان والصوم والشعائر الإسلامية الأخرى لكن الأندلسيين تجاهلوا المرسوم عموماً واستمروا في ممارسة عباداتهم وعاداتهم في بيوتهم. وفي عام 1508أصدر فرناندو مرسوماًًًً جديداً حظر على الأندلسيين التخاطب بالعربية وارتداء الملابس الأندلسية وممارسة التقاليد والعادات العربية، لكن الأندلسيين تجاهلوا هذا المرسوم أيضاً. ولم تجد السلطات جدوى من محاولة تطبيقه خوفاً من إثارة الأندلسيين في مرحلة تطلبت من فرناندو تكريس جهده ووقته لعزل الفرنسيين وتثبيت ممالكه الأرغونية في البحر الأبيض المتوسط والعالم الجديد، خصوصاً أن التشدد كان سيلحق أضراراً بالغة بالنبلاء والإقطاعيين الذين وظّفوا عدداً كبيراً من الأندلسيين في مزارعهم ومصانعهم.

أسباب انهيار مبدأ التعايش في آيببرية وتأثير ذلك في عملية الطرد الكبير

ورقة المؤرخ عادل سعيد بشتاوي إلى المؤتمر العالمي العاشر للدراسات الموريسكية في زغوان (تونس)

The Collapse of the Principle of Coexistence in Iberia and its effect on the Expulsion of the Moriscos