عندما تتنفس ذكرى صلاح حزيّن من خرم إبرة الزمن

وكتب صلاح: “هذه المعرفة بالكومبيوتر واسراره (في رواية بقايا الوشم) ليست سمة عصر مختلف فقط بل هي سمة مكان مختلف ايضاً، فإن كان وسام ابن مجتمع التكنولوجيا والكومبيوتر فإن خليل والد عروب هو الابن الشرعي لمجتمع التقاليد البالية والشكوك والريبة وعدم الثقة بالنفس وعدم التسامح حتى مع اقرب المقربين اليه – الزوجة والابنة. لذا فهو حالما يعرف ان زوجته علياء وابنته عروب قضتا ليلة في لندن حتى يبدأ رحلة من الشك تتبعها رحلة من البحث الدؤوب من اجل اكتشاف ما يمكن ان يكون قد حدث مع زوجته وابنته في العاصمة البعيدة، ويثمر دأبه في هذا الاتجاه. ويصل خليل فعلا الى اكتشاف اقامة زوجته في شقة هشام فيتحول الى وحش كاسر يملأه الغضب وتستحوذ عليه الرغبة في الانتقام فيبدأ عملية مريعة من الاذلال والاهانة لزوجته والطعن في شرف ابنته التي لم يستوعب ذهنه المتخلف ارتباطها بعلاقة حب مع شاب غريب ويصر على اجراء اختبار للتأكد من عذريتها مع ما يعنيه ذلك من اهانة لانوثتها واغتصاب لكرامتها واعتداء صارخ على بكارتها بالمعنى النفسي للكلمة فضلا عن الاعتداء على بكارتها الحقيقية. وامام هذا العدوان السافر على شخصية ابنته ينتقل الى الاعتداء الجسدي عليها حتى تنهار عروب من جراء ضرب والدها المبرح لها وتكاد تفقد نظرها.”

هذه كله في متن الرواية لكن كان لصلاح رأي في نهايتها: “لكن مسار الرواية وقد شارفت على الانتهاء يعود ليأخذ منحى تصالحيا يعوزه المبرر الفني القوي بعد ذروة من العنف والقسوة البدنية والنفسية التي تستبد بخليل وتضعه على حدود طلاقه لعلياء، ويسفر هذا المنحى التصالحي عن تحول لا مقدمات له في شخصية خليل فيعيد زوجته اليه ويبارك زواج ابنته من وسام ابن غريمه القديم هشام الذي يعود الى حزنه المقيم بفقد علياء مرة ثانية بعدما كان فقدها قبل ربع قرن، وبعدما كان فقد زوجته قبل اشهر، وتنتهي قصة الحب الجديدة لوسام وعروب بالنجاح مخلفة قصة الحب القديمة بقايا وشم في قلبي هشام وعلياء.”

صلاح حزين (يسار)

 

هذا موقف أخلاقي مفهوم لأن صلاح تعامل مع أصدقائه ومعارفة ومع الحياة بأخلاقيّة. حدوده الاخلاقية معروفة لا يمكن تجاوزها. أن يقول رجل مثل خليل (في الرواية) في لحظة غضب أنه يريد أن يكشف عذرية ابنته بنفسه هو أن يتخطى حاجزاً أخلاقياً لا يمكن السماح به أو السكوت عنه. لكن،

يجب أن يُعطى الناس فرصة أخرى حتى في يوم الحساب. الخياران ليسا الجنة أو النار فحسب، هناك خيار ثالث – هو حالة من يقف على سور بين الجنة والنار، لا مكان له في الجنة، ولا مكان له في النار. الروائي عادل بشتاوي لم يُعد خليل إلى علياء (إلى الجنة) لكنّه فتح باباً انغلق بينهما لأنه لم يستطع الانتقام من زوجته علياء فانتقم من ابنتها من دون أن يعي تماماً أنها ابنته أيضاً. انتصار البنت (عروب) في النهاية كان انتصاراً لأمها وهزيمة له قبلها خليل مرغماً. في معادلة صعبة للغاية، إثنان (علياء وعروب) من ثلاثة كان عليهما أن يتغيّرا. لا حاجة لهما بالتغيّر لأنهما على حق، فتغيّر هو. هذه هي الحالة الثالثة التي انتهت بها الرواية. هُزم واعترف بهزيمته وبدأ يتغيّر بسرعة فتجاوز النار، لكنه واقف على السور.

لكي يغفر الانسان عليه أن ينسى، لكي ينسى عليه أن يتذكّر. أحياناً يسدّ التذكّر باب الغفران بعنف، وأحياناً يحدث العكس.

معظم الناس ينظرون إلى الحياة من الزاوية التي يقفون عندها لذا يرون الأشياء كما تراها أعينهم. الروائي لا يستطيع النظر إلى الحياة من زاويته. عليه أن ينتقل إلى الزاوية الأخرى وينظر من جديد، ثم إلى زاوية ثالثة ورابعة وربما تطلّب السرد النظر من زوايا نظر شخوصه الرئيسية جميعاً. من السهل إنهاء الرواية بجمع علياء وهشام مرة أخرى بعدما اجتمع ابنه وسام وابنتها عروب ودفع خليل في الهاوية. إذا دفع الروائي المذنب في اتجاه هاوية بلا قرار وأجبره على النظر الى القعر، فلماذا يريد أن يرميه في الهاوية؟ كثيرون يتغيرون بعد الوقوف على مشارف الهاوية.

يجب أن يعطى الناس فرصة، ولو كانت في الوقوف على السور. العدل لا ينتصر دائماً، ولا الظلم، هناك دائماً حالة ثالثة. بقايا الوشم، إذاً، هي رواية الحالة الثالثة.

صلاح استجلب في سرده الغربة: «الغربة عند عادل بشتاوي ليست سوى صورة اخرى للوطن. انه يستحضر الوطن ولكن ذلك لا يتم من خلال حنين اليه بقدر ما يكون من خلال المواءمة بين الوطن والمغترب، من خلال الاستعانة بالحياة في احدهما على فقد الثاني.»

الغربة ليست صورة أخرى للوطن. الغربة هي الوطن. هذه حالة ثالثة يعرفها معظم الفلسطينيين، حالة الوقوف على السور بين الوطن والغربة. الغربة ليست محطة انتظار؛ الغربة هي المحطة. بوابات الوطن عند معظم الفلسطينيين مغلقة، لكن إلى حين. ستنفتح البوابات جميعاً مرة ثانية. عندما تنفتح، وهي ستنفتح، من سيعود؟

الوطن بالنسبة للملايين ليست الغرف والحارات والشوارع؛ هو للملايين حيث يقيم الود ويعيش الآخرون المهمون في حياتهم. شباب كثيرون وبنات كثيرات وآباء وأمهات وطنهم حيث الزوجة أو الزوج والاطفال. بالنسبة لمحظوظين قلة، ربما كان حيث صديق أو أصدقاء.

إذا لم يكن لإنسان انتماء إلى من يحبهم ويحبونه فهو غريب متغرب لاعن وملعون أنى كان.

إذا صارت الغربة الوطن الحقيقي فماذا يصبح الوطن؟

عمان بالنسبة لي كانت محطة.

عندما كان صلاح فيها صارت الوطن الآخر.

صلاح ليس في عمان.

لهذا تتنفس ذكرى صلاح حزيّن من خرم إبرة الزمن على بوابة عمّان بعدما محطة عادت.

عربي وعضو شرف في رابطة الكتاب السوريين يفوز بالجائزة الأولى للرواية المالطية

«هجرة اللقلق» أخرجت الرواية المالطية من ضيقها المكاني إلى رحابة العالمية

(انظر العدد الخامس لمجلة أوراق، مجلة رابطة الكتاب السوريين)

وليد نبهان:

«أنا» في رواية هجرة اللقلق «هو» المقيم في ذاته الروائية

المرأة المالطية عذبة ورقيقة كالمرأة العربية تماما، وأنا أنشد للمرأة في كتاباتي كلها

 

احتفلت جمهورية مالطا في الخامس من كانون الأول (ديسمبر) 2014 باعلان الروائيين الثلاثة الفائزين في مسابقة الرواية للعام 2013 وفاز بالجائزة الأولى الروائي والقاص وليد نبهان، وهو فلسطيني يحمل الجنسية المالطيّة. شارك في الاحتفال الذي جرى في القصر الرئاسي (الأوبرج)  في العاصمة فاليتا  عدد من كبار المسؤولين يتقدمهم الدكتور جوزيف مُسكات  رئيس الوزراء رئيس حزب العمال المالطي الذي قدم الجوائز للفائزين، ورئيس المجلس الوطني للكتاب الذي أشرف على تنظيم الجائزة واختيار الفائزين.

الروائي والقاص والشاعر وليد نبهان عضو شرف في رابطة الكتاب السوريين، وقد نقل عضو المكتب التنفيذي في الرابطة المؤرخ والروائي عادل بشتاوي باسم الرابطة تهانيه للزميل وليد نبهان بمناسبة فوزه، وتمنى له استمرار الانتاج الابداعي والانتقال إلى العالمية، وكان لهما هذا الحوار:

 

عادل: ما هو الهدف من الكتابة بالنسبة لك؟

وليد: توجد أسباب كثيرة، ربما كان أحدها أنني أريد روايتي الخاصة بي، من منظوري أنا للعالم بأكمله، وأقصد بذلك المنظور الانساني بشكل عام. طبعاً هذا سبب لكن هناك اسباب اخرى ربما كان منها الانسلال من الواقع المحيط وتسجيل ما يحدث حولنا من الزاوية التي ينظر الروائي منها.

عادل: هل نتحدث عن المراقبة؟

وليد: بالضبط، الكتابة هي عملية مراقبة دقيقة لنفسي وللآخرين.

عادل: الواضح أنك تدرّجت في الكتابة من القصة إلى الرواية فهل هذا تطور طبيعي في الكتابة؟

وليد: هي فعلا عملية تدرج وتشبه عملية الاحماء بالنسبة لللاعب. بدأت بالقصة القصيرة لكون فضائها اصغر ويمكن مراقبة أشخاصها وتوجيههم بسهولة. صدر لي مجموعتان، الأولى عام 2009 وكانت بعنوان «عائد إلى البيت»، والثانية عام 2011  بعنوان «صوت من الفخار». بعدها وفجأة اكتشفت أن القصة القصيرة لم تعد تتسع لمتطلبات شخوصي وتطلعاتهم. كما ان الرواية في بعض الحالات ليست سوى مجموعة من القصص القصيرة التي يمكن معالجتها تقنيا لتشكل فصولا في رواية، لكن طبعاً أسلوب كتابة القصة القصيرة يختلف عن كتابة الرواية لذا من الطبيعي أن تختلف المعالجة.

عادل: هل هذه المعالجة ما يصفها البعض أحياناً بأنها معالجة النفس الطويل؟

وليد: يمكن قول ذلك، لكن ما ينطبق على عمل لا ينطبق على عمل آخر. مثلاً، خلال كتابة قصص المجموعة الثانية شعرت أن المساحة المخصصة لبعض القصص لم تكن كافية لاستيعاب ما حاولت التعبير عنه على لسان شخوص تلك القصص، لذلك اضطررت في حالة أو أخرى إلى انهائها تقنيا، لكن الشخوص طاردتني كثيراً بعد ذلك، كأن الاكتمال لم يتحقق في بناء بعض القصص.

عادل: عندما تقول «الاكتمال» فهل هو اكتمال بناء الشخصية أم اكتمال السرد، أم ماذا بالضبط؟

وليد: اعتقد أن مجال التوسّع في بعض قصص المجموعة الثانية كان متاحاً في البناء لا في المساحة، فالوعي بهذا القصور المساحي الكامن أصلاً في القصة القصيرة كان من الدوافع التي قادتني إلى طريق الرواية.

عادل: لكن هل شخوص الرواية أكثر عادة من شخوص القصص القصيرة لأن محيطها أوسع؟

وليد: ليس في الحالات كلها، ولا الزمن شرط أيضاً. مثلاً، تجد روايات من ألف صفحة أو أكثر تدور أحداثها في ليلة واحدة. طبعاً ما ينطبق على قصة لا ينطبق على أخرى. سيجد الكاتب أن بعض القصص قابلة للتعمّق أفقياً وعامودياً، بما يتضمن الاستفاضة السردية أو التعبيرية أو التصويرية، فهذا نوع من الاسترسال لكن الفارق كبير بين الاسترسال الذي يفرضه الكاتب على نفسه، والاسترسال الذي تفرضه طبيعية القصة. المشكلة ليست بسيطة. أحياناً تجد أن مكوّنات بناء عالم روائي متكامل موجودة في وعاء القصة القصيرة. أحياناً تضع نقطة في نهاية قصة قصيرة ما لأنك تشعر أنها اكتملت. في أحايين أخرى هذا الشعور ليس موجوداً، وربما لحق السرد بعض البتر لطبيعة الاختزال في وعاء القصة القصيرة.

عادل: لكن ألا تعتقد أن ضبط السرد مطلوب أيضاً في الرواية لأنها أكبر من القصة لكن صفحاتها محدودة هي الأخرى؟

وليد: الكتابة هي موافقة المكوّنات كلها. مثلاً، في الرواية الأولى التي حملت اسم «هجرة اللقلق» كانت التقنية عفوية إلى حد كبير، بمعنى أن نصف الرواية بضمير المتكلم، أي «أنا»، ونصفها الآخر في الغائب المفرد، أي «هو»، فربما كان هذا التجزيء أحد الأسباب في أن كتابة هذه الرواية لم تكن مضنية تقنيا بل انها تدفقت بعفوية اذهلتني في بعض الاحيان.

عادل: ومن هو «أنا» في الرواية، ومن هو «هو»؟

وليد: «أنا» ربما هو وليد بكامل امتداداته الشخوصية والانسانية. ربما هو شخص آخر. وربما وجد بعض من يعرفني أن «أنا» في الرواية يشبهني الى حد ما.

عادل: وليد المقيم في عمّان ام وليد الغربة؟

وليد: وليد المقيم في الذات. الفلسطيني خارج فلسطين غريب ربما أينما حل، وهذه قصة يجب أن تُروى، وبلغة غير العربية ولقراء لا يجيدونها. ما حاولت تحقيقه في هذه الرواية هو رواية فلسطين لمالطا، ورواية مالطا لفلسطين، ثم مزج الروايتين معاً في وطن روائي أكبر هو الانسان أينما كان.

عادل: وما هي النتيجة؟

وليد: النتيجة هي أن توظيف تقنيتي سرد في رواية واحدة أتاح التعبير بصورة أكثر دقة واكثر حميمية وتفصيلاً. توجد أشياء في عموم أوعية السرد يَحسُن التعبير عنها بضمير الأنا، وأشياء أخرى يَحسُن التعبير عنها بضمير الغائب. أعتقد أن استخدام راويين كان التنقية الأفضل لمثل هذا العمل.

عادل: كيف؟

وليد: الراوي الغائب غائب في المفهوم القواعدي لكنه حاضر في السرد. يستطيع الروائي توظيف هذه التقنية لأن هذه الشخصية أقدر على التعبير بحميمية الصدق والمشاعر. السبب بسيط لأن ضمير الغائب خارج الاحداث فينظر إليها نظرة المراقب عن بعد. النصف الثاني مروي بالمتكلم فهو داخل الأحداث لكنه لا يستطيع أن يرى أعماقها كاملة لأن قدميه غائصتان في التفاصيل.

عادل: هل يمكن القول إن الرواية قسمان: قسم ينظر من الخارج إلى الداخل، وقسم ينظر من الداخل إلى الخارج؟

وليد: ربما، لكن النظرتين هما في إطار العمل الروائي الواحد. ربما لهذا ستجد في الرواية نظرة شديدة الحياد تُروى بعينها الأحداث من الداخل.

عادل: أنت نشأت في عَمّان ودرست وعشت في بريطانيا، فهل لهذين المكانين مكان روائي أم أن المكانيّة محصورة بفلسطين ومالطا؟

وليد: إذا أردت تشبيهاً وقلت إن مالطا جزيرة وتصوّرت فلسطين جزيرة فمحيط الرواية هو العالم. مسرح الرواية في الدرجة الأولى هو العالم العربي عموماً والدول المعروفة بدول «الطوق» بتحديد أقرب لأنها الدول التي استقبلت اللاجئين الفلسطينيين عام 1948، أي مصر وسورية ولبنان والأردن.

عادل: تأريخ؟

وليد: ليس تأريخاً بالمعنى الشائع، لكن الرواية معاصرة ومن الضروري أن تعرض بعض جوانب التاريخ المعاصر لهذه الدول ومنها التقلّبات الجيوسياسية، فهذه إضاءة وجدتها مهمة لفهم انعكاساتها على أحداث الرواية وشخوصها.

عادل: أنت تكتب بالمالطية وهي من اللغات التي توصف باللغات «السامية»، وفيها جذور عربية لكنها تبقى لغة مختلفة، فما هو تقييمك كروائي وقاص لقدراتها التعبيرية، وما هي أوجه المقارنة بالعربية؟

وليد: اللغة المالطية تتضمن كتلة أساسية هامة لا تبتعد كثيراً عن العربية، ومن الباحثين من يعتقد أنها «عربية» في العموم. المقصود بهذا أن محرك اللغة عربي، لكن أطرافها اليوم خليط يتضمن تعبيرات ولفظات بالايطالية والانكليزية والفرنسية. هي إذاً مما يطلق عليه اسم «اللغات السامية»، والعربية فيها عربية قديمة تتضمن البربرية والامازيغية ولغات الساحل المغاربي بحكم التقارب والاتصال، وكذلك الصقلية. إذا استعرضت أسماء الاسر المالطية فربما وجدت أن نصفها تقريباً ذات أصول عربية والنصف الآخر تقريباً أسماء من صقلية. البروفسور ويتينجر ألف كتاباً ضخماً عرض فيه أصول خمسة آلاف اسم مالطي كثيرها عربي، وعنده نظرية كاملة رأى فيها أن المالطيين كانوا عرباً بدّلوا ديانتهم وهذا واضح في قَدَريتهم، ولغة العبادة عندهم في المجمل مشرقية.

عادل: لا استبعد ولا استنكر على الروائي أن يكون شاعراً، مع ذلك الشعر فن مختلف يتطلب معالجة مختلفة، وعندك ديوان في الشعر فهل الشعر عندك من صنف «الاخوانيات» أم أنه لون أساسي في لوحتك الكتابية؟

وليد: صحيح، لي ديوان صدر بعد المجموعتين القصصيتين والرواية. الشعر يتطلب كثافة إحساسية أكثر من السرد الروائي أو القصصي، لكن الشعر، كما القصة والرواية، يتطلب دقة الملاحظة. هناك فرق آخر، ربما،  هو أن الشعر يتطلب اقتصاداً لغوياً وهذا من مقومات الشعر. للرواية أيضاً ايقاع لكن عالمها واسع ومفتوح. الشعر نبض يتطلب حالة نفسانية معينة ومنسوباً عاطفياً ذا نكهة معينة، أو لنقل إنه يتطلب منسوباً تعبيراً أعلى من السرد. هذه من الحالات المعروفة مثل الفرح الغامر أو الحزن الغامر والغضب الشديد، وغير ذلك من الحالات الانسانية المرهفة. نحن هنا نتكلم عن حالة نفسانية وذهنية معينة يتفجر منها جدول الشعر.

عادل: هل يمكن القول إنه سبر للاوعي؟

وليد: اعتقد انه في الشعر يجب الإصغاء جيدا للاوعي.

عادل: أنت استخدمت وصف «يتفجر»، إن كان كذلك فما هو صاعقه؟

وليد: الصاعق أحياناً في الشعر ليس سوى البساطة وقدرة القصيدة على المباغتة والمكاشفة.

عادل: المرأة عند وليد نبهان ما هي؟

وليد: (صمت).

عادل: لماذا الصمت؟

وليد: لأن المرأة كائن محيّر. هي مخلوق لغزي مثل النار، ان اقتربت منها كثيرا احرقتك، وان ابتعدت عنها كثيراً قتلتك البرودة حتى التجمد. التعامل الصحيح مع المرأة ربما كان في اختيار المسافة الصحيحة لكن المسافة الصحيحة لغز في حد ذاته لكونها متحركة ومتغيرة ضمن ايقاعات بيولوجية معقدة. لكي يفهم الرجل المرأة ربما كان عليه مجاراتها على السطح الهلامي لأن المرأة فعلا مخلوق معقد إلى حد ما، ولا شك أن الكائن الانثوي فيزيولوجياً أكثر تعقيداً من الرجل.

عادل: هل التعقيد النفساني امتداد للتعقيد الفيزيولوجي، أم هو غير ذلك؟

وليد: اعتقد أنه امتداد لأن التعقيد الفيزيولوجي يقود إلى التعقيد النفساني. عليك ان تتخيل مثلا ما يمكن ان يفعله الادرينالين بنا. هناك تغول هرموني مرتبط عضويا بالكثير من الإملاءات السيكولوجية. وهو ضرورة «تطورية» من دون ادنى شك. لو لم يحتج الانسان لهذا المركب العضوي كضرورة بقاء لما قام بتطويره. وهذا ينسحب على المنظومة الهرمونية جميها وهي في المرأة ربما اكثر تداخلا وتعقيدا مما نعتقد. الحالة النفسية في رأيي، انثوية كانت ام ذكورية، ليست سوى نتيجة فيزيولوجية ناتجة عن تفاعلات كيميائية غاية في التعقيد مسرحها الدماغ.

عادل: إن لم تكن تنشد للمرأة في ديوانك فلمن؟

وليد: أنا أنشد للمرأة في كتاباتي كلها لا في الشعر وحسب. هي خالقتي ومرضعتي ونصفي الغامض. يحتاج الرجل إلى شاعرية عالية، ان لم يكن ابجدية مبهمة لكي يفهم المرأة، أو لتحقيق شيء من المقاربة الفهمية لأن فهم المرأة متجرداً من الشاعرية عصي على التقبّل.

عادل: ربما قيل أن الاستمتاع بلوحة جميلة لا يشترط أن يعرف الناظر المستمتع ميكانيكية الرسم عند الفنان، ما رأيك؟

وليد: معرفة الميكانيكية ليست ضرورية، وربما كان هذا سر فهم المرأة.

عادل: وهو؟

وليد: كونها عصيّة على الفهم الكلي. إذا استعرنا المجاز في اللوحة فلعله من الممكن القول إن الاغراق في التفاصيل الانثوية ربما أضاع على الناظر رؤية الصورة الأكبر التي تعرضها اللوحة. بالضرورة كل أنثى امرأة لكن ليست كل امرأة بالضرورة أنثى. المشكلة أن الرجل لا ينظر إلى المرأة كما هي بل كما «يحبذ» أن يراها هو. هي، إذاً، نظرة يمكن وصفها بالرومانسية.

عادل: والرجل؟

وليد: لدى الرجل نمطية ذكورية «مخيفة» على المستوى البيولوجي والسيكولوجي، لا سيما في المجتمعات «الأبوية» الاكثر تخلفا. الرجال يريدون أن يروا في المرأة الجمال والرقة والحساسية المرهفة، وهذه ليست نظرة واقعية او حتى عقلانية.

عادل: لديك قارءات كثيرات جيد أنهن لا يعرفن العربية لذا لن يقرأن هذه المحاورة، فهل لك أن تكشف الفرق بين المرأة المالطية والمرأة العربية؟

وليد: لا اعتقد بوجود خلاف جوهري. المرأة هي المرأة في كل زمان ومكان. هناك بعض الاختلافات الثقافية لكن الحديث في العموم عن الكائن نفسه.

عادل: منذ فترة لم أعد اسأل من أحاورهم لماذا لم يتزوجوا ولماذا لم ينجبوا، فإذا أردت التعليق هيا وإلا سأنتقل إلى السؤال التالي.

وليد: لا يوجد سبب «آخر» سوى إنشغالي بالكتابة وخشيتي من سكرات التجمد والإحتراق. أنا نسيت في الكتابة نفسي، ولعلي نسيت المرأة زوجة للسبب نفسه. لكنها حاضرة دوما فهي نصف الوجود الكتابي لدي.

عادل: أليس للمرأة مكان في حياتك الآن؟

وليد: (صمت).

عادل: (صمت).

عادل: العزم على دخول بوابة الرواية، كيف تبلور؟

وليد: هناك فكرة تطارد الكاتب دائماً. وهي فكرة انجاز عمل أدبي سواء كان قصيدة أو قصة قصيرة أو رواية. هذه الفكرة موجودة حتى قبل أن يتعرف الانسان على الكتابة، لكن الانتقال من الفكرة والتجريد إلى البلورة والتأثيث يتطلب الكثير من العزم والاصرار والوقت وقبل ذلك كله، الموهبة. اللغة تتطلب الطَرْق التعبيري المتواصل أو المطوّل، وأقصد بالطرق البحث المضني عن الكلمة المناسبة، فإذا جمع الكاتب كلمتين أصدرتا معاً الصوت التعبيري المُشبع أو الحالة البيانية الاحساسية التي ينشدها الكاتب. أحياناً يؤدي قلب ترتيب كلمتين لا غير إلى اختلاف الميلودي السردي وطريقة إيصال الفكرة. القصيدة تريد أن تنقل شيئاً ما لكن هذا ليس كل شيء، فالمهم أن تُستنطق الكلمتان لا في عمل الايصال نفسه بل في طريقة الايصال لأن الشاعر في النهاية لن يأتي بفكرة من خارج الكون بل من ملاحظاته وحساسيته واستشعاره لترجمة المواقف التي تواجهه حياتياً.

عادل: كم استغرقت كتابة الرواية؟

وليد: نحو أربع سنوات متقطعة كتابياً.

عادل: لك وظيفة دائمة في مختبر أكبر شركة ألبان في مالطا، واختصاص في علم البكتريا، فكيف تجد الوقت للكتابة؟

وليد: الكتابة عندي ليست مجرد هواية. ربما قلت إنها حاجة. مشكلة الوقت مشكلة الكتّاب جميعاً. لكن، إذا اختار الكاتب الاشتغال في الخلق بالكلمة فعليه الاشتغال بخلق الوقت الضروري للكتابة. لا يوجد بديل، الكاتب عليه أن يجلس في النهاية ويكتب فلا من أحد سيؤدي هذه المهمة نيابة عنه. إذا كنتَ كاتباً فعليك أن تكتب. لا يوجد خيار ثالث. إن لم تكتب فأنت لست كاتباً..

عادل: كيف استقبلت مالطا الرواية الأخيرة  “هجرة اللقلق”؟ (L-Eżodu taċ-Ċikonji)

وليد: بعض النقاد رأوا أن روايتي الأخيرة أخرجت الرواية المالطية من حيزها الجزيري الضيق إلى رحابة محيط العالمية. أحد الأسباب أن حدود الرواية مكانياً تمتد إلى فلسطين والعراق ودول الجوار. هذا توسيع لأفق الرواية المالطية لكن المكاننة قائمة في الرواية لأن ماء بحر مالطا هو ماء بحر فلسطين، ومعظم المالطيين في الأصل الألفي من منطقتنا.

عادل: إذاً، فرضت روايتك نوعاً من ضرورات توسيع الأفق الروائي المالطي؟

وليد: ربما «لفتت» انتباه الروائيين المالطيين إلى أهمية مد حدود مالطا الأدبية خارج الجزيرة لأن لها مكان في المنطقة. لا ينطبق على مالطا اليوم وصف «التقوقع» لأن العالم الآن مفتوح بعضه على بعض. هو، إذاً، الضيق السيكولوجي لا الضيق الجغرافي لأن نفسانية أهل الجزر ملوثة بنمطيّة مُسبقة عن الآخر في المكان والانسان، وربما قيل «ريبة».

عادلوما هي الحالة الآن؟

وليد: مالطا تغيرت في السنوات العشرين الماضية بشكل مذهل. الانضمام إلى أوروبا فتح بوابة كبيرة، لكن معروف أن مالطا أرادت دائماً أن يكون لها دور فاعل في قضايا الشرق الأوسط، واعتبرت نفسها في حالات بعينها جسراً طبيعياً بين أوروبا والعالم العربي. السب الآخر تراجع سيطرة الكنيسة بشكل كبير.

عادلهذا طريق الرواية خارج مالطا، فما هو طريق الرواية إلى جائزة الرواية المالطية؟

وليد: طريق روايتي كان طويلاً وشاقاً. عمر هذا الطريق نحو12 سنة كتبت خلالها باللغة المالطية لأنني أعيش في مالطا. هو أول عمل لي بالحجم الكبير تقدم به الناشر للجائزة على مستوى الجمهورية، وتم اختيار هذه الرواية كأفضل عمل روائي للعام 2013. منافسي الآخر كان ألفريد سانت وهو مؤلف كبير ورئيس وزراء سابق ورئيس سابق لحزب العمال الحاكم اليوم وعضو في البرلمان الأوروبي، ويمكن اعتباره من المفكرين الكبار في مالطا.

عادلليس سهلاً إزاحة كاتب كبير مثل سانت، فهل كان الاختيار مفاجأة لك؟

وليد: المفاجأة ربما كانت لأنني قادم من خارج اللغة والجغرافيا، ولست ناطقاً للمالطية بالولادة، ولم اتعلم درسا واحدا عبر مدارسها. أنا تعلمت من الشارع والصحيفة والتلفاز والكتب.. بل تعلمت كثيراً من ألفرد سانت نفسه وشاركت في قراءة بعض أعماله للجمهور، لكن التغيير سنة الحياة، واعتقد أنه سُرَ لفوزي فنحن رفاق في درب الكتابة.

عادلالمحطة الكتابية التالية؟

وليد: رواية جديدة أريد فيها معالجة العلاقة الشائكة لكن بشكل ما حميمة بين الشعبين المالطي والليبي. الليبيون جيران تاريخيون للمالطيين، لكن العلاقة تغيرت في القرون الخمسة الماضية بحكم صراع الأديان والحضارات فاستُبقيت في أذهان القلة صورة نمطية قبيحة عن الليبين وصورة نمطية مقابلة عند الليبيين للمالطيين وتحفظات اخرى كثيرة بعضها كوميدي. المعالجة لن تكون بحثية أو تاريخية وإنما إنسانية درامية تتضمن قصة حب وجريمة قتل، وغير ذلك.

عادلقل للقارىء العربي ما هي مالطا؟

وليد: مالطا تكوين جغرافي من ثلاث جزر عانى أهلها الأمرين من الاستعمار. لن أقول إن جراحها الاستعمارية برأت لكنها تخلصت من معظم فسادها الذي اختلف حدة وعمقاً بين المراحل الاستعمارية سواء كانت مرحلة فرسان الهيكل أو قشتالة أو أراغون أو فرنسا أو بريطانيا. مالطا الحديثة تاريخيا وسياسياً كانت إلى جوار العرب في المواقف الدولية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلس الأمن. الموقف اليوم مساير للموقف الأوروبي، وكان من الممكن أن يكون أفضل من ذلك بكثير لكن اللوم لا تنفرد به مالطا، الدول العربية أيضاً مسؤولة ربما لأسباب نمطية يجب التخلص منها لأن مالطا دولة اوسطية جارة. هي أقرب الدول إلى حضارة العرب وكلامهم، ولهم تداخل اجتماعي واقتصادي وحضور في مصر والجزائر وغيرها، وحالات زواج المالطيات من العرب بالألوف.

عادل: هذا سؤال طرح نفسه بنفسه: صف لنا المرأة المالطية.

وليد: رقيقة هي المرأة المالطية لكنها في الوقت نفسه نافذة. العربيات نافذات أيضاً لكن القانون في مالطا إلى جانب المرأة، وهذا موقف يُحترم. يجب أن يحمي القانون المرأة. المرأة غالباً هي الطرف المُعتدى عليه منذ أزاحها الرجل عن موقعها التاريخي قبل أكثر من خمسة آلاف سنة.

عادل: أين المقارنة؟

وليد: (ضحك). إنسانياً لا يوجد فرق، هي عذبة ورقيقة كالمرأة العربية تماما. نحن نتكلم عن الكائن الحي نفسه، وهو لا يتغير كثيرا من وعاء ثقافي لآخر. لا استطيع القول إن المرأة كانت نصفي الآخر لكن حضورها كان عضويا.

عادل: هل هناك فروق حقيقية مهمة بين الانسان والانسان في إبداع وليد نبهان الكتابي؟

وليد: الانسان واحد، الصفات نفسها، البكاء نفس البكاء والفرح نفسه، والضحك والاشارات كلها لغات عالمية مقروءة لدى الجميع.

عادل: البعض يقول إن الهدف من تخليد الكتابة تخليد الكاتب؟

وليد: لم لا؟ كل ما عليه فعله هو ان ينجز عملا يستحق التخليد

 

بطاقة تعريفية:

الاسم: وليد خليل نبهان

المولد: عمّان 1966

الدراسة والاختصاص: بكالوريوس علوم بيولوجية/ جامعة بريستول (بريطانيا). ماجستير علوم حقوقية في اخلاقيات التدخل في الجينات الوراثية

العمل: مدير قسم علم الاحياء المجهري في شركة   الألبان المحلية

الأعمال المنشورة:

  1. «عائد الى البيت»” وحكايات اخرى لم تحدث. مجموعة قصصية، إصدار نادي الكتاب المالطي،. 2009
  2. «صوت من الفخار». مجموعة قصصية، نادي الكتاب المالطي، 2011
  3. «هجرة اللقلق». رواية. نادي الكتاب المالطي، 2013
  4. «في طريقي اليها». ديوان شعر. نادي الكتاب المالطي، 2014

10351802_10152869819012456_2411799408226817922_n

الدكتور جوزيف موسكات رئيس الوزراء المالطي رئيس حزب العمال يقدم الجائزة الأولى للروائي وليد نبهان

 

عندما يصمت الشاعر تنطق الشخوص والأشياء: قراءة في ديوان الشاعر المالطي أدريان كريما “مسافات وقصائد أخرى”

في الشعر القَبَلي الضيق لا يوجد مكان للإنسانية الرحبة. القصيدة خطاب والمكان خيمة والحضور أهل وأصحاب، والمساحة لمن ينطق بالكلام  لا لغيره ولا لأشياء أخرى. الأشياء صامتة تسمع لكن لا رأي لها. متفرجة هي الحالات الانسانية، والآخرون. جميعهم صامت ينصت لشاعر القصيدة. إذا توقف لحظة فهي للإيعاز للمتفرجين بالتصفيق، وحين ينتهي فتوقفٌ أطول لتصفيق أطول. لا مساءلة بعدها ولا حوار ففي خطابات الشعر القبلي لا يوجد محكم أو مدير جلسة. الشاعر هو المتحدث والمحكم ورئيس الجلسة؛ هو عادة لا يحتمل وجود محكم على المنصة، ولا أكفاً يرفعها الحاضرون يطالبون الشاعر بالتوقف لحظة لأنه شط بعيداً في تمجيد الذات فلاحق القافية وترك الكلام وراءه؛ كومبارس من يسمعون بعض قصائد العرب، لا حق لهم سوى الانصات والتصفيق.

الشاعر المالطي أدريان كريما ليس هكذا.

هو يومئ إلى الأشياء أنْ جاء دورها كي تنطق لأنه يعرف أن لكل منها رأي، ولكل منها تعليق، ولكل من رفع يده يريد المشاركة في الوصف مكان وزمان. في قصيدة إنتاج ذاتي الدم المتسمم يؤدي مهمة غير التي خُلق لأجلها، خلاياه السابحة في العروق “في نشوة التخريب، تتعثر بأرجلها”. في سبعون عاماً من الكدمات الساقان تميلان في الهواء القلق، بين السرير وأنبوب الدم وعداد السم… فيما أنبوب البول يستريح على الفخذ كحبل سري لا يُقطع.

في المتوسط تونسي في باريس لا يعرف من هو ولا من هذا البحر المتوسط الذي لا أين له: “أعرف أني تونسيّ أعيش في باريس، وأن العرَب أصبحوا حقل تجارب، وأن القنابل دوما فوق رؤوسهم.” ربما كانت مالطة، التي هي جزء من البحر، مثل البحر نفسه – لا أين له لذا لا أين لها ولا أين لكل من فيه: “على تقاطع الطريق، يُصارع أحمق مقود سيارة توقّف محركها، وشعبٌ ينتظر خلف باب موظف عام، كي يصبح أمّة” (بأيدينا).

لا توجد في الشعر القَبَلي عروق يجري فيها الدم كما تجري أمواج المتوسط في شريان بحرها العتيق. له صدر وعجز، أي ثديان ومؤخرة، الوشيجة بينهما قافية تشد الصدر والعجز بعزم كلاسين هذه الأيام التي ترسم الخطوط على مؤخرات تبقى بلا تغليف. عندما تكون الفكرة والملاحظة هي القافية لماذا نريد كلمات لا تتشابه إلا في نهاياتها؟ أيهما تري، موسيقى الكلمة أم موسيقى الفكرة والملاحظة؟ النوع الأول يهز الأطراف والمؤخرة، الثاني يوقظ العقل والكيان من سبات شعر قبلي لا يقابل المقابلة. “في المرة القادمة ربما أغمض عيني وأغلق أذني” (بأيدينا)، لكن العقل سيبقى يقظاً ينتظر وقع كلام الإنسانية الوازن لا الكلام الموزون.

البحّار الفينيقي

أدريان كريما (چريما) أب وزوج وشاعر واكاديمي بيده قلم مشهر كالسيف دفاعاً عن المظلومين في العالم خلف المتوسط وعمن هم أكثر ظلما في بحيرته الأزلية. له دراسات نقدية وأكاديمية وفي الشعر ثمانية دواوين منها للأطفال «هذه ليست لعبة» و«السهم المشدود» (2012)، ثم «عازف البوق» (1999)، «تطريز» (2006)، «مأساة الفيل» (2005)، «شفتاك موضّحة» (2013)، «إكليل الجبل ونزوات أخرى» (2015)، أغلبها مترجم إلى الإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية. ديوانه “مسافات وقصائد أخرى” يجمع باقة تضم 116 قصيدة من ديوانين للشاعر هما «تطريز» و«إكليل الجبل ونزوات أخرى» عرّبها وقدم لها الروائي الفلسطيني المقيم في مالطا وليد نبهان، نشرته دار في القاهرة أخيراً.

الواضح بعد قراءة قصائد أدريان كريما أنه لا يعاني من مشكلة الهوية. عندما لا ينتمي شاعر البحر الأبيض المتوسط إلى مواطنيّة بقعة فيه فإنه ينتمي إلى مواطنيّة كل ما فيه وكل من فيه. هي، إذاً، قضية الوجود العام، لا الانتماء الضيق. أدريان، إذاً، شاعر من مالطة لكنه من بحر متوسطي يتوسط العالم. ماؤه من محيطات العالم وموجه أليف على الشواطئ كلها. وعلى هذه الشواطئ يطوف أدريان مثل البحار الفينيقي القديم في البحر المتوسط الأقدم بقارب ملأه بقصائد قايض أصحابها بالإنصات لما يريدون قوله ولما يريدون قوله لكنهم لم يجدوا الكلمات المناسبة للتعبير عنها فتولى عنهم المهمة، ولما شاءوا ألا يقولونه من أشياء أخرى انتبه إليها وهو المراقب المحترف فأضافها إلى القصيدة ناطقة باسم الأشياء التي تريد الانعتاق فيما الصدر المسجونة فيه لا يريد.

هذا الديوان سِجلُ بعض ما رأه وهو يتنقّل من محطة إنسانية إلى أخرى: بربري من الجزائر يريد وطناً لا يريده، تونسي هارب إلى رحابة فرنسا من ضيق الوطن بمن فيه فاكتشف أنها أكثر ضيقاً، فلسطيني بحّار فينيقي قديم هو الآخر استوطن مالطة لأن ماءها المالح يتصل بماء فلسطين الأكثر ملوحة في ذاكرة جسدها مبني من شوق دمه زيت الزيتون… وهكذا، وهكذا كتب بكلام يقطر شفافية وعمقاً ونشوة.

في القصائد فلسطينيون وفلسطينيات يصولون على المحتل ويجولون بأقدام راقصة عندهم كلمة “مقاومة” قاموس والرقص مدافع ميدانية عيار 132 ملم يقاومون اسرائيليين يريدون إلغاء التاريخ الفلسطيني باعتقال الهواء الذي يتنفسونه وزرع الرافضين في الزنازين لا حصاد لزرع مثله سوى البغضاء.

إذا امتلأ قارب أدريان في هذه الرحلة عاد إلى ميناء آخر فيه وطن وأسرة ووجبة بطاطا لا يمكن معها تذوق الفردوس بلا إكليل الجبل، وشاي سينتظر برودته قبل أن يبدأ “الهجوم”. الصورة هنا تستدرج الكلام فيستدرج الكلام الصور إلى مكان آخر. هو فينيقي في موانئ الوطن المتوسطي وفي الوطن فينيقي مواطن يرفع أحياناً برنيطة فوق رأسه: الابتسامة شراع والامتداد في ابتسامة الانثى امتداد شوق النزوة بعد رحلة بحرية بعيدة.

تغيّر الكثير في المتوسط خلال أربعة آلاف عام، لكن ربما لم يتغير شيء. فينيقيون من شرق أفريقيا، وطنهم جزيرة العرب، ووطنهم الآخر ساحل لبنان، ثم المتوسط الذي يتوسط العالمين القديم والحديث. شرايين في المشرق تلحق بخطوط ملاحية أشبه بأنابيب تحت الأرض ممتدة إلى أوروبا. العمق ليس في الوطن الجزيرة، العمق عند أدريان، كما أحسب، اتساع الكل؛ فيه أصدقاء ومعارف معهم يطيب الضحك ومعهم يحل البكاء. هو بكاء صامت، وحزين شفيف، وثقل في القلب تموج فيه ألوان من الأخضر والأحمر والرمادي والأسود الفاحم والدكنة والحزن الذي هو مثل الاسيتيلين باهر الضوء والشفرة يشق بسكون ويقطع فيما القلب يراقب الضوء لاه عما يحدث له.

ويمكن إضافة الكثير إلى ما تقدم لكن الأفضل من الإضافة اتاحة المساحة لبعض قصائد أدريان وتولي القارئ مهمة الحكم.

 

عادل بشتاوي: هل تواجه العربية “الفصحى” مصير اللاتينية الكلاسيكية؟

الأصل في الكلام النطق لا الكتابة، وأساس الكلام المحكيّات لا الفصحى التي ابتكرها، كما يبدو، كتبة الملوك والكهنة والشعراء، وغيرهم. ويمكن تحديد بعض الكلام الذي يرجّح البعض ابتكاره أول زمان النطق، فهو كلام الحاجة. ويمكن استعراض المنحوتات البسيطة التي عُثر عليها صدفة في موقع المچر، جنوب غربي جزيرة العرب، وتفحّص بقايا عظام السمك والطيور والحيوانات في الموقع، والاستنتاج أنها كانت بقايا ما أكله أهل الموقع قبل ألوف السنين.

ويمكن أن يسأل المرء نفسه، أو الآخرين، من أين جاءت محكيّات العرب؟، ويمكن أن يسأل نفسه والآخرين من أين جاء الكلام؟ وتبدو الاجابة بسيطة فلا يشترط إثبات وجود هذه الحيوانات اكتشاف منحوتاتها لأن الناس يعرفونها في كلامهم، ولو لم تكن لفظاتهم لما كان في الكلام اليوم أسماء الجمل والعنز والثعبان والظليم والأيل والسمك، وغيرها العشرات. ولو لم يكن معظم هذه الحيوانات في البيئات التي عاش فيها الناس قبل ألوف السنين لما ابتكر الناس اللفظات التي دلّت عليها.

وقول البعض إن اللغة نظام حي يتطور باستمرار صحيح، لكن الانسان في بيئته الطبيعية لم يبتكر كلاماً للدلالة على أشياء أو حيوانات لا يعرفها في البيئة، أي انّ كلامه واقعي عموماً. ومن يفكّر بالكلام الذي يسمعه اليوم ربما اكتشف أنه خليط من كلام الأزمان كلها، فعلى الألسنة بعض النوى اللغوية التي ابتكرها أهل الزمان الأول في العصر الحجري، وهي النوى على ألسنة الناطقين بالعربية في القرن الحادي والعشرين، كما هي، أو في اشتقاقاتها.

ويستطيع الباحث في محكيّات العرب الاستنتاج أن محكيّة الشام غير محكيّة مصر ومحكيّة مصر غير محكيّة المغرب ومحكيّة تونس غير محكيّة اليمن، فهذا يقول «تم (فم)» وهذا يقول «بؤ»، وهذا يقول «مرّة» والآخر «كثير» والثالث «برشة»، وذاك يقول «شلونك» والثاني «أزّيك»، وهكذا. ويستطيع الباحث نفسه الاستنتاج أن مظاهر الاختلاف في لفظ المحكيّات أقل من مظاهر التشابه أو التماثل، وأن ناطقين بالعربية الحديثة من قريتين مختلفتين، واحدة في موريتانيا والأخرى في جنوب العراق، سيستطيعان في النهاية التفاهم على معظم ما يريدان التفاهم في شأنه إذا تجاوزا كلام البيئة الذي يختلف من مكان إلى آخر، فعلى الباحث ألا يتوقع أن يستخدم ابن بيئة زغوان في تونس كل كلام ابن بيئة دير الزور في سورية.

وإحلال لفظة جديدة محل لفظة محكيّة قديمة يمكن أن يعني اقتلاع القديمة من نسيج الكلام، وهذا في المحكيّات مثل قلع الضرس، لذا في المحكيّة أقدم الكلام، فهو إذاً طبيعي، والكلام الطبيعي يخلو من البديع وينفر من الصنعة لأنها تستولد معاني جديدة ربما لم يوفّق مبتكرها في تحقيق الارتباط الواضح بين المعنى الأصلي والمعنى المستعار. أما بديل البديع والصنعة في كلام المحكيّات فهو الأمثال والصورة والتشبيه، وبعض حالاته تتسم بطرافة يندر وجودها في كلام النصوص. ومن الأمثلة الشائعة وصف الكثير الحركة بأنه «مثل بيضات المغربل»، باستحضار صورة المغربل وهو يهز المنخل يميناً ويساراً، وتشبيه الكسول ومن لا يطلب العمل للارتزاق بمن يجلس تحت شجرة تين ويفتح فمه في انتظار سقوط الثمرة فيه، أو «طب الجرة على تمها (فمها)، البنت بتطلع لأمّها».

والقول الأخير ملفت لأنه يكشف للباحث أحد أهم أسباب استتباب كلام المحكيّات عبر الألفيات في العموم، ذلك أن أقرب فردين في معظم الأسر هما الأم وابنتها. والابنة بالطبيعة أم أولادها عندما يحين الوقت، وستكون ابنتها الأقرب إليها، مثلما ستكون ابنتها يوماً أم بناتها، وسيستمر هذا الوضع ما استمرت الحياة.

وبما أن محيط معظم النساء بيوتهن وبيوت جاراتهن، فإن انفتاحهن على محيط المجتمعات العام كان أقل عادة من الرجال، مما ساهم عموماً في استتاب كلامهن مقارنة بالرجال، وانتقال الكلام من الأم إلى البنت ومن البنت إلى بناتها، فهو كلام ابتكره الناس لحاجة فرضت نفسها، واصطلحوا عليه بالتوافق، ولا حاجة لابتكار كلام جديد له المعاني نفسها، مثلما أنه لا حاجة لاكتشاف طريق جديد إلى أميركا فمكانها معروف.

ولا يجد أهل المحكيّة غضاضة في استعمال كلام مستورد مثل «الراديو والتلفزيون والكومبيوتر والبامبرز»، وغيرها، لأن كلامهم الأصلي لا يتضمن لفظات مناسبة للدلالة على أشياء مهمة مثل هذه صار التعبير عنها حاجة. وإذا تبدّت مثل هذه الحاجة ساق أهل المحكيّات على المستورد من الكلام قواعد كلامهم. ولفظة «ظلام» من كلام العربية الحديثة، لذا لا نجده على لسان أهل المحكيّة ففي كلامهم لفظة أدق هي «العتمة» (من كلمة أصل معناها الموت أو ظلمة الموت)، لكن إذا نطقوا كلمة «ظريف» أبعدوا التسنين من نطقها. وإذا نطقوا كلمة مثل «ذكّرني» لفظوها بالزاي (زكّرني)، فنطقهم صحيح لأن الأصل بالزاي لا بالذال كما في الآكادية: zakāru.

وللخوف أصل طبيعي، فـ«خوف» هي الكلمة الأكثر شيوعاً في المحكيّة لا «الرهبة» أو «الرعب» أو «الارتعاد»، فهذه من كلام الأديان، وكلها، وغيرها، لاحقة على «خوف».1ويستخدم أهل المحكيّة في حالات الخوف الأشد لفظة «رعب» مشددة: «رعّبتني». وهذا تعبير عن خوف طبيعي آخر متأصل، كما يبدو، في العقل الكامن، هو الخوف من الرعد، وهي من نسائل *رع، مما يمكن أن يعني أن الكهنة، قبل خمسة آلاف سنة وربما أكثر، لجأوا إلى ظاهرة طبيعية مثل الرعد لم يستطع الناس معرفة سببها لتخويف «الرعيّة» من «الراعي»، أي مرسل الرعد، فهذا أصل الكلمة التي تنتمي إلى الفصيلة اللغوية الدينية رع عر.2

وملفت في المحكيّة أن فعل الرؤية هو «شفت» لا «رأيت» أو «نظرت»، لكأنه فعل من الشف، وهو ضرب من الستور يرى ما وراءه فهو ليس فعلاً طبيعياً. وأقدم كلام النظر *رأ، لكنه مهموز متغير، فيقال: «رأى» و«رأت»، لكنه للمتكلم «أرى»، أي «أرأ»، فهذه ليست نسيلة بل سابقة ثلاثية. لكن في المحكيّة وريني، أو ورجيني، بمعنى «أرني»، فهذه من نواة مختلفة هي *رن، والرنو هو «النظر المديد».

ويستخدم أهل المحكيّة النور أو الضوء بالمعنى نفسه تقريباً، لكن استخدام «نوّرني» يكشف أصل النور في الكلام، وهو النار، فإنما النور في الأصل هو الضوء الذي ترسله النار لا غير. وكلا النور والنار من أصل ثنائي واحد هو *نر (نار) وقرينته *رن، فهذه وحدة لغوية مدهشة، وفصيلتها (رننر) من الفصائل اللغوية الحرجة لاتصالها باكتشاف طريقة إيقاد النار في الوقت الذي يناسب الانسان لا الوقت الذي يناسب الطبيعة، كما في اشتعال الحرائق نتيجة الصواعق أو الاحتكاك الطبيعي الشديد.

والأنف في محكيّات العرب منخار(منخر) أو خشم. ونخر الشيء «ثقبه»، كما ينخر الدود الخشب، فهذا اسم طبيعي، أو بدائي، للأنف لأن أهل الزمان الأول رأوه مثل أي ثقب آخر في خشبة أو حجر. و«أنف» سابقة ثلاثية للنواة *نف يُستخدم في محكيّات الشام ليعني توجيه تيار هوائي إلى ثقب واحد أو الثقبين معاً لطرد المخاط.

والكلام القديم جامع، فالنف هنا فعل توجيه الهواء، لكنه يعني أيضاً الهواء (نفنف)، ومنه عمل الشهيق والزفير (نفس، فهو نسيلة نف)، والنفس تعني الذات أو الذات الحيّة لأن الميت لا يتنفس، فكأن النفس كناية عن الحياة. ولو نُظرت ترجمة *نف في المعاجم لاختلف المعنى، وهذا بعض ما في ترجمتها: «روى الأزهري عن المؤرج: نففت السويق وسففته وهو النفيف، والسفيف لسفيف السويق».

ويلاحظ في الترجمة أن الشارح اعتبر *نف و*سف بمعنى واحد، لكن أهل المحكيّات يفرّقون تمام التفريق بين النواتين، فلا يقولون: «سف مخاط أنفه»، فهذا كمن يشفطه، ولا يقولون: «نف السويق»، فهذا كمن يطرده نفخاً بالأنف، بل «سف السويق». والسّفافة في محكيّات الشام مسحوق الحمّص المحمّص. لكن يقتضي التنويه أن *سف من كلام اليمن وأصل فائه باء مثلثة (p)، وهو من كلام الحضارة والصناعة بامتياز فمنه «سيف» و«سفن».

ويتضح قدم المحكيّات من كثرة المضاعف (بربر، طبطب، زلزل، فرفر، حلحل، فلفل) والمتوالف (خنجر، طنبر، عنكب، أرمل، هرول، مرهم) في نسيجها، فكلا هذين المبنيين أسبق من النسائل الثلاثية (شرب، لعب، سمع، قلب). ويستطيع الباحث اعتماد معظم معاني المضاعف في المحكيّات، كما لا غنى له عن استشارة المحكيّات لتحديد المعاني الاصطلاحية لعدد كبير من المتوالفات، والأهم من تلك وهذه، استشارة المحكيّات للوصول بسرعة إلى أقرب معاني النوى اللغوية إلى معاني أصولها الأولى.

و«أروش» (الكلام غير البيّن أو ضجة الكلام) من طريف محكيّة الشام. واللفظة، كما يبدو، ليست لغة في «قروش» بل ثنائي متوالف من «أر»، بمعنى الغزل، و«وش» أي الوشوشة، فهو، إذاً، كلام العشّاق يتهامسون به لئلا يسمعهم الآخرون. والوسوسة لغة في الوشوشة في الأصل، لكن هذا لا يحل محل الآخر في كلام المحكيّة فالوسوسة عندهم هي المخاوف والشكوك الباطنية غير المحسوسة، أي النفسانية، وهذا أصل المفهوم الذي استعاره كلام الدين في الألفيات اللاحقة وارتبط بالجن والشياطين ونحوهم.

إيقاع الكلام

يفيد الباحث في تأصيل كلام العرب والعاربة أن يستحضر دائماً طبيعية البيئة التي ولد فيها أول الكلام والجماعات البشرية التي ابتكرت الكلام في البيئات التي عاشت فيها. والسبب منطقي لأن الكلام الطبيعي لا يسبق الشيء الطبيعي الذي يدل عليه، وما ينطبق على الماضي ينطبق في حالات على الحاضر، ذلك أن إنسان العصر لم يبتكر كلام «التلفزيون» و«الكومبيوتر» قبل أن يبتكر التلفزيون والكومبيوتر. وعلى الباحث أن لا يضم إلى الكلام القديم الكلام الذي لا يوافق الزمان القديم، فلم يكن في أول الزمان الحديد وورق الكتابة والثياب المصنوعة من القماش ولفظات البديع والمفاهيم الدينية والأخلاقية التي لم يعرفها الانسان إلا في فترة حديثة نسبياً واكبت الأديان عموماً، ومعظمها سحب.

وإذا انتهى المرء إلى أن معظم الكلام ثنائي وثلاثي، فربما كان من المنطقي الانتهاء إلى أن إيقاع الكلام الأصلي ثنائي أو ثلاثي، أو أن معظمه مؤلف من حركة وسكون، أو حركة وحركة وسكون، أي تبسيطاً: «تَمْ، تَرَمْ»، وبذا يكون الثنائي «تم»، والثلاثي «ترم». والثنائي هو النوى اللغوية (حأ، خت، لح، خل، قب)، وهو مكرر النواة اللغوية في المضاعف ونواتين مختلفتين في المتوالف. أما الثلاثي فهو في سوابق النوى الثلاثية (قتل، وجد، وصل، نصح، سجد) وفي النسائل الثلاثية، ولم يكشف البحث في الكلام غير هذه الأبنية. والبرهنة على ذلك سهلة لأن هذه المباني في النصوص كما هي في المحكيّات، وهي في الكلام قبل خمسة آلاف سنة، وربما أكثر، وفي كلام الجاهلية والعربية الحديثة، وفي كلام العصر.

والنواة *حد ليست من أول الكلام، لأن مفهوم الحدود بين الأشياء مفهوم متطوّر، لكنها ليست آخر النوى اللغوية التي ابتكرها أهل الزمان الأول، لأن مفهوم وجود الإله (إل) يتطلب وعياً أعمق بكثير من الوعي بالحدود بين الأشياء. ويمكن القول إن ازدياد وعي الانسان انعكس، في حالات، على ابتكار الكلام المعبّر عن ازدياد الوعي بأنواعه. ويمكن الافتراض أن الانسان ابتكر العدد واحد (*حد) قبل العدد اثنين (*تن/*سن).

وحالة المثنى في العاربة (آكادية: سن/شن šinnu)، والعربية الحديثة، لكن ليس في الكثير من اللغات الرئيسية الأخرى اليوم. وسبب وجوده أن هذا العدد، في المجتمعات الانسانية الأولى التي يُقال أنها كانت 250- 600 شخص، عدد مهم، فيما كان العدد خمسة عدداً ضخماً (منه الخميس، أي الجيش الجرار)، وكان العدد عشرة يعني العشيرة، فهي من عشر، نسيلة النواة *عش.

ويمكن وصف المجتمعات التي وجدت حاجة للدلالة على عدد نعتبره اليوم بسيطاً، مثل ثلاثة، بأنها كانت مجتمعات «بدائية». وهذا وصف منطقي استنتجه مؤلّفون، منهم المؤرخ فيليب حتي، الذي رأى أن العربية «أقرب ما تكون إلى صورة اللغة البدائية التي يعتقد الباحثون أنها كانت اللغة السامية» (تاريخ العرب، ص 12).3 ومع ذلك تقتضي الاشارة إلى أن اللغة التي يعتبرها مؤلف في القرن العشرين «بدائية» ربما اعتبرها أهل الزمان الأول لغة غاية في التطوّر قياساً إلى كلام الآخرين في المجتمعات التي عرفوها.

ويعتمد نطق الكلام وفهمه وترديده على عدد من العوامل المتصلة بالقدرات العقلية والثقافية التي تختلف بالضرورة من شخص إلى آخر. والنطق من المهارات المكتسبة، فبعض الناس اليوم أفضل في التعبير من آخرين، وعلى المرء الافتراض أن الأمر انسحب على المجتمعات الأولى. لكن تجدر الإضافة أن كلام المجتمعات الأولى كان كلام الحاجة، والكثير من الحاجات طبيعية، والطبيعي لا يتضمن، في العادة، معاني السحب في الشعر وبعض أنواع النثر، فهذه من المظاهر اللغوية الحديثة نسبياً.

وبما أن النوى اللغوية كانت عماد الكلام في العصور التي سبقت التأريخ، فمن الممكن الافتراض أن الاختلافات اللغوية بين أفراد المجتمعات الأولى لم تكن كبيرة لبساطة بناء النوى اللغوية. وإذا استنتج المرء أن الثنائي والايقاع الثنائي أكثر شيوعاً في المحكيّات من كلام النصوص، يمكن الاستنتاج في الوقت نفسه أن نسيج المحكيّات، لا كلام النصوص، هو الوريث الأقرب إلى كلام العرب العاربة ومن سبقهم، وأن الكثير من قواعد المحكيّات قواعد الكلام الأول التي كانت قياسية في معظمها، وغاية في البساطة.

والكلام اليوم كلام نسيج المحكيّات، وكلام النصوص، ويتلاقى كلام الصنفين في حالات، ويفترق في حالات، فربما كانت مفردة ما في النصوص خطأ وفي نسيج المحكيّات صحيحة، وربما صح العكس، فلكل لفظة حالة تتطلب دراستها دراسة مناسبة قبل تحديد بنائها ومعانيها.

ومن الباحثين من يعتقد أن كلام النصوص أكثر تآلفاً من كلام نسيج المحكيّات نتيجة أسباب منها الإسناد المعتمد على النصوص الدينية، وما نقل عن أهل الشعر، وإشاعة هذا النوع من الكلام في الكتب المدرسية والجامعية دون غيره من كلام نسيج المحكيّات التي يعتبرها بعض اللغويين من «ضعيف الكلام». وهذا وضع قائم أنتج حالة اختلال لغوي في مجتمعات الناطقين لقلة الدراسات الجادة في طبيعة نسيج المحكيّات وأصالتها.

ويمكن الرد على ما تقدم بالقول إن النصوص كلام التخليد، وإن التخليد حالة لاحقة على النطق، فهل كان في مرحلة النطق الطويلة حالات لغوية تشبه حالات المحكيّات والفصحى اليوم؟

والجواب أننا لا نعرف، فلفظ كلام من خمسة حروف أو أكثر أمر عادي لمعظم الناس اليوم. لكن الانتقال من الأصول الثنائية إلى السوابق الثلاثية قبل نحو خمسة آلاف سنة، أو أكثر، كان مشكلة لكثيرين اعتادوا النطق بكلام الاثنين لأن حركات اللفظ تغيرت عندما اجتمع في الكلام الجديد متحرك ساكن (تَمْ) ومتحرك متحرك ساكن (تَرَمْ) تتابعا بلا انتظام فتغير قياس الكلام أو وزنه وإيقاعه بصورة جذرية.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة من طريقة لفظ الكلام، فوجد جمهور الناس صعوبة في التعامل مع تغيّر إيقاع الكلام، فسعوا إلى الالتفاف على الكلام ذي الحركتين المتواليتين في فواتح اللفظ، وتطويع باقي الكلام لاستيعاب الايقاع الثنائي بالتسكين وتقليص مدّات الحركات والتشديد الخفيف الذي لا ينتج حرفاً مضاعفاً كاملاً. ولو درس الباحث مئات اللفظات لوجد الكثير من حالات تثنية الكلام قدر الامكان، كما في: «ورّيني»، «قلتلّه»، «سمّعني»، «بعّدني»، «لعّبته ولعّبني، وقوّمني وقوّمته، وسمّعلي وسمّعتلّو» وغير ذلك.

وفي الكلام أفعال في صيغة الأمر تبدأ بالألف، بعضه لغات القبائل وبعضه إضافة أهل اللغة مثل: ادخل، العب، اسمع، اكتب، امسح، اجرح، اسعد، اشدد، اعصص، أحطط، أطلل، وغيرها، فيما تستخدم أفعال أخرى في صيغة الأمر بلا ألف، أي في مبنى الأصول الثنائية: حط!، قم!، كل!، وغيرها. وواضح في كلام المحكيّة أن تسبيق الثنائي بألف لم يكن قائماً في بداية الكلام فيقولون: شد!، عص!، حط!، طل!، وغيرها. أما في الحالات الباقية من الأمثلة فإنهم يليّنون بالألف أو الواو. هذا إذا كان فعل الأمر ثنائياً، أما في حالات النسائل الثلاثية فللمحكيّة قاعدة تحكم بعض حالات استخدام صيغة الأمر في الأفعال الثلاثية، لكنها ربما كشفت أيضاً الأصول الثنائية لهذه النسائل. ويتحقق ذلك بتسكين الحرف الأول وبإضافة حرف لين بعد الثنائي وقبل حرف الاستنسال الثالث، هكذا: سْعادْ (أصلها الثنائي سَع)، لْعابْ (أصلها الثنائي لَع)، مْساحْ (أصلها الثنائي مَس)، كْتوبْ (أصلها الثنائي كَت)، جْراحْ (أصلها الثنائي جَر)، وهكذا.

ويُوجز بالقول إن من يعتقد أن الناس في الألفيات السابقة نطقوا بالكلام المتحرك، وأن المحكيّة وليدة الجهل لم يأخذ في الاعتبار التأثير الذي تركه انضمام السوابق الثلاثية ثم النسائل الثلاثية إلى الكلام، وإنّ بدء افتراق المحكيّة عن الفصحى قديم جداً بدأ، كما يبدو، في منتصف العصر الزراعي قبل أكثر من خمسة آلاف سنة. وتسبب الافتراق، ربما عن غير قصد، في بدء فرز شبه اجتماعي استمر إلى اليوم: كثيره عامة الناس، وقليله فئة النخبة، وفرز تعبيري: كثيره الشعر الشعبي وقليله الشعر الموزون.

ومع ذلك يُعتقد أن افتراق المحكيّات عن الفصحى في الألفيات الماضية بقي محدوداً لأن الباحث يستطيع تحديد الكثير من كلام أهل الزمان الأول والعاربة في محكيّات اليوم. وحملت العربية الحديثة من مدارس العراق إلى الكلام تغيّرات جذرية فتحوّل الافتراق إلى شرخين أفقي وعامودي واضحين لا يُرى في مسار تطوّر الكلام سبيل واضح إلى تجاوزه. وعليه يرجّح استمرار هذا الشرخ، وربما تعمّقه، فيما تتجه المحكيّات إلى استعارة الكلام الجديد من مصادره مباشرة، ويستمر القصور البحثي في التعامل مع المحكيّات بالجديّة التي تستحقها وريثة أقدم اللغات المعمّرة في تاريخ الانسان.

وتفوق أهمية الاصطلاح اللغوي في بعض الحالات أهميّة القواعد، لكن الاصطلاح، بطبعه، يتطلب اصطلاح معظم الناس. ويبدو من مراقبة عدد من المحطات التلفزيونية أنّها أدّت دوراً ملحوظاً في إشاعة انتشار نوع من الفصيحة بين فئات كثيرة من الناطقين بالعربية الحديثة، يفوق بكثير تأثير استمرار محطات أخرى في استخدام المحكيّات. ويمكن في الوقت نفسه ملاحظة جنوح البعض إلى خلط استخدام بعض خصائص الفصيحة بالمحكيّات. وهذه من مظاهر اللفظ التي ربما كان مفيداً تشجيعها، والعمل في الوقت نفسه على تجنّب التشديد المفرط على اتباع جملة اجتهادات اللغويين الأوَل لغلبة الصنعة والاصطناع على أعمالهم. وهذه نتيجة مُتوقعة لأن العربية لم تكن اللغة الأم للكثيرين، وربما كان هذا أحد أسباب غياب مباني الكلام الحقيقية عنهم وتأصيل الكلام في مشتقات الكلام لا في جذوره الثنائية، والمساهمة في تعميق الشرخ بين كلام النصوص وكلام المحكيّات، والاخفاق، بالتالي، في تحقيق اصطلاح الناس على النطق.

تراكم الكلام

يشترك معظم صنوف العلوم الانسانية في خاصيّة أساسية هي التراكم الذي تستدعيه الحاجة. والتراكم متدرج بالطبيعة، أي أن الانسان احتاج إلى التعبير عن العدد «واحد» قبل الحاجة إلى التعبير عن العدد «عشرة». ويقتضي التراكم المعرفي العددي المواكبة بالدلالات اللفظية العددية، ومع ذلك فإن عدد الحروف الصحيحة للعدد «واحد» يساوي عدد حروف العدد «عشر»، أي ثلاثة حروف، فيما يفصل مفهوم العدد واحد عن العدد عشر ألوف السنين.

وتبيّن بعد البحث والمقارنة أن النطق يخضع لمبدأ المراكمة المعرفيّة، مثله مثل باقي المعارف، وأن مبنى الثلاثي الصحيح حالة لغوية متطوّرة فهو ليس أصل الكلام، كما يُشاع على نطاق واسع في مؤلفات علوم اللغة والمعاجم. وإذا كان العدد «عشر» يتألف من ثلاثة حروف فمن المنطقي الافتراض أن العدد «واحد» تألّف من عدد أقل من الحروف. وللعدد «واحد» أصل قديم هو حد، لكن تبيّن أيضاً أن العدد «عشر» مُشتق من أصل أقدم هو عش. وكلاحد وعش مؤلف من حرفين، أو من «نواة» لغوية أو «مقطع أحادي»، وربما قيل عن الصنفين إنهما من بناء «الثنائي»، فهذا تعريف عام بدلالة نظر العين.

ولم يكشف البحث أصولاً أقدم من الثنائي يمكن البرهنة على وجودها، فتتابعت الدراسات البحثيّة وفق افتراض جديد ومنهجيّة جديدة: إذا كان أصل أقدم الأعداد (واحد) النواة الثنائية (حد)، فربما كان منطقيّاً الافتراض أن أقدم الكلام يتألّف أيضاً من النوى والمقاطع الأحادية، أو الثنائي. وتطلبت البرهنة على صحة هذا الافتراض تفكيك مئات اللفظات ثم إعادة بنائها بتأصيلها في النوى أو المقاطع الأحادية. وكشف التأصيل النمطي صحة الافتراض، لكنّه كشف في الوقت نفسه وجود خمسة مبان لغوية اختلفت اختلافاً جذرياً عن المباني الشائعة في مؤلفات علوم اللغة والمعاجم كافة. وطرح هذا الاختلاف عدداً من الأسئلة عن طبيعة معارف الكلام التي عرضها أهل اللغة والمعاجم في القرون الهجرية الأولى وجملة الأسانيد والمراجع في كتبهم. ولوحظ اختلاف بين قطعيّة الثبوت وقطعيّة الدلالة لم يتمكن البحث من مصالحة وجوده في ترجمات المعاجم، مما أثار الدهشة والحيرة في آن.

واقتضى تقصّي حال الكلام توسيع نطاق البحث ليشمل بعض لغات العاربة، خصوصاً الآكادية والكنعانية، أو الفينيقية بنوعيها القديم والأحدث. وتبيّن في مرحلة جديدة من البحث أن أحد أهم أسباب صعوبة تحديد مفاصل التلاقي والابتعاد في الكلام، معالجته في المؤلفات اللغوية كمفردات أساسها المبنى المعروف بـ«الثلاثي»، أي الكلام المؤلّف من ثلاثة حروف صحيحة، فيما كشف عمل التأصيل وجود هذه المفردات كعناصر في «أوعية» لغوية تشترك في نطاقات اللفظ والمعاني والحالة البيانية.

وبدا واضحاً أن التراكم اللغوي والتدرّج في اكتساب المعارف أدىا في مرحلة متطورة من حياة المجتمعات الانسانية الأولى إلى تضمين اللفظات في الأوعية المناسبة للدلالة على الحالات البيانية التي اعتبرها الأوّلون مهمة في حياتهم. مثلاً، النواة عش أصل العدد عشر لكنه أيضاً أصل «عشيرة». ويمكن الافتراض أن الانسان الذي احتاج إلى الدلالة على العدد «واحد» في زمن ما، احتاج إلى الدلالة على العدد «عشر» في زمن أبعد من الأول، ثم احتاج إلى الدلالة على لفظة مثل «عشيرة» في زمن أبعد من الزمنين السابقين.

وكلا حد (واحد) وعشر (عشرة) من الدلالات الثابتة، أي أن العدد واحد لا يمكن أن يعني ثلاثة أو خمسة، ولا يمكن أن يعني العدد عشرة أي رقم آخر. أما  العشيرة فهو مفهوم اجتماعي متطوّر. وبما أن عمر الكلام لا يُحسب بآلاف السنين بل بعشرات الآلاف، يمكن الافتراض أيضاً أن الانتقال من الدلالة على الحالات والأشياء بالنوى والمقاطع الأحادية إلى الدلالة على الحالات والأشياء باللفظات الثلاثية لا يُقاس بمئات السنين بل بآلاف السنين، وهذا استنتاج يمكن البرهنة عليه بتزمين كلام الآكادية.

وتطلّب الانتقال من التعبير عن الأشياء المجرّدة إلى التعبير عن المفاهيم مرحلة متقدمة من الوعي الانساني الذاتي، سبقتها مرحلة لم يعتبر فيها الانسان نفسه كائناً يختلف عن باقي الكائنات التي تعيش في بيئته. ويكشف تأصيل الكلام أن الانسان لم يكتسب الكثير من أشكال الوعي الذاتي، كما يبدو، إلا من خلال مراقبة الكائنات في بيئته، فرأى في بعض سلوكها الاجتماعي الكثير مما لم ينتبه إليه في سلوكه الاجتماعي. وإذا أمكن القول إن الطبيعية كانت معلم الانسان الأهم، يمكن القول أيضاً إن دور الحيوان في توسيع مدارك الانسان كان كبيراً هو الآخر، خصوصاً الطيور التي تعلّم الانسان من مراقبة أعشاشها مفاهيم العشرة والعشيرة والمعاشرة والرزق، ثم تعلم من القبّر كيف يقبر موتاه بدل ترك الجثث في العراء أولاً ثم إيداعها الجرار والتوابيت في ألفيات لاحقة، وأوحى إليه الوز في مرحلة لاحقة بمفاهيم الأوزان والزوايا، فيما استمد الانسان مفاهيم «الرتب والمراتب والترتيب والتراتبية» من الرت، أي «الخنزير البري».

وكلام العاربة أقدم المخلّد في التاريخ، ومن السهل تحديد مبانيه اللغوية الرئيسية الخمسة حتى في أقدم النصوص المخلدة التي تعود إلى نحو 4500 سنة. واللفظ سبق التخليد لا ريب، وبما أن أصول كلام العاربة من النوى والمقاطع الأحادية، يمكن الافتراض أن الأصول تلك أقدم بكثير من كلام العاربة لأن بعضها يتصل بأهم متطلبات استمرار الحياة مثل الماء (مأ) والطعام (كل) والجنس والحياة (أر، نك) والبيوت الأولى (بت) وحيوانات البيئة (بع، عن وفخ).

ولأقدم كلام الانسان مواصفات معروفة وُجد الكثير منها في الكلام الثنائي، فيما استبعدت الدراسة ما عرضه بعض الباحثين باحتمال وجود «لغة» أحادية الحرف سبقت ابتكار كلام النوى والمقاطع، لأن مثل تلك اللغة المفترضة عاجزة عن تقديم الدلالات المناسبة بسبب اقتصار كلامها على عدد محدود جداً من اللفظات الأحادية. وكما سبق ابتكار الأعداد الأولى ابتكار الأعداد الأكبر بألوف السنين، كذا يمكن الاستنتاج أن كلام النوى والمقاطع سبق الكلام الثلاثي وكلام الاشتقاق بآلاف السنين، لذا سبق كلام النوى والمقاطع بالضرورة كلام العاربة بآلاف السنين، وكان كلام «أهل الزمان الأول».

وأهل الزمان الأول أهل عصر الحجر وسكان الكهوف والغيران وأكواخ القصب والأغصان. والحدود الجغرافية لأهل الزمان الأول حدود بيئتهم السكنيّة والمناطق التي يتوافر فيها الماء والصيد البري، أو البحري، والفاكهة والبقول والجذور الصالحة للأكل، فإذا أتوا على ما في بيئتهم من طعام انتقلوا إلى بيئة أخرى. ولأهل الزمان الأول حدودهم الاجتماعية في عدد نسبي صغير جداً من الأسر، وعلاقة الأسر ببعضها، وأهمية تعاون الجميع لتأمين الماء والغذاء، وبالتالي ضمان استمرار الحياة والنوع بما يشمل مقاومة الأخطار التي تهددت بقاء الناس، وأهمية التعاون للتصدي لهذه المخاطر ومنها الثعابين السامة، والسباع التي كانت في زمانهم أشد فتكاً من الأنواع التي تلتها.

وحدود كلام أهل الزمان الأول حدود ما تقدم وغيرها من الحالات الطارئة أو الدائمة التي تطلبت الحاجة للتعبير عنها والدلالة عليها ابتكار الكلام المناسب وتأمين اصطلاح الأفراد عليه. ويعني هذا أن الكلام كان كلام الحاجة الضروري للاستمرار والبقاء، وتدلّ دراسته على أن الانسان الطبيعي لا يبتكر عادة كلاماً لا حاجة له به، وهو يتعامل معه بقدر حدود تعامله مع البيئة التي يعيش فيها، فيتراكم الكلام لفظة لفظة، وجملة قصيرة وأخرى. ويساير معظم الأفراد هذا التراكم الطبيعي عن طريق سماع اللفظات وفهمما وترديدها بطريقة تضمن فهم الآخرين لها. والفهم المتبادل للكلام ليس وسيلة التواصل الأساسية في كل المجتمعات فحسب وإنما وسيلة أساسية أيضاً لاستمرار الحياة وبقاء النوع لما للكلام من أهمية حاسمة في تعبئة أفراد الأسر القديمة وتنظيمهم لجمع الطعام والتنبيه على الأخطار وتوفير الحماية المشتركة.

وبما أن الكلام كلام البيئة في عصر ابتكار الكلام، فمن الممكن، في حالات كثيرة، دراسة هذا الكلام للتعرّف على طبيعة البيئة التي عاش فيها أهل الزمان الأول. وبدراسة كلام الاجتماع، يستطيع الباحث، في حالات، تحديد طبيعة العلاقات الاجتماعية بين المرأة والرجل، والأسرة والثانية، والمجتمع الصغير والآخر. وإذا تمكّن الباحث من فرز كلام الطعام والوحش والمساكن، فربما استطاع تحديد أنواع الطعام والوحش والمساكن الأولى.

وللباحث أن يتوقع احتواء الكلام القديم على الدلالات المعبّرة عن الحالات الطبيعية لا المفاهيم الاجتماعية والعاطفيّة التي يجدها في الكلام الثلاثي مثل «الضمير» و«الحسب» و«النسب» و«الأخلاق» و«الفخامة» و«الشرف» و«الكبرياء»، وغيرها المئات من المفردات التي انتجتها حالات ألفيّة لاحقة. ولبعض الكلام عصوره الخاصة به، فمن غير المتوقع أن يجد الباحث في كلام عصر الحجر اللفظات التي فرزها العصر الزراعي، مثل «قمح، سقى، فلح، حصد، درس وخبز»، وغيرها. إلا أن الباحث يستطيع توقّع تحديد النوى والمقاطع الأحادية التي «نسل» الناس منها هذه اللفظات.4

وفي معارف الكلام الاستثناءات الموجودة في المعارف كافة، لكن يمكن القول في العموم إن لكل عصر نشاطه وحالاته. وبما أن الكلام يعبّر عن النشاطات والحالات المهمة في العصر، فالكلام كلام العصر، وكلام مباني العصر. ويعني هذا أنه على الباحث في التأصيل النظر في احتمال استبعاد لفظات ثلاثية في عصر النوى والمقاطع. وإذا تحقق مثل هذا التأصيل فإن الباحث يرد الكلام اللاحق إلى السابق، والثلاثي إلى النوى والمقاطع الأحادية، والنوى والمقاطع الأحادية إلى أصول بعضها طبيعي وبعضها مُستمد أو مطوّر من أصول طبيعية.

الثنائية اللغوية

يواجه كثيرون من الناطقين بالعربية الحديثة وضعاً لغوياً يختلف عن وضع الناطقين بمعظم اللغات الرئيسية في العالم يمكن تسميته بـ«الثنائية اللغوية» (diglossia) أساسه الاضطرار إلى النطق بلغتين لا واحدة: الأولى هي المحكيّة، والثانية الفصيحة، فيما تنطق مجموعة صغيرة نسبياً ما يُعرف بالـ«فصحى». ومعظم الناس يتخاطبون مع أنفسهم، ومع الناس العاديين مثلهم، بالمحكيّة، فهي اللغة التي يتقنها اللاوعي لا بالتقليد في مرحلة الطفولة التي تتأسس خلالها اللغة والوعي فحسب، بل بالتأسيس اللغوي التاريخي أيضاً، لأن للمحكيّات أصل سبق العربية الحديثة بألوف السنين، وأدّت الوظيفة المتوقعة منها في تحقيق تواصل المجتمعات بنجاح مُلفت.

وتختلف القدرة التعبيرية من شخص إلى آخر، سواء كانت واسطة الكلام الفصيحة أو المحكية. كما تختلف حالات التعبير، فربما فكّر البعض بالفصيحة، وأحياناً بالفصحى، ونطق بالصنف الذي يتقنه أكثر من غيره، وربما فكر البعض بالمحكيّة ثم ترجم كلامها إلى الفصيحة، أو ربما استدعت حالة ما جمع خيوط الفكرة بالمحكيّة قبل نقلها إلى الورق أو الكومبيوتر. ولا يترجم اثنان النص ذاته بالطريقة ذاتها، وكذا الترجمة من المحكيّة إلى الفصيحة، فيصيب الإنسان في حالة ويخطىء في أخرى ويشط في ثالثة، فيما يمكن، في حالات المقابلات العلنية، ملاحظة انتقال المتكلم من الفصيحة إلى المحكيّة في حالة تشبه ما يعرف في علوم اللغة باسم «التحوّل الرمزي» code switching)) فيزج المتكلم في كلام لغة معينة لفظات أو تعبيرات بلغة أخرى يعتقد اللاوعي أنها أقدر على نقل الفكرة المطلوب نقلها، أو أن استخدامها يُحسّن صورة المستخدم أو يضعه في مركز اجتماعي أعلى من مستوى المخاطب أو في اعتبار السامع والمشاهد.

ويتعامل العقل مع الكلام بصورة غاية في التعقيد، لكن النطق المسترسل لا يتحقق إلا عندما يتولى العقل الكامن التعامل مع الجزء الأكبر من الكلام، فيصبح الكلام في هذه الحالة مثل سياقة السيارات، لا يتقنها الانسان جيداً إلا بتراكم الخبرة والممارسة، حتى أن كثيرين يستطيعون قيادة السيارات وهم يفكّرون بأشياء أخرى لا علاقة لها بالقيادة.

ويبدو أن أحد أهم أسباب افتراق الكلام إلى فصيح ومحكي تطوير السوابق الثلاثية لأن إيقاعها اللفظي ثلاثي غاير الايقاع اللفظي الألفي الثنائي الذي قام عليه الكلام. ويُعنى بذلك أن معظم الكلام قبل السوابق الثلاثية كان الحركة، بالفتحة، والسكون. لكن السوابق الثلاثية جاءت بتتابع صوتي مختلف هو الحركة (الفتحة) والحركة (الفتحة) والسكون، مما أدى إلى اضطراب إيقاع الكلام.

واستوعبت المحكيّة الكثير من السوابق الثلاثية مثل: «وقع، دخل، قتل، خبز، بخل»، وغيرها، لكن بعض السوابق الثلاثية لم تكن مهمة للناس العاديين بعدما صار هذا المبنى من المباني التي فضّلها الكهنة والخطباء والشعراء، وهي كثيرة في كلام النصوص. وأمكن استيعاب السوابق الثلاثية المفيدة في كلام المحكيّات بعد اخضاعها للقواعد التي تحكم المحكيّات، فيما احتفظت المحكيّات عموماً بالايقاع الثنائي الذي لا يزال عماد كلامها إلى اليوم.

وفي الكلام سوابق ثلاثية لبعض أقدم الكلام، كما في السابقة الثلاثية «أكل ← كل»، لكن يُعتقد أن بعض هذه السوابق انتاج عصر لاحق، وابتكرها الناس لتوسيع نطاق معاني أصلها الثنائي، أو لاختصار أهم معاني الأصل الثنائي في كلمة متفرّدة. وهذا يعني أن قسماً من السوابق الثلاثية ربما سبق مبنى النسائل الذي طوّره الناس للتعبير عن الأشياء والحالات التي أنتجها العصر الزراعي. لذا يُعتقد أن افتراق الكلام إلى فصيح ومحكي ربما بدأ قبل أكثر من خمسة آلاف عام، أي نحو منتصف العصر الزراعي.

ويردد أهل المحكية عدداً معتبراً من كلام الضاد، لكنهم يتجاهلون عادة نطق حروف الثاء والذال والظاء التي ألحقها البعض بكلام العربية الحديثة. والقاف التي ينطقها بعض أهل المحكيّات همزة، والبعض الآخر بصوت قريب من الجيم اليمنية، أو كافاً. ويشكل بدل أربعة حروف نسبة مهمة من أبجدية تتألف من 28 حرفاً، لكن هذا ليس السبب الوحيد في استمرار ابتعاد المحكيّات عن الفصيحة، وابتعادها الأكبر عن الفصحى لأن النوعين الأخيرين من الكلام محكومان بمجموعة من القواعد المتغيرة التي تتطلب من الناطق بهما الاعراب المتزامن مع النطق، والاضطرار إلى استشارة العقل الواعي بصورة شبه دائمة أحياناً للربط بين أجزاء الكلام. وهذه، وغيرها، من النتائج الطبيعية التي يمكن توقّعها عندما تتحكم النصوص بالنطق، أو في الحالات التي ابتكر بعض أهل اللغة القواعد الحديثة باستقراء الكلام القديم، فهو عكسٌ للاتجاه الطبيعي للكلام الذي بدأ بالنطق قبل أن يُضبط بالقواعد المستمدة من المنطوق لا من المكتوب.

ولكل اللغات الرئيسية قواعدها المعروفة، لكن دراسات اللغة انتقلت منذ فترة طويلة من التركيز على المكتوب إلى التركيز على المنطوق، فهو أصل الكلام في الماضي وسيكون أصل الكلام في المستقبل. ولو احتكم أهل اللغة إلى المنطوق لا إلى المكتوب، أو تعاملوا مع المحكيّات بالجدّية التي تستحقها كواحدة من أقدم ما استمر من لفظ الخلق، لما وصل الافتراق بين المحكيّات والفصحى إلى وضعه الحالي، ولما اضطر معظم الناس إلى توظيف جزء كبير من قدرات العقل الكلامية لترجمة المحكي إلى الفصيحة بدلاً من توظيف القدرات تلك لتحسين التعبير.

ويختلف الباحثون في تقييم فائدة بعض قواعد العربية، إلا أن الاتفاق أشمل في الاستنتاج أن استيعاب الناطق كل القواعد التي وضعها أهل اللغة قبل أكثر من ألف عام، إن كان ممكناً، لا يضمن تحويله إلى متكلم «فصيح». ولا يتوقع بعض الباحثين أن ينطق كل أهل العربية بالفصحى لأن الكلام اصطلاح الناس على النطق به وحاجتهم إليه، ولا يبدو أن أهل المحكيّة يحتاجون النطق بالفصحى أو الفصيحة لضمان التواصل، ولا يجد الباحث في كلامهم تعابير مثل«ضاق ذرعاً» و«استشاط غضباً» و«لا ناقة له ولا بعير» و«أدلى بدلوه في الأمر» و«صار كالقابض على الجمر»، وغيرها.

وربما قيل إن العكس ليس واقعيّاً، أي أن الناطق بالفصحى أو الفصيحة لا يستطيع الاستغناء عن المحكيّة في البيت والشارع والسوق والمقهى، وربما لن يبدو كلامه الفصيح مناسباً لسرد تفاصيل مشاهدة ما أو نكتة ما، وقليلون هم الأزواج الذين يستخدمون الفصحى في مخاطبة زوجاتهم أو أبنائهم، وربما بدا بعض هذا النوع من الكلام صنعة في غير محلها. لذا، لا يوجد، حقيقة، سبب مقنع لحمل أهل المحكيّات على النطق بالفصحى، ولا توجد وسيلة حقيقية تضمن الاصطلاح. وعليه يتوقع البحث تسارع ابتعاد البعض عن الفصيحة لأسباب عدّة منها شيوع استخدام وسائط الانترنت الاجتماعية، وربما نشوء حالة لغوية ثلاثية تتضمن استخدام المحكيّات وبعض أشكال الفصيحة ولفظات أو تعبيرات انكليزية وفرنسية. وإذا لم يتحقق للعربية الاصلاح السريع المناسب فربما وجدت نفسها تواجه مصير اللاتينية الكلاسيكية الذي يقتصر استخدامها اليوم على بعض دورالعبادة والمحافل الآكاديمية.

 باحث ومؤرخ وروائي، والنص هذا من المجلد الثاني من كتاب الأصول وعنوانه: أصل الكلام: لسانا العاربة والعربية وأصولهما الجنينية في عصر الحجر، أصدرته دار أوثر هاوس الاميركية قبل اسبوع. ومعظم بحوث المجلد بحوث أصليّة تُكشف للمرة الأولى في تاريخ الكلام اقتضى تقديم أكمل صورة ممكنة لمراحل تطوّر الكلام من بداياته الأولى في عصر الحجر إلى ذروته في عصر العاربة، عندما صارت لغتهم أهم لغات العالم القديم، ولسان بعض أكبر الامبراطوريات الألفية التي قامت في العراق ومصر والشام. وُعرضت في المجلد مباني كلام العاربة كما كشفها التأصيل، وبما يتضمن الفصائل اللغوية والحالات البيانية التي ضمنت، إلى حد كبير، خلود كلام العاربة لأن الكثير من هذه الحالات حالات إنسانية في كل مكان وزمان. ووُجد من المهم تقديم صورة مناسبة عن البيئات الطبيعية التي استمد أهل الزمان الأول من طبيعتها ومن كائناتها الكثير من معارفهم الأولى، وبعض أصوات حروفهم. وكان المجلد الأول صدر عام 2010 بعنوان: الأسس الطبيعية لحضارة العــرب وأصل الأبجديات والعد والأرقام والمقاييس والأوزان والقضاء والنقد.

1 *ره  رهب  راهبات؛ *رع (إله مصر القديمة)  رعب  رعد.

2 مُلفت في شرح رعد:  «قال الأخفش: أهل البادية يزعمون أن الرعد هو صوت السحاب والفقهاء يزعمون أنه ملك؛ قوله تعالى: ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته (الرعد 13)، قال الزجاج: جاء في التفسير أنه ملك يزجر السحاب، قال: وجائز أن يكون صوت الرعد تسبيحه لأن صوت الرعد من عظيم الأشياء.» وزعم ابن عباس: «الرعد ملك يسوق السحاب كما يسوق الحادي الإِبل بحدائه»، وسُئل وهب بن منبه عن الرعد فقال: «الله أَعلم».

3 Hitti, Philip. History of the Arabs, (10th Edition, 1974), p. 12.

4 نوى اللفظات التي وردت في هذه الفقرة بين مزدوجين هي: «الضمير» ← ضم؛ «الحسب» ← حص؛ «النسب» ← نس؛ «الاخلاق» ← خل؛ «الفخامة» ← فخ؛ «الشرف» ← رف؛ «الكبرياء» ← كب؛ «قمح» ← قم؛ «سقى» ←سق؛ «فلح» ← فل؛ «حصد» ← صد؛ «درس» ← در؛ «خبز» ← بز.

تعليق الصورة أعلاه: الفصيلة اللغوية حص-صح

عادل بشتاوي: السوريون شعب أين منه الشعوب

انظر مصدر الصورة في: http://syrianwa.com/audio-slideshow-under-siege-in-syria-bbc/

السوريون شعب أين منه الشعوب.

هذا الشعب الشجاع وقف دائماً مع أمّته وتمسك بها كما يتمسك الصدر بقلبه وكان من قادة النهضة الثقافية والعلمية في العالم العربي، وعزّ على الملايين أن يصبح أكثر الشعوب العربية ظلماً. والسوريون بناة حضارة بامتياز، وأين الأمّة العربية اليوم لولا سورية ومن هي وما هو قدرها وفي أي الزوايا كانت انزوت وهانت؟ هذه أرض أهدت روما القياصرة وأطعمت نصف سكان الإمبراطورية التي كانت تعدّ ستين مليون إنسان، ومنها قامت أول ثورة في العالم العربي على الإمبراطورية الرومانية لما كثر ظلمها (زنوبيا). هذه أرض احتضنت دولة الأمويين ومنها فتح العرب العالم القديم ونشروا العروبة والإسلام ولولاها لكان العرب إلى اليوم في جزيرتهم ينظر إليهم جيرانهم بطرف العين والشفة المرفوعة باستخفافها كما ينظر الطاووس إلى جارته الدجاجة.

السوريون شعب أين منه الشعوب لذا عزّ على الملايين في شرق بيت العرب وغربه أن يمسي هذا الشعب العظيم الذي أعطى في صبحه التاريخ والحضارة، أكثر الشعوب العربية التي سكنها الخوف. وعزّ على الملايين أن يحبط الظلم هذا الشعب ويصرعه على أرض التخلّف وهو قائم لا ريب ولا جدل من انتكاسة طرحته كما يقوم الفجر من العتمة والله الناصر ينصر من ينصر عدله ويعلي رحمته ومن مصر وتونس واليمن وسورية وكل الدول العربية الأخرى ستتابع شهب الحرية البيضاء طريق النصر ودك عمارة الجبروت حتى يتحرر العرب من الظلم وينتهي ذل أسوأ عهد عرفته الأمّة.

والسوريون يعربيون يرضعون العروبة مع حليبهم ولا يرفعون عن الحاكم الشك حتى يمعن في اليقين ومع ذلك كانوا يزحفون مساءً إلى ساحة قصر الضيافة فيبيتون ليلتهم في العراء، وكنت من هؤلاء ولما بلغت من العمر الخامسة عشرة، لكي يكون لهم مكان مشرف عندما يخرج الرئيس جمال عبد الناصر ليخطب فيهم، حتى إذا ارتفع صوته بالتهديد والنصر الأكيد، بدوا سكارى وما هم بسكارى فهتفوا معه وهتفوا له وتمنّوا الوحدة مع أمّ الدنيا. ولما جاءت الوحدة جاء معها عبد الحميد السرّاج (وزير داخلية حكومة الوحدة السابق) وجاء بصنف من أهل المخابرات برعوا في ممارسة تسلّط لم يعهده السوريون في زمن الشيشكلي، فامتدت أيديهم إلى البيوت الكبيرة والشقق الفاخرة والسيارات الجديدة فأخذوها، ثم امتدت أيديهم على الحريات فبدأوا يضيّقون على الناس وأذاقوا السوريين ما كان المصريون عرفوه وذاقوه. وكان السوريون لا يطيقون تسلطاً لحرية نشأوا عليها فصلّوا كي تذهب الغمّة، وتظاهروا بالصمت، واشتكوا بالعيون والعبرات لأنهم تفادوا الشكوى علناً كي لا يُقال إنهم يشتكون من الوحدة.

وسرت الإشاعات في سورية. وكان بعضها يزعم أن السرّاج ورهطه يضعون المعارضين في أحواض الحمامات (البانيو) المملوءة بالأسيد حتى يذوبوا. ولم يكن العجب في مثل هذه الإشاعات بل في ترجيح البعض وقوعها لأنهم كانوا يعرفوا ما يكفي لترجيح مثل هذا الاحتمال فسقط في الشك. وكان السرّاج يكتب إلى عبد الناصر بأن الشعب السوري يعزه، وبأن السوريين قاطبة يريدون استمرار الوحدة، ويطالبون بمزيد من الاندماج حتى يصبح البلدان بلداً واحداً في كل شيء، لكن الإقطاعيين يقفون في الطريق، والصناعيين يقفون في الطريق، والتجار يقفون في طريق الاندماج الكامل فبدأ التأميم، وبدأت مصادرة الأراضي.

لكن قصة نجاح إعادة توزيع الأراضي الزراعية في مصر لم تتكرر في سورية لأن مالك الأرض والمزارع كانا مختلفين تماماً عن مثيليهما في مصر فتوقف الاستثمار بالأرض. وكانت سورية تصدر القمح فصارت تستورده من إيطاليا وكندا وغيرها، وكانت تصدر الفاكهة فصارت تستوردها من لبنان، وانقلب المتضررون من التأميم والمصادرة على الوحدة وانضموا إلى المتضررين من الفئات الأخرى. ومع الزمن واستمرار تسلط المخابرات نمت ثورة سبق السوريين ببياضها برتقالية ثورة الأوكرانيين واللبنانيين. وكان شعار هذه الثورة البيضاء قول صغير: “بدّك تطوّل بالك”. وكتب سوريون هذا الشعار على الجدران وعلّقوه في لوحات في الدكاكين والورش وصالونات الحلاقة فعرف السرّاج الهدف منها وأنزل المخابرات إلى الشوارع والطرقات فكانوا يهينون من يعلّقها ويأمرون الناس بإزالتها فتغيب من مكان لتظهر في أمكنة. ومع كثرة الغيّ والتسلط بدأ السوريون يكفرون بالوحدة ويتمنون العودة إلى الانفصال لأن حرّيته كانت أكبر من حرية الوحدة.

إذا تساءل اليمني، رفيق السوري والمصري في الوحدة، والجزائري، رفيق السوري في النضال من أجل الاستقلال، والمغربي، حامي ميمنة البيت العربي على شواطئ الأطلسي، لماذا لم يخرج السوريون، وهم الأنشد إلى الوحدة من معظم العرب، عن بكرة أبيهم إلى الشوارع عندما أعلن عبد الكريم النحلاوي انقلابه العسكري على الوحدة مع مصر (1961) فقد أعطيت الجواب. الكلام عن مؤامرة إمبريالية أو صهيونية أو استعمارية أجهضت الوحدة كلام فارغ. السوريون لم يجهضوا الوحدة لكن الظلم أجهضها ولا يطيق السوريون الظلم.

ولم يخرج السوريون إلى الشوارع لرؤية الانقلابيين إذ كان ألمهم أكبر من أن يطيقوا رؤيتهم في شوارع مدينتهم الأزليّة، لكنهم لم يخرجوا للدفاع عن الوحدة. لم يستطيعوا إنزال السراج عن ظهورهم فلم يبق خيار سوى إنزال الوحدة مع مصر عن ظهورهم لأن مخابرات السرّاج ورهطه قتلوا الوحدة في نفوس السوريين. لم يكن قصد السراج ورهطه أن يقتلوا الوحدة أو إذلال الوحدويين، وكانوا عرباً يريدون استمرار الوحدة لأن عبد الناصر كان يريد استمرار الوحدة، لكنهم حكموا بالطريقة الوحيدة التي يعرفونها، وكانوا يعتقدون أنها أفضل طريقة للحكم لأنهم لم يعرفوا من تجربتهم في مصر طريقة غيرها وكانوا أوفياء لتلك الطريقة. ضعوا فصيل جنود في حديقة غنّاء وانظروا ما سيحدث لها بعد ستة أشهر. هذا كل ما في الأمر فلا مؤامرة هنا ولا هم يحزنون.

وبعدما كفر السوريون بالوحدة كفروا بالسياسة واحتقروها كما احتقرها المصريون وكفروا بها واعتبروها أمّ الشرور ورأس الخبائث فانصرفوا عن الحكم والحكومة بالجملة فسطا عليها الانتهازيون وصار الجيش أقرب طريق إلى الثراء وأسرع الدروب إلى الحكم من دون جهد سوى الانتظار فملازم اليوم بالتأكيد نقيب الغد، ونقيب الغد بالتأكيد عقيد بعد الغد واللواء بالتأكيد حاكم البلاد ثم يتدرج في المناصب حتى يصل إلى أعلاها فيأتي غيره ويزيحه، لذا كان السوريون يتندرون بالقول إن أعلى مرتبة عسكرية في الدنيا هي المدني.

وكان أكثر ما يحز في قلوب أبناء الأمّة أن يروا الدبابات التي اشتروها للضباط لحماية حدود البلاد وتعيد حقوقه الضائعة وهي على تقاطعات الشوارع وأمام الأركان والإذاعة والمصارف المؤممة والمصانع التي كانت تنتج الأمشاط ذات الأسنان الملتصقة ببعضها في النهار فيأتي عمال دورية الليل فيذيبونها لعمال دورية النهار ثم يتبادلون الأدوار. وكان أكثر ما يحزّ في قلوب السوريين أن يروا الجيش المفترض به أن يكون على الجبهة مع إسرائيل، في الجبهة مع الشعب. وكان الجيش المفترض به أن يحمل البندقية للدفاع عن الوطن، يحمل المطرقة للدفاع عن النظام فينزل إلى الأسواق ويكسر قفل كل دكان أغلقها صاحبها احتجاجاً على التأميم الذي استخدمته الأنظمة سلاحاً فتّاكاً لإفناء الطبقة الوسطى. ونجح الانقلابيون في تدمير الطبقة الوسطى نجاحاً باهراً ففنيت في سورية ومصر والعراق والجزائر وفي غالبية الدول العربية. وبفناء هذه الطبقة توقف نبع إنتاج السياسيين والاقتصاديين والأدباء، وتولّى الضباط الكبار ممن ترعرع في الثكنات وعاش بين الدبابات والمدافع وعجلات الطائرات الحربية إدارة حياة المدنيين ففعلوا ذلك بالطريقة الوحيدة التي يعرفونها وعاملوهم مثل عسكرهم وعاقبوهم بالطريقة العسكرية نفسها.

وكان من بقي في رأسه عقل يتلّفت حوله وينظر أمر الأمة فيرى الكوابيس في نهاره فمن أطال الله بعمره كان يترحم على أيام العثمانيين، ومن لم يكن على أيام بني عثمان صار يترحم على الاستعمار، ومن عاصر ضبط البعث صار يترحم على فوضى الاستقلال. وضاق الوطن بأهله وأهله بأحوالهم فخرجت صفوة المجتمع ومن قدر من الناس إلى الدول الرجعية في الخليج فتقدمت أمورهم، وخرج آخرون إلى بلاد الاستعمار فذاقوا الحرية، فيما نشط ابتعاث أبناء الضباط إلى الاتحاد السوفيتي فعادوا من بلاد ستالين ورأوا في الحريات القليلة التي بقيت صامدة في وجه رياح القمع انفلاتاً لا انفلات بعده ومظهراً مقززاً من مظاهر الرأسمالية فشمّروا وبدأت مرحلة جديدة من غسل الأدمغة مما بقى فيها من رواسب الحريّة والجرأة.

وكان الناظر إلى أوضاع هذه الأمّة يفرّك عينيه قوياً ويتساءل إن كانت لا تزال أمّة الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان الناظر إلى هزائم الأمّة يفرّك عينيه قوياً ويتساءل أن بقيت لها علاقة بأمّة الانتصارات التي قرأ عنها في التاريخ. معقول؟، كان الناس يسألون أنفسهم. معقول أن يكون على رأس الأمة مثل هؤلاء الزعماء؟ أين هو الصك الذي يعطيهم ورهطهم الحق في استعباد الناس؟ من انتخبهم ومن اختارهم ومن وافق عليهم وأين هي الشرعيّة التي يستندون إليها؟ معقول أن يكون على رأس حزب ينادي بالوحدة زعيم مثل صدام حسين؟ منذ خمسين عاماً وهذا الحزب ينادي بشقيه العراقي والسوري بالوحدة. من اتحد معه، وهو اتحد مع من، ومن هو الذي يريد هكذا وحدة؟ إذا لم تستطع قيادتان متماثلتان في حزب متماثل خرج من الرحم نفسه الاتحاد فما بالك بالدول الأخرى؟ وكم كان عدد قصور صدام الزائل؟ إذا كان زعيم الحزب الذي ينادي بالاشتراكية له كل هذه القصور فما هو عدد القصور التي كان بناها لو كان ينادي بالرأسمالية؟ وهل بقي عند الاشتراكيين شيء يشاركون فيه الناس سوى الفقر؟

أرجو ألا أفهم خطأ ويفسر ما سقته بأنه إساءة إلى كل بعثي. هذا ليس القصد. لحزب البعث مواقف تاريخية مشرّفة في التصدي لاستبداد حسني الزعيم وأديب الشيشكلي، وفيه أعضاء لعبوا دوراً حاسماً في تحقيق الوحدة مع مصر (شباط/فبراير 1958)، وهناك وطنيون كثيرون انضموا إلى الحزب لا لهدف سوى خدمة هذه الأمّة لكن هذا الحزب مًختطف. مبادئه مختطفة وتاريخه مختطف ومواقفه مختطفة. إذا كانت الأنظمة اختطفت الشعوب فهل تعجز عن اختطاف الأحزاب وحركات التحرر؟

في هذه الأمّة اليوم عشرات الملايين من التلاميذ الذين يحسبون أن الأنظمة في العراق وسورية ومصر وغيرها وريثة العباسيين والأمويين والخديويين. وجاء صدام العراق برسامين فصنعوا في أحد قصوره جدارية كبيرة صوّرته على رأس رتل من الدبابات وصوّرت صلاح الدين إلى جانبه على رأس كوكبة من الفرسان. وكان صدام يقول: هل فعل المنصور أكثر مما فعلته؟ وكان يقول: “أنا أقل من نبوخذنصّر”؟ فراح يثبت قوله بالرسم وصوّر نفسه إلى جانب نبوخذنصّر (الثاني)على بوابة بابل وأمر فكُتب تحت الصورة: “بناه صدام حسين، حفيد نبوخذنصّر، للعراق المجيد”، وربما في إشارة إلى سبي اليهود بعد تخريب أورشليم 586 قبل المسيح.

وكان آخرون في غير العراق يبشرون أهل الجنة بوصول فقيد من عندهم، وآخرون غيرهم ينسبون أنفسهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشياء مثل هذه كانت كفراً واضحاً لو وجد العلماء والفقهاء الشجاعة التي لا فائدة من علمهم من دونها بدلاً من أن يرددها بعضهم ويؤكدها، أو وجدوا الوقت لتعميم العلوم والطب والهندسة والتنوّر بدلاً من التركيز حصراً على الحديث والفقه وإهمال كل شيء آخر فأين هؤلاء من العلماء والفقهاء الذين قاموا لنجدة الأمة لما كثر غي الخليفة العباسي الراشد بالله فعزلوه.

ومن لم يكن يعرف ما قاساه الشعب الروسي في ظل حكم ستالين تلفّت حوله في الخمسينات وما بعدها وعرف شيئاً عنه، ومن لم يكن يعرف من العرب ما هي حقيقة ما يحدث في العراق وسورية ولبنان والأردن ومصر واليمن بشماله وجنوبه ولماذا حدث ما حدث فلعل القليل الذي سقته في هذا الكتاب يساعده على فهم تلك المرحلة التي حكمت العرب فيها الشياطين ومن لا يخشى الله. من تساءل لماذا ساد بلاد العرب كل هذا الظلم ولم يعرف السبب فلعلي وضعته في الطريق الصحيح إلى فهمه.

لم يكن العرب يريدون إلا الحرية بعد 400 سنة من القهر العثماني وبعض الاعتراف بهم أمّة تتميز عن غيرها في مستنقع بني عثمان فعلّق العثمانيون مشانق 26 وطنياً في بيروت ودمشق. كم وطنياً عربياً مات في سجون الأنظمة الوطنية خلال الستين سنة الماضية؟ إذا كنّا خصصنا ساحتين كبيرتين في دمشق وبيروت لتخليد 26 بطلاً وطنياً وأخذنا الأمور قياساً فهل نبالغ إن أطلقنا على هذا العالم العربي كله ساحة شهداء الحرية ومناهضة الظلم؟ من يلوم اللبنانيين أن خرج بعضهم يطالب بعودة الاستعمار؟ والسوريين؟ والجزائريين؟ والمغاربيين؟ هل تعرفون ما هو الكتاب الذي طّبعت منه أربعة إصدارات في القاهرة خلال أيام؟ كتاب عن الملكية في مصر. هل تذكرون الكاريكاتير في صحيفة جزائرية عن خروفين عشية عيد الأضحى والسكين فوقهما فيسأل الأول الثاني: من يذبح من؟ فيجيب الثاني: الكل. الكل ليس رقماً هيّناً لأن 100 ألف ضحية عدد كبير بكل المقاييس. إن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لا يفوّت مناسبة لتذكير فرنسا بأنه “لا بديل أمامها إلا الإقرار بالأخطاء التي اقترفتها في الجزائر وتقر بأنها عذبت وقتلت جزائريين” خلال الاستعمار الذي دام 132 سنة، خصوصاً مجازر قالمة وسطيف وخراطة (8/5/1945) التي خلّفت 45 ألف قتيل، فمن من الحكومة الجزائرية سيقرّ بأخطاء حكومته في فناء 100 ألف جزائري؟ ولا تنفرد الجزائر بوضع لا يسري على دول عربية عدّة فإلى الآن لا يزال المغاربة يكتشفون جثث من ماتوا تحت التعذيب في الأقبية في مقابر لم يعرفوا بوجودها إلى عهد قريب.

لقد كان قهر بني عثمان متخلفاً بمثل تخلفهم لكن ما رآه العرب في خلفاء عبد الحميد وستالين من زعمائهم العرب كان شيئاً مختلفاً تماماً. العنف في طبع عرب كثيرين لكن القسوة ليست من طباعهم الأصليّة، ومع ذلك فـ “القسوة” ليست كافية لوصف ما حدث من الخمسينات إلى يومنا هذا. نحن عاطفيون لكننا نخطئ إن اعتقدنا أن المستبدين يفكرون مثل باقي البشر. نحن العرب العاديين نكتشف أنفسنا من وجود الناس حولنا: من آبائنا وأمهاتنا وأصدقائنا، ونتطلع من الخارج إلى الداخل، لكن المستبدين جنس آخر من البشر ليسوا مثلنا، ومن يراقبهم عن كثب سيرى كيف تتحول العواطف الانسانية في تقاطيع وجوههم إلى شمع وبلاستيك.

المستبدون فوق الجنسيات والأزمان والأعراق والثقافات واللغات والقوميات والأوطان. إنهم صنف مختلف. فيهم الصغير وفيهم الكبير لكن المدرسة المنجبة واحدة والتفكير واحد. ما الذي يجمع ستالين (حكم 26 سنة) من روسيا وفرانكو(36 سنة) من إسبانيا وسالازار (36 سنة) من البرتغال وصدام (24 سنة) من العراق والأسد (30 سنة) من سوريا وحسني مبارك (26 سنة) من مصر سوى حب السلطة؟ إنهم لا يرون حولهم سوى أدوات بقائهم فيتطلعون من الداخل إلى كل ما هو حولهم.

يمكن الحديث عن هذه الموضوع صفحات لكن سأجنبكم هذا العناء لأنّي وجدت مثالاُ يغني عن صفحات سأسوقه لسببين هاكم الأول: حكم فرانكو إسبانيا 36 سنة ونقل إلى المستشفى وهو بين الحياة والموت فقطعت محطات التلفزيون في العالم نشراتها العادية لتعلن النبأ، وسارع المخرجون إلى إعداد برامج وثائقية عن حياته لكن فرانكو ظل متمسكاً بالسلطة على فراش الموت كما تمسك بها خارجه فلم تخرج روحه بالسرعة التي تمنّاها العالم. وطال الحال بفرانكو أكثر من 45 شهراً فصار المذيعون يقولون في النشرات إن فرانكو لم يمت بعد، أو أنه لا يزال حياً. ولما مات أخيراً وقف كوميدي أميركي أمام الجمهور ثم قال شيئاً أضحك العالم.

ورُوي قبل ذلك أن فرانكو أفاق من سكرة من سكرات الموت على هتافات في الساحة خلف نافذة المستشفى فأشار إلى الطبيب أي تعال وسأله سبب هذا الهتاف. فقال الطبيب بحزن: شعبك جاء لوداعك. فسكت فرانكو لحظات ثم قال للطبيب: لماذا؟ إلى أين يريد شعبي الذهاب؟

هـ ــ الحارث والوارث كلاهما في اللاشرعية سواء

من تناقضات التاريخ إن الأمّة اليونانية التي قدمت للعالم نظام الحكم الديمقراطي في القرن الخامس قبل الميلاد ظلت أمة استبدت بها الشعوب الأخرى حتى عام 1829. ومن غرائب هذا النظام أن اليونان كانت ستعتبر أمّة مستبدة حتى عندما طبقت هذا النظام لأن اليونانيين استثنوا النساء والأجانب المقيمين في البلاد والعبيد لذا كان من يحق له التصويت يمثل 16٪ من عدد السكان. لكن اليونان كانت ستعتبر أكثر الأنظمة ديمقراطية حتى في عالم اليوم لأن ممارسة الديمقراطية كانت مباشرة وليس من خلال النواب أو أعضاء مجلس العموم أو أعضاء مجلس الشيوخ وما يقابلهم. والشائع أن بريطانيا من أقدم الدول الديمقراطية لكن الأنظمة الديمقراطية الشاملة التي تلتزم تطبيق القوانين واحترام حقوق الإنسان لم تكن موجودة في نهاية القرن التاسع عشر في أي مكان، وهي اليوم نظام غالبية دول العالم (120 دولة) التي تعدّ 192 دولة لذا تنفرد الدول العربية بحصة الأسد من الأنظمة الأخرى فتقترب من الثلث.

ووقفت الأمّة العربية في لحظة من لحظات تاريخها أمام الخيار الذي واجه كليسثينيس اليوناني قبل 2500 سنة فنظر المفكر سهل بن سلامة الأنصاري إلى ما حل ببغداد والبصرة وغيرها من مدن العراق من الشر والخراب بعد الفتنة بين الأمين والمأمون، وكلاهما إبنا هارون الرشيد، وما أفرزته من فتنة أكبر بين العرب والفرس فاستنتج أن خلاص الأمة في إلغاء سلطة الملوك، وقال بالعربية ما كان كليسثينيس قال شيئاً مثله باليونانية القديمة: “إن على الناس أن يتعاونوا فيما بينهم على إحقاق الحق وإبطال الباطل دون حاجة إلى السلطان”.

ولم يكن سهل وحيداً في هذه الدعوة فشاركه الرأي كثيرون ونمت في العراق حركة فكرية رفضت مبدأ الإمامة وأنكرت على الملوك ادعاء الخلافة على المسلمين استناداً إلى الحديث النبوي: “إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة”. وبما أن الأنبياء لا يورثون فما يتركونه في الدنيا من مال أو مقام ملك للمسلمين جميعاً ولا يحق لآل البيت النبوي، أو غيرهم من مدعي السلطة، المطالبة به، والأجدر بالمسلمين إقرار الشورى أو حكم أنفسهم بأنفسهم أو بمن يكلفونه الحكم. ومن الواضح أن حجب الإمامة في هذه الصورة شامل لا يقتصر على المأمون بل يمتد إلى الخلافة العباسية كلها بدءاً بمؤسس السلالة العباسية عباس بن عبد المطلب، أحد أعمام الرسول الثلاثة، وهو المعروف بالسفّاح لقوله من على المنبر في مسجد الكوفة: “أنا السفاح المبيح والنائر المبير”.[1]

وشعر المأمون وأخواله الفرس بخطر هذه الدعوة فنزل سوق النقاش قارئاً ومشاركاً وموجهاً بحكم منصبه الكبير فاختطف مسار الحوار الرافض للسلطة كلها وحوّله ومؤيدوه من حوار ذي صلة وثيقة بما يحدث وقتها إلى محوّر عام هو الخلاف على أحقيّة الحكم بين الأمويين والعباسيين بما يعكسه من خلاف أهم بين العرب والفرس. وقيض للمأمون مفكر لعله من أكبر المفكرين الانتهازيين في التاريخ العباسي، وربما العربي، وأكثرهم جدلاً فوقف إلى جانب المأمون ووظف موهبته ولغته العقلانية السابحة في ماء الأدب وأسلوبه المدهش في خدمة محور نقاشه. ومن كتاباته في تلك الفترة الحاسمة من التاريخ العربي ذاع صيت الجاحظ في العراق وخارجه وصارت له سطوة على الحوار تعادل سطوة المأمون في الساحة السياسية والعسكرية. وانبرى الجاحظ للفئة التي أيدت الأمويين، وغالبيتها من العرب، وهي المعروفة باسم “المحدثين” أو “النابتة” فطعن في الحديث النبوي أعلاه وكتب في تأييد الخلافة العامة، وبالتالي خلافة العباسيين ضمناً، ووجوبها على المسلمين فرضاً كما يتضح في “وجوب الإمامة” و”الدلالة”، وصار في حساب الفئة المعاكسة لتيار المحدّثين المعروفة باسم “المعتزلة” من خلال مدرسته التي يُشار إليها في بعض المصادر باسم “الجاحظية”.

وكان أساس الصراع بين العرب والفرس وجوهره صراعاً على السلطة أججه التنافس بين العرقين العربي والفارسي، ثم شحنه الطرفان بالدين فازدادت مشايعة الفرس لعلي بن أبي طالب (ولذا عُرفوا بالشيعة) فوق حدها السابق، واتخذوه رمزاً دينياً وأعطوه القدسية فأعلنوه أفضل الخلق بعد الرسول. أما المحدثّين فوقفوا في الجانب المعاكس تماماً وصاروا يتفادون ذكر علي، وجعلوا معاوية بن أبي سفيان رمزاً دينياً وأسبغوا عليه شيئاً من القداسة. وسعى المحدثّون إلى قطع الطريق على التعرض لرمزهم الكبير فصاروا يقولون إن شتم معاوية بدعة ومن شنّع عليه خالف السنة فسلّط المأمون وجماعته الجاحظ على المحدّثين فأخرج كتاباً (إمامة معاوية) حمل فيه على معاوية حملة لم يسمع الناس بمثلها منذ زمن السفاح، مما مهد للمأمون إخراج المنادين في الساحات والشوارع يتبرأ ممن ذكر معاوية بخير. [2]

ونعرف من تطورات ذلك الزمان أن الحوار لم يحسم الخلاف بين الأمين والمأمون فاحتكم المأمون إلى السيف ودخل بغداد وقتل أخاه واستبد بالملك ونادى بنفسه الخليفة العباس السابع عبد الله بن هارون الرشيد المشهور بالمأمون. وغرق رأي سهل بن سلامة الأنصاري ومن وافقه في معمعة هذه الفتنة وذهبت ريحه وطاب الحكم للمأمون ومن أعماله المشهود له بها عنايته بالعلوم والأدب والترجمة وبناء المدارس والمكتبات (دار الحكمة) حتى وصلت في عهده إلى الأوج، ولعلها في أحد أشكالها نتاج تغير العلاقة بين الملك والدين لكنها لم تصل إلى حد الانفصال. ومع ذلك فإن الصراع السلطوي العرقي بين العرب والفرس لم ينته ودخله آخرون من أعراق غيرهما وآل بالخلافة العباسية إلى ما نعرفه في التاريخ.

إن إقحام العامل الديني في صراع العرب على السلطة الدنيوية منذ خلافة علي بن أبي طالب وإسباغ القدسية والمعصومية على أطراف هذا الصراع ساهم في خنق الحوار في شأن طبيعة هذا الصراع وأسبابه فاحتكم علي ومعاوية إلى السيف بعد مقتل عثمان بعدما بعثت نائلة، زوجة الخليفة القتيل، قميص زوجها المخضب بالدم إلى الشام فحزن أهلها على عثمان وبايعوا معاوية أميراً ثم خليفة شرط الانتقام لمقتل عثمان. فلما دعا علي معاوية إلى بيعته اشترط تسليمه قتلة عثمان، وروج معاوية في صفين أن قتلة عثمان في جيش علي ويأبى أن يعاقبهم.

وانشغل علي بعد صفين بقتال الخوارج (الجماعة التي خرجت عليه بعد وقعة الجمل وكانت أهم حرب بين المسلمين وأكثرها ألماً لمقتل طلحة والزبير فيها) فاستغل معاوية الظرف لتسيير الجيوش إلى مصر والمدينة وغيرها وبسط سيطرته عليها. أما عليّاً فقد اغتاله الخوارج من ضمن خطة أشمل لاغتيال معاوية وداهيته عمرو بن العاص في يوم واحد وإعادة مبدأ الشورى إلى الإسلام. وقُتل علي قتلاً ظالماً فخسرت الأمة واحداً من أنبل أبنائها فما كان قبل الخلافة إلا كارهاً لها أشد الكره، فيما نجا الاثنان. واستتب الأمر لمعاوية بعد غياب الخليفة الرابع واستبد بالسلطة وبدأ هرقلة الحكم بتعيين ابنه يزيد خلفاً فقال عبد الرحمن بن أبي بكر (الصديق) قولته الشهيرة: “ما لخيار أردتها لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقليّة: كلما مات هرقل قام هرقل”؟[3] ثم كرر الجاحظ قولاً شبيهاً عندما اتهم معاوية بمخالفة الجماعة وتجاهل الشورى وتحويل الإمامة إلى ملك كسروي وقيصري “فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفّار”.[4]

إن الباحث ليتفادى إغراء إسقاط زمن على زمن آخر وإذ بأحداث بعينها تُسقط نفسها بنفسها على الزمن الآخر ولا أعرف تاريخاً يتميز بهذه الخاصيّة كما يتميز بها التاريخ العربي. ويعرف الناس الآن، كما كانوا يعرفون في عهد المأمون، أن ما كل حاكم أطلق على نفسه صفة “ولي الأمر” بولي الأمر المستحق للطاعة ما لم يؤمّر من الناس وليس من أقربائه وأصحابه. وما كل سلطان عثماني أطلق على نفسه اسم “حامي الأحرام الثلاثة: المدينة ومكة والقدس” سلطان على الناس ما لم يبايعوه على السلطنة ويبايعهم. وما كل حاكم بعزيز القوم ولذا فإنه يستحق الرحمة إن ذلّ ما لم يكن الحاكم الذي أعزّه الناس وليس الإعلام البيّاع الذي يسيطر عليه ويروج له. لكن تداخل كل هذه العوامل في العقل البسيط وإسقاطه من زمن على زمن، ومن حاكم على حاكم، ومن حالة على حالة هو الذي يقود البعض إلى وضع استنهاض العاطفة والشعور بالرحمة على مستبدين تمكنت الغلظة من قلوبهم أو الثلب من أجسادهم.

إن مداخلة العصور والأزمان وإسقاط عهد على عهد بغية الاحتكاك بصلاح الأولين أو شرعيّتهم هي التي تنتج وضعاً عجيباً يقفز فوق ألف ومائتي سنة فيصف وضعاً في القرن الواحد والعشرين بأنه فتنة القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) ومن ذلك اتهام ثلاثة سعوديين ناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية (علي الدميني وعبد الله الحامد ومتروك الفالح) بـ: “إثارة الفتنة والخروج على طاعة ولي الأمر” في المملكة بالدعوة إلى “قيام ملكية دستورية واستخدام مصطلحات غربية في طلبهم إجراء تغييرات سياسية في المملكة” حسب ممثلي النيابة العامة.

وإن الباحث ليسأل نفسه ماذا كان حدث يا ترى لو أن مفكّراً مثل الجاحظ رأى ما رآه سهل بن سلامة الأنصاري واستنتج مما يعرفه من التاريخ، وما يمكن أن يستنتجه عظيم بكل قياس، بأن الشعوب لا تستطيع ائتمان الملوك على مصيرها، ثم وظف عبقريته للدفاع عن هذا الرأي الجديد بدلاً من أن ينصر مستبداً مثل المأمون ومتسلقاً مثل الفضل بن سهل الذي مكّن المأمون من السلطة وصار وزيره، ويساهم في خروج المأمون عن السنة بالتشيّع؟ والجاحظ هو المفكّر الليبرالي الوحيد في العالم الذي نصر السودان على البيضان وبيّن فضلهم، وهو أيضاً المفكر الذي استخلص بأن احتمال مشاركة الملوك حكمهم عبث لأنهم لن يقبلوا أقل من كل شيء: “وإنما غاية الملوك في كل شيء، لا بدّ للملوك منه، فأما ما فضل عن ذلك فإنها لا تخاطر بأصول الملك”[5]، ومع ذلك تبدّت للجاحظ الفرصة التي تبدّت للبارون مونتيسكيو بعده بألف سنة فأنكرها وسخّر عبقريته لخدمة الاستبداد وجعل الخلاف بين الأمين والمأمون في بداية القرن التاسع الميلادي خلافاً بين الأمويين وآل بيت النبي قبل أكثر من 150 عاماً.

 لكنّ المقارنة بين الجاحظ ومونتيسكيو لعلها المقارنة الخطأ فالأصح مقارنة المأمون بكليسثينيس فكلاهما كان زعيماً فاختار الثاني مشاركة الناس له في الحكم لكي يتحملوا جزءاً من المسؤولية، فيما اختار الأول أن يتحملها كلها ففتك بمؤيده الأكبر الفضل بن سهل كما فتك سابقه بمؤيده الأكبر أبي مسلم الخراساني. وضاق المأمون بأخواله فانصرف عنهم وحمل إلى العرب والعربية من العلم والتنوّر ما لم يحمله ملك قبله وليته حمل إليهم بدلاً من ذلك ما حمله كليسثينيس لأن العلم والتنوّر نتاج الحرية والديمقراطية الصحيحة الطبيعي. ولم يفعل فترك لمن جاء بعده الإرث المنحوس نفسه ففتكوا ببعضهم البعض وفتكوا بالناس وبات السيف أصدق أنباءً من الكتب كلها وصاحب الكلمة الأخيرة في كل حوار وكتابة وقول.

إن بعض الغربيين الذين يزعمون أن الإسلام دين الاستبداد لم يقرأوا الآية: “قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلة”. لا يوجد في كتاب مقدس آخر مثل هذا التعميم، ولا يوجد في تراث الشعوب وأمثالهم من اعتبر السلطة مصدر كل الشرور ورأس كل الخبائث لذا تدعو الأمّ العجوز لابنها الشاب بأن يحميه من الحكّام والظّلام (الظالمين) وأولاد الحرام فخصصت في الحالتين الأخيرتين وكان حكمها مطلقاً في الحالة الأولى وكأنهم جميعاً في الاستبداد سواء. وإن بعض الغربيين الذين يزعمون أن الإسلام ما كان سينتشر في العالم لولا السيف والجزية يغفلون حقيقة كبيرة هي أن الإسلام في آسيا، حيث العدد الأكبر من المسلمين، لم ينتشر بالسيف أو بالجزية بل انتشر انتشاراً سلمياً مطلقاً على يد التجار الذين حملوا الإسلام مع تجارتهم ووضعوا أرباحهم في خدمة نشر الدين[6]، وعلى يد المتصوفين الهنود الذين تأثرت بعض مدارسهم بالمتصوفين من الشام، ثم طوروا طرائقهم وقدموا مساهمتهم الجليلة المعروفة في الفلسفة والآداب الإسلامية، ومساهمات فلسفية وفقهية أخرى لم يكن القصد منها خروج التطبيقات السلبية التي رأيناها في أفغانستان على يد الطالبان أو في فكر الجهاديين.

وما نريد تأكيده هو أنه لا توجد قدسية من أي نوع في الصراع على السلطة، ولا مبرر للقدسية عند الحديث عن أطراف الصراع على السلطة، ولا علاقة للدين بكل ما فعلوه من أجل الاستفراد بها. ونعرف اليوم ما كان العرب يعرفونه قبل أكثر من 1200 عام بأن الدين زُج في الصراع ولم يكن أساسه، ولذا رأوا آنذاك ما يرونه اليوم من أن الحق والباطل لا يستويان، ولا الإيمان والكفر أو العدل والظلم أو الشرعيّة والاغتصاب حتى لو أدخل الصراع السلطوي نفسه عبر بوابة الدين أو الأقليات المظلومة وكأن الغالبية ليست في مرتبة الظلم نفسها. ورأى العرب، وهم يتجادلون في شرعيّة الحكم بعد مقتل علي بن أبي طالب، يرحمه الله، ثم بعدما قام المأمون على أخيه أن الحارث المغتصب يخطئ خطأ كبيراً إن ظن أن الوارث شرعي ولن يلبث أن يمد الحارث في مماته بالشرعيّة التي لم يتمكن منها في حياته وتقوم سلالة الخير على أفعال القهر والشر ويقبل الناس الأمر الواقع ويقولون عفا الله عما مضى. والوارث على خطأ الحارث، بل أكثر إمعاناً في الخطأ، إن ظن أن السلطة المشبعة بالظلم ستصبح سلطة العدل بين يديه. الشرعيّة لا تقوم على اغتصاب ولو بعد ألف عام.

فكروا بما تقدم ثم انظروا في العهد الأقرب إلى بينوشيه: كان يصر على أن يُدعى برئيس الجمهورية لكنه جنرال مغتصب للسلطة شاء أم أبى ولا يعرفه التشيليون اليوم إلا باسم الجنرال. لا يوجد التباس هنا ولا غفلة ولا ظن حسن في نية أصلها سيئ. إن عرف الوارث أن المال الذي سلّمه الحارث له مسروق فهو شريك ولا يستطيع إنكار شراكته في العمل الأول. هذا ليس صكاً خفيّاً بوراثة خفيّة بل حكم ظاهر للناس لا يخفى على أحد. حبل السلطة لم ينقطع بينهما فهو استلام وتسليم ولذا ورث الوارث الحكم بمعرفة بأصوله وبمبايعة الحارث له وليس بمبايعة الأمّة فما ورث إلا الاغتصاب في زمن أبعد من زمن الاغتصاب الأول لكن طينة الاغتصاب المجبول منها هي الطينة نفسها. المال المسروق مسروق في كل الأزمان والأوقات والحالات ولصاحبه الحق باسترداده ولو بعد ألف عام.

كل ما جوهره باطل فهو باطل، لذا فإن كل هذا الكلام عن الجيل القديم والجيل الجديد والحرس القديم والحرس الجديد ضباب ومرايا لا تعكس إلا الضباب حولها. خارج سلطة الظلم لا توجد سلطة أخرى لأن التسلّط لم يحتمل المنافسة في أيام الأمويين أو في أيام العباسيين أو في أيام الفاطميين ولا يحتمل المنافسة اليوم. ومن باب استغباء الناس الادعاء بأن قوائم كرسي الحكم القديمة ستُفصل لتحل محلها القوائم الجديدة لأن كرسي الحكم سيسقط عندما تسقط أول قائمة قديمة. هذا الكلام لامتصاص النقمة لا أكثر وحذّرنا الله تعالى من قوم مثلهم إذ قال: “يُرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم”.

لم يقرأ أرباب الأنظمة سيرة الظاهر بيبرس لذا لم يبدأوا صفحة جديدة لأنهم لم يجدوا حرساً جديداً لأن الحرس القديم لم يبق على أي حرس غيره. كان بيبرس يستطيع أن يكسّر كل رؤوس المعارضة ويستقدمهم إلى مكاتب المخابرات واحداً بعد الآخر ويجبرهم على مبايعته لكن بيبرس العجمي كان يعرف من العربية ومن الدين ما يكفي ليستنتج بأن يمين الإكراه باطل ولذا فإن المبايعة بالإكراه باطلة. لا يكفي أن يقول رهط الأنظمة لابن رئيس النظام إن حكمه شرعي لكي يصبح حكماً شرعيّاً. الناس في الدول العربية يعطون الشرعيّة، وماذا يعطي النظام غير الشرعي سوى اللاشرعيّة؟ الخطأ ليس خطأ الجيل الجديد. اعتاد رجال الأنظمة أن يقولوا نعم للأب في كل شيء لأنه كان يريدهم أن يقولوا نعم في كل شيء فقالوا للابن ما كانوا يقولونه للأب.

أول شيء علّمه الإمبراطور أغسطس لأحفاده أن المَلك ممنوع عليه أن يظهر الخوف حتى لو كان يرتعد في داخله مثل الشجرة الضعيفة في الريح القوية. المحيطون بالزعماء العرب ليس أسوداً لكنهم ليسوا خرافاً ويستطيعون أن يشمّوا رائحة الخوف في الأسد إن خاف لذا لم يكن على الزعماء ألا يُظهروا الخوف فقط بل ألا يشمّ أحد رائحة خوفهم. لكن رائحة الخوف فاحت الآن ولا يوجد شيء يستطيعون القيام به لإجبار الناس على نسيان ما شموّه بعد زوال الخوف الأكبر.

مهما عمّر الحاكم الظالم فإن الشعب أطول عمراً منه. ومهما حاول طمس آثار خطواته لاغتصاب السلطة فإنه سيعجز لأنه يستطيع أن يرمي الناس بالمدفعية وأن يرميهم في السجون وأن يصادر حرياتهم وأن يختطف مستقبلهم لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى كل عقل وإلى كل ذاكرة وينتزع منها الحقائق التي يعرفها. لا يمكن نسيان الظلم لأنه لا يمكن نسيان الألم لذا لم يفقد أسبان كثيرون الأمل بالعثور على أمهاتهم وآبائهم في بلدة إسبانية نائية أو قرية على رأس جبل بعيد لم يسمع أخبارهن أو أخبارهم منذ سار فرانكو بجيشه وفتك بكل من وقف بطريقه كما فتك الفاتحون الأسبان بالأزتك والمايا في أميركا الجنوبية.

ويوم قضى فرانكو بعد طول نزاع مع الموت، دفنوه في ضريح فرعوني ضخم أجبر أسراه على بنائه معروف باسم “وادي سانتا كروز للأموات” (Santa Cruz del Valle de los Caídos). وجاء خوسيه لويث زاباتيرو رئيساً للحكومة على أنقاض حكومة المحافظين التي تزعمها خوسيه ماريا أثنار ونظر إلى إرث فرانكو فرآه على حقيقته: رمزاً للظلم لم يعد له مكان في أسبانيا الحرة. وعندها أزاله بموافقة الشعب وحوّل الضريح إلى نصب للديمقراطية. بعدها بدأت المدن والقرى تخلع إرث فرانكو فأزالت اسمه وتركته من الساحات والشوارع التي كانت تحمله أو صفاته (جنراليسيمو) وقلعت تماثيله من أساسها وكان آخرها تمثال ضخم في مدريد أودعوه المصاهر في احتفال مهيب في آذار (مارس) 2005. وعندها فقط استنشق الأسبان هواءّ لم يلوثه فرانكو بصورة أو تمثال أو ذكرى، وضحكوا من القلب عندما سمعوا الكوميدي الشهير يقول لجمهوره: “وصلني الآن نبأ عاجل عن فرانكو وأحب أن أزفّ إلى الجمهور خبراً ساراً هو إن الديكتاتور الأسباني لا يزال في قبره، ولا يزال ميتاً”.

*من كتاب: تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية، (2005) الصفحات:  163-178

[1] المهيّج المدمّر، ويقصد أنه مثل النار التي لا تبقي ولا تذر.

[2] تاريخ الطبري، ج 11، ص 1098.

[3] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 3، ص 216.

[4] الجاحظ، كتاب الحيوان (مختارات)، منشورات وزارة الثقافة، (دمشق، 1979)، ص 138.

[5] الجاحظ، كتاب الحيوان، ج 5، ص 325.

[6] ومن أمثلة ذلك مسجد بُني في القرن الثامن الميلادي أو نحوه في حي “نيو جيه” ببكين على يد تاجر من دمشق لم أتمكن من معرفة اسمه، ومدخله يبدأ يميناً بأول سور القرآن بكتابة مذهبة وينتهي بآخر سورة فيه. والمسجد مُصوّر في حلقة من خمس حلقات في فيلم وثائقي عن الإسلام في الصين اسمه ” المسلمون في طريق الحرير” أعددته بمساعدة بعض الزملاء في نهاية السبعينات.

خطيب بدلة في كتاب جديد: قصص وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سورية: قراءة وعرض عادل بشتاوي

الكتاب: قصص وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سورية
الكاتب: خطيب بدلة
دار النشر: دار نون للنشر
عدد الصفحات: 176
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: 2014

khatteb spread

قراءة وعرض عادل بشتاوي*

أكرمني الله بكوابيس عجيبة ليس في طولها فقط بل في عرضها أيضاً بعضها من النوع الذي تقول فيه النفس للنفس الأخرى “أنت في منام وأضغاث أحلام”، فترد النفس الأخرى على النفس الأولى “بل أنت في حقيقة فاخرج منها إن استطعت”.
ولا فائدة من الزعم أن بعض هذه الكوابيس لقطات بكميرات الذاكرة لفنون التعذيب في سجون النظام وأقبيته الأمنية على أشياء قائمة أو أشياء نائمة، كان عمال محاكم التفتيش سيستعيذون برب المسلمين منها، بعدما صار جل من أقام صفحة على فيسبوك يدعي أنه كان في فائت العصر والأوان سجينا أو معتقلاً أو ملاحقاً أو مشروع سجين أو معتقل أو ملاحق لأن الذهب ليس ثميناً لصفرة لونه بل لندرته، وكذا في شكل أو آخر، حال الثوريين والمتثورنين.
وليس من الكوابيس في شيء أن يقلب المرء من محطة إلى ثانية فلا يجد في دنيا التلفزيون سوى قناة “الدنيا” أو “الآخرة”، بل أن تطلع المحطات كلها بخبر متفق عليه مفاده أن صواعق عجائبية ضربت الأرض في الليل فخرج من القبور إلى القصور صدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد وفرانكو وستالين وسلازار وموسوليني وغيرهم من شياطين الانس من جهة، ودخل العالم من الجهة الأخرى عصراً مظلماً لا نهاية له ولا ربيع.
ويمكن لمن يعاني من هكذا كوابيس اللجوء إلى أطباء نفسانيين لم يتخرجوا من موسكو، ويمكنه أيضاً اللجوء إلى حل أسهل بكثير ساقه الكاتب خطيب بدلة مجاناً في كتابه الجديد في صورة نكتة ها هي:

“يحكى..
بعد وفاته (حافظ الأسد) بأيام، تقدم من القصر الجمهوري رجل تبدو عليه علامات الغفلة والسذاجة والهَبَل. اعترضه الحراس، فقال لهم:
– ابتعدوا من طريقي.. أريد أن أقابل القائد المفدى حافظ الأسد.
ارتابوا في أمره، وكاد أحدهم أن يطلق النار عليه.. ولكن أحدهم أشفق عليه
وقال له:
– يا أخي! أنت لا تسمع الأخبار؟ الرئيس حافظ الأسد مات.
قال: بجد؟
قال الحارس: الله وكيلك مات.
فشكره وانصرف.
بعد يومين أو ثلاثة، عاد الرجل إلى نفس المكان، وطلب مقابلة حافظ الأسد، فقال له أحد الحراس:
– الرئيس حافظ الأسد مات.
في المرة الثالثة اعتقلوه.. اقتادوه إلى أحد فروع الأمن.. ضربوه ضرباً مبرحاً وهم يسألونه عن السر الذي يخبئه، وما حكايته مع الرئيس الراحل. فقال:
– اعطوني الأمان.. أحكي لكم الحقيقة.
قالوا: عليك الأمان.
قال: والله العظيم.. أعرف أنه مات.. ولكنني أطرب وأنتشي وأكاد أسكر حينما أسمع العبارة التي تقول: حافظ الأسد مات!” (ص 100-101).

ومن يعرف الكاتب خطيب بدلة يعرف العمارة الساخرة التي أقامها على صفحات موقعه “كش ملك“، وهي المجلة التي تصف نفسها بأنها “شهرية – سياسية – اجتماعية – نقّادة – ساخرة”، وفيها من حرية التعبير ما لا يماثله في أي دورية أخرى ومن انعتاق اقلام كتّابها ما لا يمكن الحلم بوجوده أيام الحارث (حافظ) أو الوارث (بشار).
وإذا لم تكن الثورة تعني حرية التعبير فماذا هي؟ وما هي حرية التعبير سوى توافق الكلمة مع الحدث ومسخ الحالة الكاذبة بسحر الصدق والحقيقة؟ إذا اقتضى التعبير عن الحالة تغليب النكتة على السيرة فما هي المشكلة؟ خطيب بدلة سرد نكتة موت الأسد في 141 كلمة وسرد سيرة الأسد الكبير نفسه بثلث العدد تقريباً، أي بخمسين كلمة يمكن اعتبارها غاية في الكفاية: “في العاشر من حزيران (يونيو 2000)، توفي حافظ الأسد، بعد ثلاثين سنة من الظلم، والاستبداد، والبطش، وإلغاء الحياة السياسية، ومحق الرأي المعارض، وتطويع الناس، وقهرهم، وإرغامهم على عبادته. مات وفي رقبته أكثر من مئة ألف قتيل من الشعب السوري، عدا الذين صرفوا القسم الأكبر من أعمارهم في سجونه ومعتقلاته” (ص 100-101).
ولا تقتضي حرية التعبير اعطاء الجاني والضحية أو المغتصب والمغتَصبة المساحة نفسها، إلا أن السخرية نصل كلامي حاد يعرف كاتب ساخر مثل خطيب بدلة كيف يوجهه؛ إنها لا تستنجد بالكذب والافتراء والتحقير والاستخفاف لتحقيق الهدف من السخرية، بل بالصدقية التي يمكن النظر إليها من زاويتها الحقيقية لا من الزوايا التي تسوّقها الأنظمة أو أصحاب الأقلام الثقيلة والعقول الخفيفة.
من الحقائق، مثلاً، أن صدام والأسد والقذافي ينتمون إلى مدرسة القتل المجاني الستالينية نفسها. ضحايا صدام خلال السنوات العشرين السوداء التي حكم فيها العراق العظيم يعدّون بمئات الألوف لكنه قال يوم إعدامه إنه “يضحي بنفسه جندياً من أجل العراق وشعبه، وأنه سيلقى ربه بضمير مرتاح” (هنا)
أي ضمير هذا، يا جماعة الخير، وأي تضحية، وأي كذب؟
النهاية سريعة: ثانية واحدة كانت كافية لزوال عصر كامل قهر فيه صدام العراق قهر المغول. نهاية القذافي كانت سريعة هي الأخرى بعد اصطياده في قسطل مجاري (بالوعة ليبية، حقيقة). الأسد زهدت به الدنيا فمات دون طول بال لا مسوّغ له. هذه “مأثرة” لا يُستهان بها. خذوا، مثلاً، الدكتاتور الاسباني فرانكو. هذا الأخ أصر على مقارعة عزرائيل على ساحة فراش الموت أكثر من ثلاث سنوات نُكب خلالها ليس بذبحة صدرية واحدة بل بمذابح جماعية.
إذا كان جيل فرانكو من الاسبان يعاني من النرفزة وضيق الخلق وسرعة الهيجان وازدواجية الشخصية فلعل فرانكو أحد الأسباب، إن لم يكن أهمها. كانوا يفيقون كل يوم فلا يعرفون إن كان في يومهم فرح لموت هذا الدكتاتور الديناصوري العريق، أو زعل لأنه يمكن أن يقوم من فراشه في أي لحظة ويحكمهم ثانية حتى العظم. حتى عندما مات فرانكو ظل اسبان كثيرون في حال انكار آيبرية معروفة لا يصدقون أخبار موته، كما حال صاحبنا في النكتة أعلاه، لذا يُقال إن قراء النشرات المسائية في بعض محطات التلفزيون كانوا يختمون بالقول: “جاءنا الآن نبأ مؤكد بأن الجنرال فرانكو لا يزال ميتاً، ولا يزال مدفوناً في قبره”.
لقد انتهى صدام والأسد والقذافي لكن إرثهم الأسود لم ينته بعد. مثل الإيدز، سموم نصف قرن أو أقل أو أكثر لا تزال في العقول. التخلف الذي أورثوه شعوبهم لا يزال في العقول. الجهل لا يزال في العقول. السلوك القبيح كذلك وشراسة الخلق وضعف المحبة والثقة والأمانة واضطراب التفكير والسماجة وثقل الدم. الأسد الكبير كان دكتاتوراً لكنه لم يمت إلا ومعظم من لهم مناصب، أياً كانت، صاروا مثله: ابنه دكتاتور مثله، رئيس الوزراء دكتاتور مثله لكن في حكومته، الوزير دكتاتور في وزارته، قادة الفرق دكتاتوريون في قطعاتهم، زعماء المخابرات مثلهم، مدير المدرسة دكتاتور في مدرسته، الاستاذ دكتاتور في صفه، الخباز في مخبزه، الأب في بيته والأخ الكبير دكتاتور على إخوته الأصغر واخواته.
إذا كان البعض يتصوّر إن اتباع الوارث بالحارث نهاية انتصار الثورة فإنه لا يريد أن يعرف ما الذي حدث تماماً خلال اربعين عاماً في سوريا، أو في ليبيا أو في العراق وقريباً في مصر. إذا تصوّر المرء ما هي الخطوات التي يجب ان تلحق بانتصار الثورة فيجب أن يعرف أن الانتصار لن يكون أكثر من خطوة واحدة في طريق هرمي طويل. إذا اعتقد البعض أن انتصار الثورة هو نهاية نفق دكتاتورية الاسرة الأسدية فلعلهم لا يعرفون أن في نهاية النفق قطار رهيب يتجه نحوهم بسرعة رهيبة.
خطيب بدلة كاتب ساخر لكن السخرية ليست نوراً يرسله خطيب أو غيره في الاتجاه الذي يريده ويحجب النور عن الاتجاهات المهمة الأخرى. إنه طبيب. إذا أراد الطبيب شفاء المريض عليه أولاً أن يعرف طبيعة الداء؛ عليه أن يشخّصه جيداً. الأسد ذاهب لا محالة لسبب بسيط جداً هو أن الشعوب باقية لا محالة. إذا شاء المرء أن يحدد طريق إزاله هذا النظام عليه أن يحدد الأسباب التي حملت النظام إلى السلطة ثم سمحت له بالاستمرار في السلطة:
يقول خطيب بدلة:

“حُكمت سورية منذ استيلاء الجنرال حافظ الأسد على السلطة يوم «16/11/1970» وحتى تاريخ تحرير هذا الكتاب، من خلال تحالف قوتين جبارتين هما: قوةُ الأجهزة الأمنية التابعة لمجموعة الأسر الحاكمة، وقوة الإعلام.. فالأجهزةُ الأمنية تُرَاقِبُ، وتتنصت، وتَعْتَقِلُ، وتَسْجُنُ إلى آجال غير مسماة، وتُطَارِدُ، وتُشَرِّد، وتُصَفِّي، وتَقْتُل، وتُمَثِّلُ بجثث المواطنين السوريين المعترضين على هذا النهج،.. والأجهزةُ الإعلاميةُ تختلقُ الأكاذيب التي تموه الحقائق، وتَخترع و«تُفَبْرِكُ» أكاذيبَ موازيةً لها، وتحاولُ، من خلال هذه الأكاذيب، إيهامَ الرأي العام، في الداخل والخارج، بأن «النظام» بريء مما حصل، وأن ثمة قوى وَ.. جِهَات أخرى تقصدت ارتكابَ تلك الأفعال، تنفيذاً لمؤامرات و«أجندات» استعمارية خارجية، ورجعية داخلية مرتبطة بالخارج، لكي تسيء للشعب، والقيادة الحكيمة في آن معاً.
ولأجل تحقيق هذه المعادلة التسلطية، القائمة على كذب مكشوف غير مشوب بأية شائبة من صدق، فقد عمدت السلطة «الأمنية/ الإعلامية» إلى التعتيم الإعلامي الشامل، ومنع أي إعلام خارجي حر من دخول البلاد، وحَصَرَتْ عملية السماح بإنشاء مؤسسات إعلامية داخلية خاصة برجال تثق بهم، أغلبُهم مسؤولون متقاعدون، أو أبناءُ ضباط أمنيين سابقين مشهود لهم بالولاء للنظام،.. وحتى المراسلون الذين تعتمدهم الصحف والمحطات التلفزيونية العربية والعالمية فلا يمكن لهم أن يعملوا في سورية إذا لم يكن معهم «o.k» ليس من وزارة الإعلام السورية، وإنما من إدارة المخابرات العامة، أو أية جهة أمنية كبيرة أخرى” (ص 8-9).

إذاً، خطيب بدلة كاتب ساخر لكن سخريته واقعية، وهناك فارق شاسع بين السخرية الواقعية والتهريج. إنه مؤرخ معاين ومعايش، لكن يجب أن نكون واقعيين ونعترف أنه ليس مثل اليعقوبي أو المسعودي، أو حتى الطبري. سيرة الثورة السورية في كتابه “رواية” ليس فيها الاسناد المسند الساند، ولم أجد فيها حديثاً واحدا.
خطيب بدلة مهذب ومتواضع بطبعه وهو لا ينفي: “أحببتُ أن أتقدم للقارىء الكريم باعتذار شديد اللهجة عما يمكن أن يرد في هذه الكتاب من معلومات قد لا تتوفر فيها الدقة المتناهية.. فيؤثر ذلك على مصداقيتي التي أزعم أنني أمضيتُ عمري وأنا أسعى إلى الحفاظ عليها… وإنما هي، في كل الأحوال، رؤية، واجتهاد، ووجهة نظر (ص 9-10).

لكن إن لم يكن التأريخ رواية، فما هو؟ إن لم يكن رؤية، فما هو؟ إن لم يكن اجتهاداً، فما هو؟ إن لم يكن وجهة نظر، فما هو؟ إن لم يكن التاريخ كلاماً بسيطاً، سلساً، سهل الهضم، هدفه اعلام الانسان العادي ومساعدته على اتخاذ القرار، فما قيمته؟
في تاريخ الأمم نوعان من الروايات: روايات كتبها المنتصرون وروايات كتبها المهزومون. وفي تاريخ هذه الأمة المقدسة، باستثناء، نوع واحد من الروايات هو أساساً رواية السلاطين والمتسلطين جمع فيها معظم المؤرخين حطام تفسير المفسرين وكذب النسابين وتأويل المؤولين والاسناد المتسلسل المبين الذي يتطلب التحقق منه ما لا طاقة لأحد به من العالمين.

إذا كان الخيار بين المؤرخ أبو العباس أحمد بن إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي أو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودى فخذوا الاثنين من أجل الله واعطونا محمد خطيب بن عبد العزيز بدلة بن فاطمة وكتابه الجديد الجدير بالاقتناء والقراءة بامتياز.

عادل بشتاوي: عبق الأنوثة في ذكورية الكلام: قراءة في مجموعة نسرين طرابلسي القصصية «بروفة رقص أخيرة»

قليلة هي الكتب التي لا يقرأها هذا الكاتب بدافع الواجب، لكن المشكلة، أحياناً، ليست في الكتاب أو في كاتبه، وإنما في الكاتب الذي يحاول قراءة كتب الآخرين، وهذا الكاتب منهم فهو يقرأ الفصل الثاني من الكتاب، فإن لم ينفر من حطام الكلام ونيجاتيف الصور البيانية الباهتة، وكثرة النقاط المُزخّة بين اللفظات كما يُزخ سفاف الفلفل على الرز البسمتي، عاد إلى الصفحة الأولى فبسمل وتوكل وظعن في أرض المحتوى. في المجموعات القصصية، القصة التي يتربع اسمها على غلاف الكتاب آخر ما يُقرأ، لأنها تكون، عادة، التفاحة الحمراء الكبيرة على قمة الصندوق، وتحتها… ما تحتها. الهدف، إذ ذاك، القصة ما قبل الأخيرة، لأنها، أحياناً، آخر ما بقي في صندوق الابداع، فيُعطى الكاتب فرصة تسديد هدفها في مرمى القراءة، إن بقي في قدمه الروائية حيل.

أما المنهجية القرائية الروائيّة، فقد تعلمها هذا الكاتب من رئيس الفترة في وكالة الأنباء السورية عندما بدأ سيرته الصحافية بُعيد ولادة نوح، فكان يقول: الصحافي بما يرسله إلى سلة المهملات لا في ما يرسله إلى الصحف. المنهجية الأخرى تعلمتها على كيسي من التسوّق في سوق الجمعة، غير بعيد عن مسجد محيي الدين بن العربي، في صالحية دمشق.

وكنت نسيت (تناسيت؟) الصالحية وما فيها، والوكالة ومن فيها، والحارة ومن كان فيها، بعد أكثر من ثلاثين سنة من النفي في عدد لا بأس به من مدن العالم، وإذ بها تفح في وجهي، كما يفح الجوري في ربيع دمشق الأزليّة، ببيوتها وبوجوه من عرفت وبرائحة الطبيخ المُرسل من تحت أبواب المطابخ العتيقة ومن شقوق النوافذ، كما الثعبان المعاتب، وأنا أسمع كلامها الشامي قبل وقت:

«مْشَحّرة دمشق، مْشَحّرة ومُلّوثة: بالصخب ملوثة، بعوادم السيارات ملوثة، بهباب الصوبيات وشحّار المازوت مْشَحّرة! لكن هذا في الشارع، بعده،  ما بعده… ما أن تلج الحارات والأزقّة حتى تنسمك رائحة المكان والزمان. الباص ينقلك إلى باص فتنزل عند موقف الفردوس؛ من هناك مشي، مشي، مشي؛ تدخل ساحة جورج خوري،  ثم مشي ثم جناين الورد. هنا تشم ريحة الياسمين العراتلي، ريحة ورق النارنج المتشوق لأنوف راغبة، ريحة السرو تبع المستشفى الفرنسي، الصنوبر… تطلع درج البناية فيبدأ التعريف والتعارف: (نشقة من نسرين ثم من هذا الكاتب يلحق على غير هدى): آه: بيت الجبور طابخين عكوب بزيت؛ بيت الحناوي طابخين ملفوف؛ بيت معلوف طابخين هيك، فهي رحلة صاعدة في خليط صاعد مع الصاعدة فلا تصل شقتها حتى تكون عرفت ما سيأكله الجيران جميعاً في ذاك اليوم.

مثل مدينتها، ومع المدينة سورية بحالها، تبدو نسرين طرابلسي في وضع انتظار. الانتظار عند الدمشقيات، ونسرين منهن بامتياز، ليس وقتاً ضائعاً مثل انتظار الباص، وإنما استراحة ضرورية لاستقبال المرحلة التالية من الحياة بهمة وتفاؤل.  المرحلة التالية من حياة نسرين، كما يبدو، محطات مؤقتة. لعلها فعلاً تنتظر الأخضر على مشارف دمشق، لعلها تنتظر شيئاً آخر. اليقين مع نسرين مغامرة تشبه مغامرة توقّع نهاية قصة من قصصها. ربما حُملت في آخر النهار وفي جوفها «أجر يوم وصرة طعام دافئة»، وربما «طارت الحمامة إلى غير رجعة.» هل الحلم نقيض الواقع أم مادة استمراره بجسد آخر؟ نسرين زعمت أن الأحلام الأولى لا تموت، صحيح؟ ربما قيل إن التمسّك بالأحلام الأولى نوع من ضرورات البقاء، لكنه يمكن أن يعني أيضاً أن صاحب الأحلام الأولى لم يستطع خلق أحلام جديدة فكل ما جاء بعداً جاء بحطام. هي صرة الطعام نفسها لكن الدفء لم يعد هناك، وليس في الطعام البارد رغبة نضرته الأصليّة.

يخطىء القارىء الذي يحاول استقراء حياة الكاتب من تفصيص قصصه، وفي حال نسرين قصصها.  زيجات من يوصفون أحيانا بـ«المبدعين» تلفّ في أحسن الحالات في مدار أعوج، وزيجات كتّاب بالمئات انهارت لأن الزوجة أقامت اتصالاً لا وجود له بين الكاتب وبطلات رواياته. حتى لو توافق بعض الأحداث في الزمان والمكان فلن تكون أحداث حياته أو حياتها تماماً. في الحياة هي أنثى وكاتبة؛ في الكتابة هي كاتبة وأنثى. إذا فصل القارىء في المحتوى المقروء بين الكاتبة والأنثى فربما ظلم الكاتبة أشد الظلم. في نهاية الكتاب هي كاتبة تكتب بقلم الكاتب نفسه لكن عينيها ترى الأشياء من زاوية مختلفة ليست زاوية الكاتب. الاختلاف لا يعني الجودة أو الحطام فهو قياس مختلف تماماً له معاييره المختلفة.  ربما قيل لا تُلام الكاتبة إن لم يستطع القارىء أن يحدّد في النص الخطوط الرمادية التي يُكثر الكتّاب استخدامها، وخطوط الألوان الطبيعية في كتابة الأنثى. إن حاولت الكاتبة الأنثى إخفاء الألوان الطبيعية في نصوصها ستظلم نفسها وستظلم معها الأنثى. في الكتابة، كما في الحياة، المرأة والرجل ليسا في حال منافسة أو سباق، كلاهما يستطيع أن يعلم الآخر شيئاً لا يعرفه. لا توجد في الكتابة جوائز  ترضيّة أو نقاط إضافية تُمنح للكاتبة الأنثى، وليس في كتاباتها شيء اسمه «المسكوت عنه». لكن لا يستوي في الوقت نفسه أن يمسك القارىء قصص الكاتبة بين يديه ويشمها بعمق فلا يجد فيها عبير الأنثى. الكاتب أيضا:

 

«مساء اليوم السابق تأكدنا أنها أنثى. أنثى بخصر ضامر وورك لدن مرن يطاوعها كيفما شاءت» (ص 12)؛ «وتمر سطور الاملاء كلمة كلمة، هنا شدّة وهنا همزة على نبرة، وتلك تاء مربوطة إلى أنوثتها» (ص 17)، قلت له بيننا: «يا رجل ما زالت صغيرة». قال لي: «صغيرة!! إنها تفوقك أنوثة.» (36)، «تاقت لهذه اللحظة منذ بلوغها العاشرة وانشداد هضبتين في الصدر، انحنى لهما الخفر الأنثوي وتكتفت الذراعان طيلة الوقت، وبدأت الجينات تفعل فعلها في رسم الهيئة كاملة» (ص 60). وفي القصص إشارات أخرى كثيرة كهذه، ليس في سوقها هندسة مُسبقة أو هدف استثاري أو انتصابي. لكن، هل نسرين، وغيرها كاتبات، الوحيدة القادرة على عرض هذه الصور الأنثوية؟

 

ربما قيل إن الكاتب يستطيع عرضها، لكن ربما قيل أيضاً إن نجاحه أو إخفاقه يتوقف على تجاربه. ربما عرف عشرات الفتيات والنساء لكن ما كل الفتيات والنساء إناث. إنه تصنيف مختلف. حتى لو عرف أنثى أو أكثر، فربما لن يستطيع توظيف معرفته لاستحضار الصور التي استحضرتها نسرين. الفرق هنا ليس بين حرفيّة التأليف عند الكاتبة والكاتب بل حرفيّة المراقبة. نسرين مُراقبة محترفة لما حولها، لكن حتى المراقبة المحترفة لا تكفي أحياناً. يجب أن تكون الكاتبة، أو الكاتب، قادرة على إخراج الذات الأخرى من القفص الجسدي الواحد وتجسيدها ومراقبتها بطريقة قريبة من تجسيد الهولوغرام.

مرحى، إذاً، لنسرين التي وظفت ثلاثين سنة، أو غير ذلك، من المراقبة الاحترافية  الدقيقة في إثراء قصصها بعبير دمشق الأنثوي وعبير إناث دمشق. هذا طبيعي، ربما، لأن نسرين دمشقية بامتياز وأنثى بامتياز. المعالجة الكتابية الأنثوية ليست معالجة جنسية، ولا التعرية الانثوية تعرية جسدية.  الأنثوية غير العذرية، يبدو. ما كل البنات يولدن إناثاً، ولا الاناث يبقين إناثاً. لعل الأمر يتوقف على تجاربهن مع الرجل. لبعض الرجال قدرة على صون براءة الأنوثة في زوجاتهم أو صديقاتهم في الأوضاع الجنسية جميعاً، ولبعض الرجال قدرة على تعهيرهن، يُقال. بعضهن يبقين إناثاً حتى بعدما يصبحن أمهات. في تجارب أخرى يعري الزوج زوجته من دون أن ينتبه أحياناً إلى أنها يعريها من انوثتها وبراءتها الطبيعية. ربما تمثّل الفرق في وردة لا تزال في الحديقة الطبيعية بنضرة دائمة يشمها كلما زار الحديقة، ووردة من الصنف نفسه في مزهرية يشمها عندما يشاء. عاجلاً أو غيره ستذبل قبل أوان الذبول (قصص: قضية خاسرة، أخطاء شائعة، في المحطة مرتين).

بروفة رقص أخيرة

على شارع في انطاكية خارج فندق احتفلت فيه رابطة الكتاب السوريين بتسليم جوائز الرواية جلست نسرين وهذا الكاتب على حافة جدار فاصل قصير وتحادثا. من المؤسف أنني لم أكن قرأت بعد مجموعة نسرين القصصية بروفة رقص أخيرة، لذا لم يتطرق الحديث إلى أبنية قصص في المجموعة بعينها. كان انتظار رحلة المتابعة في مطار اسطنبول طويلاً، لذا قرأت المجموعة، ثم عدت وقرأتها مرة أخرى بعد اسبوعين أو ثلاثة. تركت عشرات الاشارات والتعليقات الأوليّة في صفحات القصص للاسترشاد بها في وقت لاحق، لكن ليس في صفحات قصة الغلاف. هذه القصة لوحة. إذا قرأها رسام محترف فربما تمكن من رسم لوحة تعبر عنها تماماً. اسوأ ما يمكن القارىء الناظر إلى لوحة متميزة أن يفعله هو أن يضيف اسمه تحتها.

في مجموعة نسرين القصصية (200 صفحة) لوحات وصفية ملفتة: «المُهرة» عندها «داشرة»، (ص 13)، «الابداع» في سردها  «أبجدية» (ص 15)، كتابة الوكيل عندها «خربشة» (ص 19)، لون أبنية دمشق المرهقة «هبابي» (29)، المداعبات في رأسها «تصفر كطنجرة الضغط» (37)، «أربع ليال عدنا فيها للصعود إلى المحرس المرتفع، وكنا نتظاهر بالنوم حرصاً على «سمعتنا كجنود، مخبئين الأسلحة تحت الأغطية في عناق وجل» (ص 22، 23). هذه صور «ملائكة» الكتابة الابداعية لكن الصورة في قصة بروفة رقص أخيرة مختلفة. لذا، يمكن أن يسأل القارىء أي شيطان مبدع ركب رأس نسرين فوصفت الراقصة نوف بأنها كانت «كسحليّة صغيرة خالية من العظام»؟ نسرين ذات ثقافة عالمية متنوعة، كما تكشف بعض صورها ومقاطعها في قصص عدة، لكن على الكاتب الذي يريد وصف نوف أن يكون ملماً بالجراحة ودمشقياً في آن. السحالي ليست مثل بعضها. في العالم ستة آلاف نوع من السحالي لكن سحالي جدران دمشق القديمة رشيقة تلج شقوقاً أضيق بكثير من جسدها؛ هي قادرة على الالتفاف في أي اتجاه بسرعة عجيبة، والالتواء والتثني بأنواعهما لمرونة رباعيتها المتحركة العليا. إن استطاع الصبي الشقي الامساك بواحدة ولم يكن يعرف طبيعية السحالي الدمشقية «سالت» من بين أصابعه واختفت قبل أن تتحرك فيه عضلة واحدة للحاق بها:

 

«لا شيء يمكن أن يخفف قلقه على نوف، أصغر الفتيات وأكثرهن رقة. جاءت إليه كسحليّة صغيرة خالية من العظام، ملتفّة عل غصن طري أخضر. تتلوى أثناء الرقص دون عناء أو لهاث. عندما تقفز تبدو كفراشة فطرتها التحليق إلى أعلى. بعد الدرس الأول فكر أنها عاشت في حياتها الأولى غزالة رشيقة، يمكن للناظر أن يتأمل هيئتها لبرهة وهي معلقة في الهواء قبل أن تهبط بهدوء على الأرض» (ص 115-116).

 

لنسرين ظروف تبدو صعبة لذا لا تستطيع، الآن على الأقل، التفرّغ لكتابة الروايات. قصة بروفة رقص أخيرة عالمية بأي قياس، وإنسانية بالقياسات المعروفة جميعاً، وربما بدت كفصل مطل على ساحة رواية طويلة.

ليتمنّى كل من يحب القراءة الابداعية لنسرين أن تتمكن يوماً من القبض على أسلوبها «السحلوي» المتين بحزم وتبدأ كتابة روايتها الأولى: «من بعد الظهر حتى مشارف الفجر، نبَشت بحماس تربة الذاكرة، باحثة عما  انزلق في مصارف النسيان. انفتحت بوابة الروح وانهمكت في تأليف كتاب» (من قصة أدب نسوي، ص 143).

عادل بشتاوي: اشتر الكاتب وخذ الكتاب على البيعة

خوفي الأكبر كمراقب محترف ليس من عدم مجيء الربيع العربي، فهو آت لأسباب طبيعية لا علاقة لها بهمة شباب لم يتمكّن بعضهم بعد من تبيّن الصلة العضوية بين الشبابيّة والحكمة، أو شيوخ لا همة عندهم ولا حكمة ولا شباب ولا حتى عضوية، بل أن يأتي إلينا أكثر هرماً من الخريف على عكازين لا واحدة. السبب رياضيات: لو جمع الجامع امرأة في السبعين وشيخاً في الثمانين وأفرد لهما جناحاً في الشيراتون لمدة خمسة أشهر مع طن من الفياغرا فلن يجيء من الرحم العتيق إصبع ناهيك عن مجيء ربيع الطفولة.

حتى لو استولدا ربيعاً حياتياً بمعجزة قريبة من معجزة ولادة الكون فالأرجح أن عمر هذا الربيع سيكون متوسط عمر المُنتجين الهرمين، أي 70+80 = 150 سنة ÷ 2= 75 سنة. يمكن هنا أن يُقال لو أنهك أدونيس الأمة فوق إنهاكه السابق بخمسة دواوين شعر جديدة، لا سمح الله، فربما استطاع اقناع نفسه أن رضيعاً بعمر 75 عاماً يُعتبر شاباً، لكنه لن يجد له الحليب المناسب.

هي، إن شئت، كمثل وجبة الكفتة التي خرجت على غير ما اشتهى الزوج والأولاد فيما هم جلوس إلى العشاء. الزوج يلوم الزوجة لأنها كانت طبّاخة سيئة، والزوجة تلوم فرّامة اللحم لأنها لم تُخرج اللحم كما ينبغي، والأولاد يلومون الفرن لأنهم لا يريدون خناقة جديدة بين الأم والأب. إذا تمعّن الجميع في السبب الحقيقي فربما وجدوا بعد مشاورات أن المشكلة ليست في طريقة الطبخ ولا في فرّامة اللحم ولا في الفرن بل في اللحم نفسه. اللحم ليس صالحاً ولا يوجد سبيل أمام لحم خريفي لتحويل نفسه إلى لحم ربيعي – هو لحم خريفي عجوز أصلا.

عندما تذهب الزوجة والزوج الأولاد والفرن إلى اللحّام لمساءلته عن سبب بيع لحم لا يصلح للاستهلاك البشري سيقول لهم جميعاً إن هذا هو اللحم الذي تستورده الحكومة، لا يوجد بديل آخر إلا الخراف الحيّة التي هي فوق القدرة الشرائية لمعظم الناس. إذا ذهبت الزوجة والأولاد والفرن واللحّام إلى وزارة التموين للاستفسار عن سبب استيراد لحم لا يصلح للاستهلاك البشري فربما قال لهم الوزير إن السبب ليس اللحم المستورد، فهو يُباع حتى في إيطاليا وفرنسا للكلاب، بل مذاق الأسرة هو الفاسد. ربما كان مخابراتياً بالرضاع فاعتبر المداخلة تدخلاً سافراً في السياسة العليا للدولة وعمالة صهيونية وغربية ستُضرب أيدي مروجيها بسياط من فولاذ. بعد ليلة بلا نهاية سيخرج الجميع من قبو التحقيق بكورالية أخطر من “كارمينا بورانا” يُنشدون فيها للحم تتمنى الملائكة أكله، لكن فشروا.

لكن لنترك المسرحية في حال سبيلها وندرس المسرح: الأب ديكتاتور حتماً لأنه قرر حتى قبل الاستفسار أن زوجته طبّاخة فاشلة وكأنه طباخ ماهر. اللحّام ديكتاتور لأنه قرر أن يبيع الناس لحماً فاسداً شاؤوا أم أبوا. الوزير ديكتاتور لأنه يستورد اللحم الذي يناسب الوزارة لا اللحم الذي يناسب الناس. الرئيس ديكتاتور لأن مساءلة الشعب كله حق شرعي له لا يمكن المساس به لكن مساءلته جريمة بشعة.

وزير التعليم ديكتاتور في وزارته، مدير المدرسة ديكتاتور في مدرسته، المعلم ديكتاتور في صفه والكاتب ديكتاتور لأنه يريد أن يكتب لنفسه لا للناس. الرأي عند كتاب كثيرين لا ينطبق عليه وصف «الرأي» ما لم يكن مدحاً. يعني إذا قال له ناقد: «مع احترامي الشديد للورق المُهدر، هذه يا أخي رواية تافهة»، زعل الكاتب ونرفز ونفش عرفه مثل الديك.

يا سادتي: إذا درس الباحث سر كمال الصناعة الألمانية سيكتشف أن السر هو أن المستهلك الألماني لن يشتري بضاعة دون الكمال، لذا لا يوجد خيار أمام الصانعين سوى إنتاج الكمال. بما أن الألمان من الشعوب التي لا يعجبها العجب، فمن السهل على الصانعين الألمان أن يسوّقوا صناعاتهم في أي دولة أخرى لأنها تحمل دمغة الجودة. إذاً، ليس من الانصاف تحميل الكاتب العربي المسؤولية كلها. مستوى الجودة في بلاد حكمها أتفه العرب أكثر من نصف قرن تافه مثلهم.

حديث بعض الكتّاب عن أزمة في الكِتاب بوشار يريد أن يخدع الناس أن أصله ليس ذرة بل ياسمين عراتلي. هو ذرة، يا بعض السادة الكتّاب، فاخدعوا أنفسكم إن استطبتم البوشار لكن لن تخدعوا الناس. كما أن شعوب العرب تتقدم حكوماتها بمليون ميل على الأقل، كذا القارىء العربي يتقدم كتاباً كثيرين. إذا نظر الشيخ وجهه في المرآة فليس له أن يتوقع أن يرى شاباً، هو شيخ، ما بيده. وعاء الكتابة مثل الثلاجة تستطيع إبقاء اللحم طازجاً فترة لكنها لا تستطيع إن تجعل الشخت هبرة.

القارىء الخليجي لا يشتري كتاباً وكتابين وعشرة في معرض الكتاب. أمامه عربة البنّائين يدفعها بيد وفي اليد الأخرى كيس غاية في الثقل بالكتب التي اشتراها. بعض أكبر مكتبات العالم ليس في لندن وباريس بل في الخليج. إذا استوقف المستوقف هذا الخليجي المثقف واستعرض الكتب سيجد الكثير من الإنتاج الحديث، وهو إنتاج بالفعل بعضه متميز، لكن كتب التراث كثيرة هي الأخرى. بعضها، لو يعلم الناس، أشد خطراً من خطابات جوزيف غوبلز أيام النازية لأن بعض أصحابها أعضاء متمرسون من مجمع الصناعات الدينية الذي اختطف الاسلام واختطف العربيّة.

عجيب أن يسأل السائل شاباً في بيته خمسة كومبيوترات عن شاعره المفضل فيقول له «المتنبي»، عن مؤرخه المفضل فيقول، مثلاً، «اليعقوبي»، عن حكيم الحكمة فيقول، مثلاً، «طَرَفة بن العبد». هؤلاء، يا قوم، متاحف، أينعهم شباباً مات قبل 1050 سنة، معقول؟ عند بعض الناشرين كتب صارت قريبة من العالمية، لكن ساحة هذه الكتب في حيز فالت على هامش القراءة. لو سأل السائل نفسه: ما هو السبب؟ فربما اكتشف أن الناشر ديكتاتور هو الآخر، وكأنَّ اللحّام لا يكفي.

القول الشائع عند معظم الناشرين بعد طبع الكتاب «مات الكاتب»، أي ورثه الناشر حياً. ناشرون كثيرون يريدون أن يبيعوا أكبر عدد من الكتب لكنهم لا يريدون للكاتب أن يشتهر «أكثر من اللازم» لئلا يكبر رأسه ويطالب بمكافآت وجعالات وحقوق في وطن عربي حكومي لا يعترف إلا بالواجبات. النتيجة تطور تاريخي في القول الشائع من «مات الكاتب» إلى «مات الكاتب والكتاب». حزن أهل الكاتب على موته يقابله فرح الناشر لأنه سيبيع أعماله الكاملة ويضيف طبقة أخرى إلى بناية أخرى عمّرها على أقلام كتّاب فقراء.

أسألكم يا سادتي: كم هو عدد الكتّاب العرب الذين يرتزقون من الكتابة الأدبية؟ أنا لا أعرف، إن خُمّنت فربما قلت عدّوا كلمات هذا المقال ثم قسّموا على 100، لكن أعتقد أن النتيجة ستكون مبالغة، على الأرجح. الكاتب يريد أن يعيش، فماذا يفعل؟ يشتغل، مثل الملايين، عند الحكومات، أي في دواوين الديكتاتورية. عنده أولاد ومصاريف فما هو الشعار: «الجوع ولا الركوع» أم «الانبطاح والركوع والخنوع والخضوع ولا الجوع»؟

جنود فرنسا، ولم يكن كلهم فرنسيون، قَتلوا في مظاهرات ومجازر 8 مايو (أيار) 1945 التي شملت معظم أرجاء الجزائر بين ثمانية آلاف و15 ألف شهيد. لنرفع أكفّنا بالرحمة لهم. لكن السؤال: هل في الوطن العربي أكف دعاة يُقبل دعاؤهم بعدد الجزائريين الذين قتلهم الجزائريون في عشر سنوات؟ 100 ألف؟ والقذّافي، قذفه الله في عمق أعماق الجحيم، وأسد أفندي؟ هل مقتل 100 ألف جزائري ثمن مقبول لبقاء الدكتاتورية؟ هل تدمير سورية وقتل أهلها وتشريد شعبها ثمن مقبول لبقاء أسرة واحدة في الحكم؟ معقول أن يكون شعار مواطنين سوريين ولدوا على أرض سورية وطنهم سورية لا يعرفون وبناتهم وأولادهم غيره «الأسد أو نحرق البلد»؟ إذا احترقت سورية، لا سمح الله والثوار، فأين سيكون وطنهم؟ حتى موزامبيق لا تريدهم. ليُردّد أن لكل مثقف في العالم وطنان: وطنه يعيش فيه وسورية. لماذا؟ لأن في سورية 12 ألف موقع أثري إذا التقط عالم الآثار حجراً واحداً من كل موقع أعاد بسهولة بناء قصر الحضارة الانسانية.

العرب، بصراحة، كما كانت الوالدة رحمها الله تقول، لم يدفعوا ثمن الحرية الذي دفعه الأوروبيون. عندي اعتراض شخصي جداً على وصف “مفكر” لأنه يفترض أنه الوحيد الذي يفكّر وباقي الأمة أغبياء لا يفكرون، لكن مجازاً، ««المفكر»» (الاعتراض هنا ثنائي وهو ليس خطأ طباعياً) العربي لم يدفع الثمن الذي دفعه المفكرون الأوروبيون. لا أعرف ««مفكّرا»» توفاه الله، مثل أم كلثوم، ولا يزال العرب يترحّمون على روحه، مثل أم كلثوم.

مواقف كتّاب كثيرين غير مفهومة. إذا توكّل اللافهمان على الله وقرأها خمس مرات وجد نفسه بعد ذلك أقل فهماً مما كان قبل أن يقرأ. الخيار بالمقابلة الباتة. إذا لم يكن الكاتب يريد للعرب ربيعاً فلا شك أنه يريد لهم شتاءً دائماً. إذا لم يكن يريد لهم الديمقراطية فهو يريد لهم الديكتاتورية، إذا لم يكن يريد لهم التحرر فهو يريد لهم سجون الأزل، إذا لم يكن يريد لهم كتاباً متميزاً فهو يريد لهم كتاباً تافهاً مثله. ما هي الخيارات الأخرى التي لا بت فيها ولا قطع ولا وضوح؟ أن تقول الفتاة الصادقة مع نفسها والآخرين: «يمكن عذراء!»

إذا درس الدارس تاريخ صعود ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية سيجده تأخر كثيراً ولم يأت بعد انتهاء الحرب مباشرة. إذا حاول تحديد الأسباب فربما وجد أن خراب ألمانيا في الحرب العالمية الثانية كان رهيباً، لكنه لم يكن دائماً. الخراب الذي تطلّب تجاوزه فناء جيل كامل كان الخراب الذي زرعته النازية في عقول الألمان. يستطيع الجراح أن يُخرج الرصاص وسموم الشظايا من الجسم لكن كيف له أن يُخرج السموم التي زرعتها النازية في عقول ملايين الألمان؟ لذلك خوفي الأكبر كمراقب محترف ليس من عدم مجيء الربيع العربي، فهو آت لأسباب طبيعية لا علاقة لها بالبشر، بل أن يأتي إلينا بقميص عثمان الديمقراطي وملابس داخلية غاية في الديكتاتورية والتخلف والانتان.

««المفكر»» الايراني حميد دباشي نشرت له دار نون كتاباً بعنوان «الربيع العربي – نهاية حقبة ما بعد الاستعمار» استُطيبَ مما فيه القول: “لن يزهر الربيع العربيّ تماماً، ما لم يشمل مراعي إيران الخضراء”.

أهذا كلام يا صديقنا حميد؟ فتيات العرب يطالبن بقبول حقوقهن في القرن الحادي والعشرين أو ردّهم إلى القرن الثامن لأن حقوقهن آنذاك كانت أفضل من حقوقهن اليوم. من قال إن حقبة ما بعد الاستعمار انتهت؟ لم تنته يا عزيزي «المفكر» لأن الأنظمة الديكتاتورية أسوأ من الاستعمار والأمثلة أعلاه وفي سورية وليبيا ومصر واليمن. بما أن مسؤولية منع الأنظمة الخليجية من دفن الربيع العربي تقع على عاتق أهل الخليج أنفسهم فالمسؤولية نفسها تقريباً تقع على عاتق أهل إيران. إلى أن يتحرك الايرانيون لإزالة الحواجز المتوالية التي يقيمها نظامهم هم على الدرب العربي إلى ربيعهم المشروع والطبيعي فمراعي إيران الخضراء للخراف. المشكلة التي لا يريد كثيرون أن يروها على حقيقتها طبيعية: الشتاء لا يستطيع منع قدوم الربيع، وأعتقد أن الشتاء أكثر ديمومة من هذه الأنظمة الخريفية. خسائر العرب في معركة فتح الوطن العربي لنسيم ربيعهم القادم لا ريب لن تكون، مهما عَظُمت، بحجم خسائر الايرانيين. ظهر الأنظمة العربية كلها إلى حائط من ورق. ظهر نظام إيران إلى أكبر قنبلة انفجارية عرفها الشرق الأوسط. ذنوبي كثيرة وأنا متأكد أن الله لن يسمع دعائي، لذا أتمنى أن يبدأ الداعون الدعاء من الآن أن يمنّ على الايرانيين بالقوة والصبر لأن معركتهم القادمة ستكون صعبة للغاةي، وهي قادمة لا ريب.

زميلنا العزيز فادي عزام وجه لملف العدد الآتي من مجلة أوراق بلمحات «صورة الكاتب عن نفسه؛ نحتاج لمراجعات جريئة من كتاب ليكونوا قدوة. حول دورهم السابق، ومدى مسؤوليتهم فيما وصلنا إليه اليوم. وكيف حررتهم الثورة؟»

ستحرر الثورة سورية لا شك ولا ريب ولا جدال لأنها حتمية طبيعية، لكن كيف ستحرر عقل الكاتب من فصام خمسين سنة من الديكتاتورية؟ الدكتور جيكل والمستر هايد في عناوين كوم من المحتوى قرأته بدافع الواجب، وهذه أمثلة: الشتاء الساخن، الصيف البارد، الماء العطشان، الرغيف الجائع، معقول؟ حتى أفلام الكرتون عند والت ديزني لا تُعنون هكذا.

وكنت على مشارف اليأس من استنشاق نسيم الثورة في مدونات الثوار عندما قرأت مدونة أقنعتني أن السوريين بخير لذا ستظل سورية بخير مهما حدث: هو حفل زواج مقاتلة في حلب مع مقاتل زميل بعد قصة حب بين ركام الأبنية التي هدّمها النظام. إذا كُنت المؤرخ الذي وجد بعد بحث عنيد زاوية في هامش التاريخ لإضافة سطرين عن تاريخ نظام الأسد فربما قلتُ إن النظام سقط عندما رفعت تلك الفتاة يدها ليرى المحتفلون بزواجها خاتم العقد بينها وبين زوجها. لو أدارت اصبعها في اتجاه القصر الجمهوري وأفّقته كانت الرسالة انتقلت لوحدها إلى التاريخ من دون الحاجة إلى مؤرخ.

الحب أولاً في كل شيء. إذا بقي الحب في سورية بخير ستبقى الثورة بخير وسيبقى الوطن بخير والعالم كله بخير. الباقي قضية وقت لا أكثر، أعان الله شعب سورية وباقي شعوب هذا الوطن العربي المحتل على الأنظمة و««المفكرين»».

الصورة: Live to Write – Write to Live – WordPress.com

عادل بشتاوي: كتبة آخر الزمن وكُتّاب الزمن الآخر

بعضهم يزعم أن عباقرة معروفين خرجوا إلى العالم متميزين لأنهم خرجوا من أرحام أمهاتهم بعدما جاء وقت الطلق ومضى وبقي الجنين في انتظار الوقت الآخر. آخرون يقولون إن بعض أنواع الحيوان يختار ألا يشارك في صناعة الحياة لأسباب بعضهما معروف والآخر لا يزال تحت المجهر.

لعله ينتظر وقتاً آخر، ربما، كي لا يخرج الجنين إلى العالم يتيماً أو عندما تجود فرصة البقاء والاستمرار.

في حالات الحمل كلها، كما يبدو، الجنين هو الذي يقرر متى يخرج لا الأم أو الأب أو القابلة أو الأنظمة التي تركبها الشياطين.

إذا كان الأمر كما قيل فما حكاية هذا الجنين الجديد في الرحم العربي العتيق لا يريد أن يُولد ولا يريد أن يموت؟

تائه في صحارى النسيان من يشارك الآخرين الاحتفال بأعياد الاستقلال. صحيح أن الفرنسيين والانكليز والايطاليين والأميركيين خرجوا من العراق ومصر وليبيا والشام وغيرها لكن هذه الأوطان لا تزال مُحتلة. كل الذي تغير، كما يبدو، أن الجيوش الأجنبية المحتلة خرجت لكن الأمة لا تزال في انتظار خروج الجيوش الوطنية المحتلة.

تلك كانت حالة تسليم واستلام، كما يبدو. بعض الثكنات التي بناها الجيش الأجنبي المحتل صار ثكنات الجيش الوطني المحتل، ومثلها السجون، ويُقال أيضاً العاهرات، وهن أصناف، يُقال، بعضهن ينشدن الشعر بالفخذين، وعند بعضهن سوالف وحكايات كان مؤلفو ألف ليلة وليلة بكوا لم سمعوا بها وتاقوا إلى طبعة جديدة تخرج إلى العالم على التلفزيونات برعاية الرعاة. إحداهن قالت لو كانت التخوت تنطق بما حملت لانهارت ثلاثة أرباع الأنظمة.

والربع الرابع؟ “منهار أصلاً تحت ثقل أطنان الفياغرا.”

الكابتن البريطاني كان يقول لجيش مشترك من الهنود الهندوس والمسلمين عندما يصل المتظاهرون إلى الحواجز ويرمون الجنود  بالطوب عليهم أن يتلقوا الطوبة بصمت وثبات. مهما استفزهم المتظاهرون عليهم ضبط أعصابهم. إذا لم يضبط الجندي أعصابه وفتح النار لن تبقى بريطانيا في الهند. الكابتن العربي مثله لكن الهدف معكوس، كالعادة. عندما يخرج المتظاهرون إلى الشوارع مرة أخرى سيبدأ القتل.

السبب واضح. المحتلون الأجانب عادوا إلى أوطانهم فأين هي الأوطان التي ستعود إليها الجيوش العربية المحتلة؟

إذا كان الأمر كما قيل فما حكاية هذا الجنين الجديد في الرحم العربي العتيق لا يريد أن يُولد ولا يريد أن يموت؟

لعله ينتظر من يُنشد للحرية والخلاص من الخوف والجوع والقلق. لعله يقول: إن لم ينشد الشاعر للحرية والخلاص من براميل الديناميت والخوف والجوع والقلق فمن ينشد؟ لعله يقول: إن لم ينتقد الكاتب جيوش الاحتلال والظلم والتخويف فمن ينتقد؟ لعله يقول: هذه الأصابع التي يُكتب بها رفعت مشاعل الحرية والحضارة عند أمم وأعادت العقل العربي إلى كهوف كانت يوماً مساكن القرود.

للخبز ثمن وللجوع ثمن وللكلمة ثمن وللصمت ثمن. في مراحل معروفة مرت بها الأمم قبلنا، صار ثمن الخبز أفدح من ثمن الجوع، وثمن الصمت أفدح من ثمن الكلمة. للرصاص هيبة لكن لكلمة الحق هيبة أكبر؛ صوت الشاعر زلزال، قلم الكاتب حربة نافذة، ريشة الرسام الذي لا يريد للظلم الاستمرار صاعقة. إذا شاء الشاعر والكاتب والرسام الخضوع والخنوع فليجد شيئاً مفيداً يشغله غير الشعر والكتابة والرسم.

إن لم يضع أصبعه على جرح هذه الأمة فليضعه في مؤخرته. نصيحتي لهم ألا يكونوا كالسكرتيرة الشقراء – التامبونة على أذنها فيما هي تفتش عن قلم الرصاص.

بعض الكتاب طيروا برقيّة يطالبون فيها بتحرير لواء الاسكندرون.

معقول يا جماعة الخير؟

وطن هذه الأمة محتل من الماء المالح إلى الماء الأكثر ملوحة فما هي أولوية تحرير لواء الاسكندرون في قائمة الأوطان التي تحتلها الجيوش الوطنية؟ هل سألوا أهل اللواء إن كانوا يريدون أن يحكمهم الأسد؟ إن كتب أطفالهم شيئاً على جدار المدرسة لم يعجب خالة الرئيس فهل سينهال على رؤوسهم الديناميت بالبراميل أم بالطنابر؟

والإرهاب؟ هو آفة، لكن من وراء هذه الآفة سوى الآفة الأخرى – الأنظمة العربية المحتلة؟ من يمول الإرهاب؟ من يزرع في العقول الضعيفة اللؤم والكره والعنف سوى عصابة مجمع الصناعات الدينية السياسي الذي ترعاه الأنظمة العربية المحتلة؟

إذاً، ما هي حكاية هذا الجنين الجديد في الرحم العربي العتيق لا يريد أن يُولد ولا يريد أن يموت؟

هل هو في وضع انتظار؟

إذا كان فما الذي ينتظره؟

لو تمعن العاقل في أرضه وسمائه فلعله يكتشف أن كل ما في هذا الكون في حركة لا تتوقف. نحن جزء من هذا الكون مصنوعون من ترابه الفضائي القديم. إذا توقفت الحركة الأزلية لحظة واحدة سينهار الكون.

القصيدة التي ستُخرج هذا الوليد ومعه الملايين من كهوف الصمت والذل والخوف لم تُكتب بعد. المقال الذي سيحرق الأرض تحت الأنظمة العربية المحتلة لم يُكتب بعد. الكتاب الذي سيحمل هذه الأمة المظلومة إلى مستقبل لا ظلم فيه لم يُنشر بعد.

هذه القصيدة، هذا المقال، هذا الكتاب، هذا الوليد، إبداع الزمن الآخر؛ الزمن الآتي.

معظم ما تقرأينه، أيتها الأمة الشهيدة، من أقلام كتبة آخر الزمن؛

كتبة الزمن البائد،

كتبة زمن البؤس،

كتبة زمن الأنظمة العربية المحتلة؛

الكتبة الذين يريدون تحرير لواء الاسكندرون واستمرار احتلال سورية.

الرغيف المُقمّر والرغيف المحروق

يحسب هذا الكاتب المثقل بهرم من السنين وبذكريات ربما كان بعضها أكثر هرميّة وثقلاً أن البلد الذي يظل الأقرب إلى القلب بلد الشيخ زايد الذي عرفه هذا الكاتب سنوات عندما كان مديراً للتحرير المركزي في وكالة أنباء الامارات، وقبلها عندما اشتغل في دبي وكتب فيها مجموعته القصصية الأولى. في الليلة الظلماء يفتقد البدر فكيف يكون الافتقاد عندما يرفع المرء أصابعه ليعد الليالي التي لم تكن ظلاماً كلها ثم يُنزلها اليأس؟ إذاً قولوا معي مرة أخرى رجاء: حسبنا الله ونعم الوكيل ورحمة الله عليك يا عزيزنا الأزلي الشيخ زايد، تركتنا في الظلمة ومضيت.

متابعة قراءة “الرغيف المُقمّر والرغيف المحروق”